الرئيسية » كتب وإصدارات


انتفاضة الجياع (رواية)

الخميس 25-07-2019 05:35 مساء


 

سلسلة الجيرة الإلكترونية

...............

 

انتفاضة الجياع

( رواية من الأدب المَمْدَري )

الروائي:

محمد محمد البقاش

................

 

المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي.                                            

الكتاب:  انتفاضة الجياع ( رواية مَمْدَرية ).

الحقوق: محفوظة..

النشرة الورقية ( الطبعة ) الأولى سنة 1999م.

النشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م.

النشرة الإلكترونية الثانية يونيو 2009.

النشرة الإلكترونية الثالثة غشت 2009.

الإيداع القانوني: 462 ـ 98                                       

ردمد 1114 8640 ISSN    

 

 

---------------

الفصل الأول

 

ولد مقداد بإحدى البلاد الإفريقية.. كانت حتى سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين جزءا من بلاد الملك خوفو، عرفت بأراضيها الشاسعة البالغة تسعمائة وسبعة وستين مليون ميل، مساحاتها من الأراضي الصالحة للزراعة إن استغلت تقوى على كفاية الملايين، تحتوي على أراض واسعة مغطاة بالغابات الاستوائية، وأخرى من الصحراء بدينة.

تجاورها من الشمال بلاد مصر، ومن الغرب ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، ومن الجنوب بلاد الكونغو وكينيا، وأخيرا من الشرق إثيوبيا وإريتريا.

 يحتوي باطن أرضها على خيرات جمة، فقد دلت البحوث على وجود الزنك والنحاس والمنغنيز والحديد والذهب والبترول.. ثروات هائلة يمكن اعتبار البلد بها غنيا؛ بيد أنه ليس كذلك حيث لم تستغل خيراته بعد، وأما ما يشار به نحو الاستغلال فإنها مجرد إشارة مقارنة مع ما هو مرغوب تحقيقه.

نشأ مقداد شرق البلد من أبوين مسلمين هاجرا إليه يوم لم يكن المسلم في بلاد الإسلام أجنبيا، يوم لم تكن جوازات السفر والحدود والجمارك..

استقرت العائلة هناك، وبعد مضي وقت على هجرتها رزقت وليدها الذي أسمته مقداد.

نشط أبو مقداد المتعلم في تدريس ابنه وتعليمه بالبيت وهو لم يزل بُرْعما، وضع له برنامجا حرص على جعله متماشيا مع قدرة الطفل على الاستيعاب، وما إن أحس الوالد إحساسا فكريا بنباهة مقداد وقدرته العزيزة على الحفظ حتى ارتأى تلقينه في السنة الواحدة ما يلقنه الأطفال في عدة سنوات.

كانت مكتبة أحمد متواضعة، وكان يستعير الكتب من أصدقائه المثقفين والمتعلمين عند الحاجة.

شب مقداد على حب القراءة والمطالعة، وما إن خطى خطوات معدودات يتسلق بها الشباب حتى التهم ما بحوزة مكتبة والده من معارف فغدا يناقش أباه ويحاوره، يناقش أصدقاءه ويحاورهم متفوقا عليهم وهم به معجبون.

سعدت أم مقداد بولدها النبيه كما ارتقت في مستواها  التعليمي نتيجة ما كان يحصل يوميا من جلسات فكرية وثقافية في بيتها؛ إذ كانت تحضرها وبشغف كبير إلى جانب التساؤلات التي تبديها بين الحين والآخر كلما استعصى عليها الفهم. ورغم انشغالاتها في أوقات معينة كانت تسأل وتستفسر بصوت يحمل صدى الماعون ليوجد مناخا بين أصوات كأنها جميعها معنية بالفكر والثقافة.

مضت سنوات اشتد فيها عود مقداد، نما لها إدراكه، نضج في كبدها عقله، توسعت آفاقه وكثرت معارفه إلى أن أشرف على الرجولة، وفي هذه المرحلة من عمره  تغيرت ظروف البلد، بدأت تجتاحه البلايا، تصطف في طابور طويل بلية إثر بلية بدءا بقلة التساقطات المطرية في موسم الشتاء إلى أن ختمت بالجفاف، ثم القحط فالأوبئة.

في هذه الظروف بالذات شاء مبدع الكون أن تضع أم مقداد ولدا، أصبح لمقداد أخ، ولد ضعيفا، هزيل البنية، خفيف الوزن كأنه فرخ الحمام، موبوءا تظهر عليه أمارات سوء التغذية، أسموه أسعد.

اشتد البلاء، انتشرت الأوبئة، وبدأت تفتك بالناس، لا ترحم كبيرا أو صغيرا، كان من نتائجها أن عينت مناطق لحصر الموبوءين فيها. حمل الناس إليها بالقوة، أقاموا بها مخيمات لإيواء الجياع والمرضى، اكتظت المخيمات بعشرات الألوف منهم، حوصرت من كل جانب منعا للتسلل والهجرة، ولم يكن حظ أسرة أحمد بأفضل من غيرها إلا من جهة حملها نحو المخيمات بالسب والشتم دون الضرب، وكذلك من جهة الركوب إلى جانب سائق الكاميون بدل مكان الحمولة أو ( لابان ) حيث لم يكن بمسموح لأحد أن يركب إلى جوار السائقين مخافة العدوى. كان العشرات منهم يحملون ويوضعون على ظهر الشاحنات كما لو كانوا أبقارا أو نعاجا تساق إلى السوق في شهر ذي  القعدة وذي الحجة في انتظار يوم النحر، يوم الحتف، يكاد المحمولون يكونون كالبهائم لولا الخوف عليها من العفس نظرا لحرص التجار على الربح.

في كل يوم من أيام الترحيل نحو المخيمات، وأثناء التفريغ بالشكل الذي يحصل للرمل والحجر.. يقف على رجليه من يقوى على الوقوف، ويتدحرج من يستطيع التدحرج، ويزحف من يقدر على الزحف، ويجر من لا يملك جر نفسه، ثم يبقى هامدا من فقد الحياة تحت وطئ الأقدام وبفعل الثقل الذي يغمره. يتساقط العشرات صرعى كأنهم أوراق شجر قد عضه الخريف أو لدغت غلظته، وكلما أسفر الصبح كلما تفقد الأحياء الأموات ليواروهم التراب رغم خمولهم وبدانة عضلاتهم من السراب، رغم رتابتهم وقلة نشاطهم مخافة انتشار الروائح الكريهة، وأملا في قتل الوباء بطمر الموبوء به أو دفنه. كان فيهم الكبير والصغير، فيهم الشيخ الفاني، والرجل البئيس، والشاب المهلهل، والطفل المهشم، والرضيع المضغوط .. فيهم الذكور والإناث.

بين الحين والآخر، صباحا أو مساء، ليلا أو نهارا يقوم أبو مقداد بعدة جولات في المخيمات يتنطس الأخبار، ويرقب الحركات، يبحث عن قطعة خبز يسد بها رمق أسرته، فتارة يعود برغيف اشتاقت إليه المعد والأمعاء كثيرا ، وغالبا ما يعود بخفي حنين..

نخر الجوع أجسامهم، تستطيع تعداد ضلوعهم، تقوى على رؤية القلوب تحت الأجنحة تنبض وكأنها سئمت ضخ الدماء في الأوردة والشرايين، تريد الانطلاق خارج أجسامهم إلى عالم الانتعاش، وإذا أردت مناقشة الموت الذي يكمن فيها أو محاورته فلك ذلك لأنه متربص بالأرواح متحفز يريد الانقضاض في انتظار الإشارة التي لا تتقدم أو تتأخر عن أجلها المضروب في عالم الغيب.

لم ينم أسعد نموا طبيعيا نظرا لولادته في ظروف انتشرت فيها المجاعة. تأثر الصبي أيما تأثر، فلا لبن يدر من ثديي أمه إذ لا أكل يساهم في تكوينه، فلا سوائل ولا تغذية غنية كانت أو فقيرة. ماذا يأكل ؟ هل يطبخ له التراب ؟ وماذا يشرب ؟ هل يسقى بالسراب ؟

تدهورت صحته بشكل خطير أشرف بها على الهلاك. ذهب الأمل من رأس أمه وأبيه، وإنه إن يمت فإن مثله من الذين يقضون نحبهم في كل ساعة؛ العشرات، وإن يعش فإن مثله من الذين ينتظرون الفرج؛ مئات الآلاف.

خرج مقداد وأبوه من خيمتهم منتشرين بين المخيمات آملين العثور على قطعة خبز أو رغيف أو أي شيء يسوغ أكله. قضوا نهارهم وهزيعا من اليل المقمر، ركبوا زمنا يتأبط ساعات بعدد كروموسومات ذكر النحل، ثم زمنا يحمل في كفه حتفه، ثم تأهبوا للرجوع فعادوا بخفي حنين.

قفلت أم مقداد  نحو مخيمها، وبينما هي تمشي وتحسب نفسها مهرولة سقطت على الأرض من شدة العياء فأصيبت بغيبوبة نفعتها في أخذ قسط من الراحة، وبعد فترة استعادت وعيها، ثم نهضت متذكرة بعلها وولديها وشرعت تخطو وئيدة، ثم أحست بدوار شديد تسبب في فقد توازنها فسقطت على الغبراء مرة ثانية مغميا عليها، ثم أفاقت من جديد بعدما طالت غيبوبتها، ولكنها هذه المرة لا تذكر شيئا وكأن شيطانا خبيثا دخل مخها ومسح من ذاكرتها كل شيء إلا الإحساس بآلام الجوع وقوارص العياء .. كانت تتألم وتتوجع وتحس كأن أمعاءها متداخلة فيما بينها، أو جاثمة على قلبها تستطعمه. لم تذق طعاما لبضعة أيام ما عدا بعض الجرعات من المياه الملوثة التي شكلت قطرات من اللبن الملوث تسقي به برعمها فيعيش عليه.. ظلت تمشي الهوينى كأنها سلحفاة تحمل ثقلا، أو بزاقة تستقل مشتاقا إلى أن فقدت توازنها مرة أخرى، ثم سقطت لسقطة جذع مخها .

قفل أبو مقداد نحو مخيمه بعد أن أنهكه التعب، وأقرسه سوطه، بعد أن سئم البحث عن الرغيف. رجع منهوك القوى، محطم الآمال، مجروح الفؤاد، مشغول البال، عاجزا عن التفكير كعجزه عن المشي. دخله الفتور فأخذته سنة سقط على إثرها فوق صخرة صغيرة خدشت وجهه وأدمت ركبتيه، ثم نهض وقد غطاه الأسى والألم، نهض كأنما شلت ركبتاه، حاول الهرولة فلم يقدر، فما كان منه إلا أن استسلم للنوم عند قرب رفع السدول من قبل اليل.

قفل مقداد نحو المخيم يكاد دماغه يتفجر من شدة التفكير الذي لم يجد نفعا، لم يجلب إليه ما خرج من أجله، مشى مسرعا، وبينما هو يمشي راودته فكرة مضنية فأوقفته، وخاطرة ملحاحة  فأقسم لها بعدم العودة إلا ومعه زاد، فأدار وجهه وولى مستقبله مصمما على المضي قدما طلبا للرغيف الذي طالما افتقده، مقررا قرارا لا رجعة فيه حتى يجد ضالته، عازما على الاتصاف بصفة القارصات كلما نأت عنه حاجته.

بقي أسعد لوحده يبكي ويصرخ حتى عيي، كان بكاؤه وصراخه خافتين؛ لا تكاد تسمع له أنين أو تأوه إلا إذا دنوت من ريحه، وفي الظهيرة حين اشتد الحر، وزمجر القيظ، وكاد ينضب له ماء جسمه بعد أن ازرق لون بشرته وشقق شفتيه أصيب الصبي بغيبوبة، اجتمع عليه الذباب قادما إليه من كل حدب وصوب، فاختار من بين ما اختار للاستيطان عينيه وفمه. كاد الذباب يمل الاستيطان لخلو جسم الصبي من الرطوبة فيذهب عنه إلى حيث توجد، ولكنه لا يجد غير المقاومة من البؤساء الذين ينزل على وجوههم فيمل البعد عن الصبي الذي لا يقاوم ذبابة واحدة، ثم يميل إليه لإحساسه الغريزي بقرب انحلال جسم أسعد والعثور بعد ذلك على الرطوبة التي تتأتى من انتفاخ الجثة وانحلالها فيحصل بفارغ الصبر على غذاء لذيذ، ولكن بعد حين.

استقر الذباب على عيني الصبي وفمه، وكلما مرت دقائق معدودات إلا وازداد اطمئنانه فانشغل بتنظيف جناحيه في انتظار المبتغى، ولكنه لم يمكث على حالته تلك، فلم يستطع الاستئثار بالصبي، إذ لم يكن سيد الحشرات بتلك المستوطنة، بل كان إلى جانبه كثير من الحشرات وكلها تشكو الجفاف والمجاعة.. كانت ذات اللغة الكيميائية من الحشرات الوحيدة التي تحتفظ لنفسها بالطعام، تدخره وتتمتع برطوبة باطن الأرض، وإلى جانب ذلك لم تكن تسمح لمن دونها أو فوقها من الحشرات أن تستأثر بأي فريسة عثرت عليها حتى وإن لم تستسغها، فصارت تزاحم جميع ما يقع على جسم أسعد من الحشرات؛ فتطاردها..

إنها معركة على الطعام بين الجياع لا ينتصر فيها إلا القوي الذي يتحرك ويقاوم حتى التزود بالطاقة أو يهلك مع الهالكين..

عثر مقداد بعد جهد جهيد على كسرة من الخبز اليابس، ثم رجع إلى مخيمه تعلو وجهه الابتسامة، وتتسلق محياه الفرحة. نشط في سيره نحو خيمته كأن لا شيء يؤثر عليه رغم فراغ معدته لمدة طويلة إلا من جرعات من المياه الملوثة.

نهض أبو مقداد من نومه مذعورا وقد استشعر ملك حفينة من النشاط فاضلة في أطراف بدنه جلبته عليه تلك الرقدة المريحة، ثم تحرك يمشي متسلحفا، وبعد مدة مشفاقة على طول سيره اقترب من مخيمه وكان مقداد هو الآخر قد اقترب، فرمق الوالد ولده يتقدم؛ فناداه :

ـ مقداد، يا مقداد، أسرع يا ولدي.

فرد عليه ولده :

ـ ماذا جرى يا أبت ؟

فقال له أبوه :

ـ لا شيء، إنها الفرحة بلقائك، والبهجة بطلعتك، أين أمك؟ هل بداخل الخيمة؟ وكيف حال أسعد؟

عندها اضطرب مقداد وثقل به بدنه حتى ما عادت قدماه تقوى على حمله؛ فقال لأبيه:

ـ عجبا أنا الذي يجب أن أسألك، لقد غبت عنكم ثواني بعدد ذكر اسم الله في القرآن. 

فقال أبو مقداد :

ـ وأنا أيضا، لم أر منكم أحدا مذ خرجنا سوية.

وهنا ازداد اضطراب مقداد ومال في كل الجهات، الناظر إليه يتوهم دوحة تتدحرج وقد اجتثت من فوق الأرض ليس لها قرار، طفقا يتحركان في عجلة نحو خيمتهم. دخلاها فإذا بالكائنات التي تطير والتي تمشي على أربع والتي تزحف تهرول نحو العراء، فزعا من هول ما رأيا.. جثا مقداد على ركبتيه وحمل أخاه بين ذراعيه وضمه إلى صدره مقبلا إياه ومزيلا عنه ما علق بجسمه من حشرات، ثم تناوله منه والده وضمه بدوره وأمعن في تقبيله، ثم تفحصه مليا إلى أن أجهش بالبكاء، عندها أبكى مقدادا وهو يقول:

ـ إنه ميت، لقد مات أسعد.

وانفعل مقداد فرد:

ـ لا، لا تقل ذلك، إنه حي يرزق.

أخذ مقداد أخاه من والده وشرع ينظر إليه بعين شفيعة محنانة، وهو يتفحصه لم يعثر له على أثر للحياة، ربما لأن صدمته بنبإ الوفاة حالت دون ذلك، أو لأنه فعلا ميت.

وبادر أبو مقداد مقدادا :

ـ كيف ؟ ألا تميز بين الأحياء والأموات ؟

فرد:

ـ أجل أنه فعلا ميت.

وأضاف:

"تبا لهذا الذي يسلب الناس شيئا ولا يستنقذوه منه، ولذاك الذي أضحك أسلافه سليمان، تبا لهذه الخنافس، ولتلك الحباحب. تبا للذين يعملون على إفقار الناس ومنعهم من السعي في مناكب الأرض. تبا لكل جبار عنيد يسمن بطعام الجياع ".

ساعتها أخذ أحمد أسعد من شقيقه، ثم وضعه فوق قطعة من حصير هش، وضعه برفق مستلطفا حتى الحصى، ثم ضم إليه ولده وعانقه. تتعانقا يعزي كل منهما حبيبه.

دخلا في جو من السكينة أنستهما أميمة، ولجا أجواء شاعرية لو حضرتها أم مقداد لانهارت لها، ولكنها لم تحضر وفاة أسعد، وحياة من تبقى، لقد تدلت في قاع الضياع، وهوت من ذاكرة أهلها حتى ما عادت تسكن بيتا فيها، انشغل الناس عن غيرهم وكأن ما أصابهم قريب الشبه باليوم الذي تذهل فيه المرضعات عما أرضعت، بينما أبو مقداد وولده على حالهما فوجئا بسماع الضجيج، نقلهما من وجدان ما في النفس إلى وجدان في الواقع الكئيب فتنبها، إنها حركة تعوداها، إنه وقت دفن الأموات، لقد حانت ساعة استبدال باطن الأرض بظهرها، تعود الناس دفن موتاهم في الصباح والمساء، يحفرون حفرا كبيرة يهيئونها يوميا لاحتضان ضحايا الجوع المفروض فرضا، ليلقوا فيها جياعا ناء بوزر جوعهم كل شبعان عليم، ليطرحوا فيها لفيفا من الجوعى كأنهم هياكل عظمية..

أراد مقداد أن يغتنم الفرصة لما وقر في قلبه من رأي يوجب تكريم الميت بالإسراع في دفنه، فنهض وحمل أخاه بين ذراعيه وطلب من أبيه اصطحابه إلى مكان دفن الجياع فلم يستبطئه، وفجأة استبطأ مقداد بعد أن استعجل أبوه فلم يمهله وقال له:

ـ ناولني أخاك، ثم هيا لوضعه في قبره مع الموتى.

ـ لا، لا تفعل حتى  يسفر الصبح.

ـ يا بني: لقد مات أسعد بأجل، فما من أحد من المخلوقات يموت ناقصا من عمره، أما علمت أنه:

" لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وما قدر لها ؟ ".

لقد استوفى أخوك كل هذا فرحل.

ـ صحيح، ولكن إن أمهلناه حتى الصباح فلن تنحل جثته، ولن تفوح منها رائحة النتن.

ـ  لا تحاول حملي على قبول ما ترى، لا تحاول ذلك، أسرع معي قبل مواراة الناس التراب على الأموات، أو دعني وإياه.

ـ لا تؤاخذني، سأفعل، سامحني.

ـ لا تثريب عليك.

خرجا من الخيمة يحمل الوالد ولده متجهين نحو الحفرة الكبيرة، بينما هما يمشيان في تؤدة، ويتمتمان دون أن يسمع كلاهما تمتمة كليهما تساءل مقداد في نفسه مرات عديدة، تارة يهم بمساءلة أبيه، وتارة لا يجد إلى الاحتفال سبيلا، ومن حيث لا يدري اعترض طريق أبيه فأوقفه مرتبكا كأنما استفاق على حلم مزعج وسأله: " أين أمي ؟ " وبسؤاله سرى الاضطراب في جميع بدن الوالد وأرنّ إلى مقداد فترنح عن مكانه كشجرة أصابتها صر وهمس لنفسه : " آه، أين أنت يا أم مقداد ؟ إيه، نسيناك، نسيناها يا مقداد ، أين أمميمة ؟ " فرد مقداد : " أسألك فتسألني، أجب أولا، ثم اسأل ثانيا "، فأجاب : " أي إجابة تريد يا ولدي ؟ هل أنعيها لك ؟ " .

عندها تزحزح كيان مقداد ليسأل ثانية :

ـ ما خطبها ؟ أماتت هي أيضا ؟ لم لم تقل ذلك من قبل ؟

بدا بلهجة غير متعودة تجاه والده ، علت عن التأدب قليلا وهو الابن البر، ولكن ما السبيل إلى كبح جماح المشاعر الحزينة حين تستولي على النفس المكلومة ؟ اختلط الأمر عليهما، كيف لا والرزءان متمثلان وكلاهما بلشأن الحبيب ؟ حبيب يراد دفنه، وحبيب يراد حضوره أو معرفة مصيره، ولكن أمر الحبيب الصغير أشد إلحاحا، أسرعا الخطى إلى أن وصلا.

أشرفا على المقبرة، وجداها غاصة بعشرات الأحياء كأنهم هياكل عظمية بنيت من قش البيض، بيدهم الرفش والمعاول والمجارف لا تكاد تقوى الأيدي على حملها، يحمل بعضهم الأموات، ثم يضعونهم في الحفرة، فاقتربا منها ودنيا من مهبطها، نزلها مقداد ثم تناول أخاه من يدي والده وخطى خطوات في عرضها حتى بلغ مكانا قصيا فيها فأودع أخاه في منتهاها والدموع تنهال على خديه، لا يلقي بالا لحركة الناس ولا يكترث لشيء، فتناول مجرفة وأخذ يجبذ بها التراب حتى جعله كوما بين رجليه، ثم تناول رفشا وملأه وتقدم إلى أسعد فوضعه على جثته كما لو خشي إيلامه وإذا يته وهو يقول:

"لا تقلوا التراب على وجه الصبي، دعوني وحدي أواريه التراب ".

وعندما أفرغ حمولة رفشه تلفت إلى جهة يقذف منها الطوب فرفع صوته:

"أنت _ يشير إلى رجل _ لا تفعل، قلت لك لا تفعل ".

صاح بنبرة مليئة بالغضب، الناظر إلى جبينه يقرأ فيه الحزم على تنفيذ إرادته..

تقدم أبو مقداد نحو ولده وقد غلبه البكاء، فتناول الرفش ليقطع عليه كثرة صعوده وهبوطه في الحفرة، فملأه بالتراب وأخذ يرمي به الأموات حيث وصل وجهد المستطاع ومقداد ينظر إليه وإلى من حوله، ويطيل النظر إلى أخيه، وفجأة انفعل حين رأى طوبا يقذف به الصغير، فالتفت مستطلعا مصدره؛ فإذا به من والده، عندها أومأ بسبابته في ألا يفعل، ولكن الأب لم يفهم مراده، فاستمر في رمي الأموات بجميع ما يقع عليه رفشه، فأفصح مقداد قائلا:

"انظر إلى أخي وما ترميه به، إنك ترميه بالطوب والحجر، لا تؤذيه ".

فرد عليه أبوه:

ـ حاش أن أوذي فلذة كبدي، إنه ميت، إنه فاقد الإحساس، فالأموات لا تتضرر مهما بالغ المرء في إصابة جيفتها.

ـ بل " كسر عظم الميت ككسره حيا ".

ـ حسنا.

تناول مقداد الرفش من يد والده وتلفت يمينا وشمالا كأنه يبحث عن مفقود، أسرع نحو خيمته حيث قرية النمل ووقف كأنه يريد الانتقام بهدم بيوته، ثم غرز الرفش بقوة مستعينا برجله وفخذه حتى ملأه عن آخره بالهش من التراب الذي يلقيه النمل خارجا عن بيوته، وذهب به نحو الأموات،  ثم أنزله برفق فوق ما تبقى من جسم أسعد ظاهرا وهكذا حتى غطى جميع بدنه مستثنيا وجهه، لم يرد طمره كلية، شرع ينظر إلى وجه الصبي وهو متجه نحو السماء على غير عادة الدفن ويتمتم: " كيف أحول بينه وبين مناجاة من في السماء؟ ولكن المرتجى يرتجى حتى بقاع البحار وعند قلب الصخور وفي بطون الحيتان"، استبطأته همهمته كما لو كانت عكازا يتكأ عليه فأخرت عملية الدفن قليلا، لم يبق على غيار أسعد في التراب إلا رفشا واحدا أو رفشين، فتحرك من مكانه وأسرع مستقدما ما يعوزه إلى أن أتم عملية الدفن فاختفى وجه أسعد وغيض في الأرض كما يغيض الماء، ثم صعد ووضع يده اليمنى فوق كتف والده بعد أن رمى بالرفش وألقى أبوه المجرفة التي كان يتوكأ عليها متأملا ما يصنع مقداد فجذبه إليه بلطف ورقة، احتضنه في صمت مطبق، ثم تحركا نحو الخيمة والدموع لا تفارق خدودهما.

أحمد يسرع في خطاه، بينما مقداد يمشي بقدمين لا تسعفانه. الوالد يردد كثيرا:

"إنا لله وإنا إليه راجعون "

والولد صامت.

فبادر الأب ابنه:

" هيا يا ولدي"،

ومقداد في صمت مطبق.

"مقداد، مقداد، هل تسمعني؟ "

ـ أجل، لم يحرمني الله حاسة السمع، الحمد له.

ـ فهيا إذن؟

ـ سوف ألحق بك.

ـ لم؟

ـ لا لشيء؛ فقط حتى ينصرف الناس.

راود مقداد إحساس غريب هم بسببه أن ينتشل أخاه من حفرته، لقد أراد، ولكن..

بينما مقداد على حالته تلك حائرا غير مصدق لما حدث؛ إذ به يشاهد رجلا يرمي التراب حيث جثة أسعد ليزيد من غياره وغمره حتى يتساوى سائر تراب الحفرة، فصاح به :

ـ يا هذا، ما الذي تصنع ؟ كف يدك.

ـ هل أصنع شرا؟ إن التراب يجب أن يتساوى في الحفرة، كما يجب أن يسوى بالأرض، وإن أخاك لا يغمره التراب بشكل كاف.

ـ قلت لك لا تفعل، لا تفعل.

ظهر عليه الغضب وكاد يفقده صوابه لولا توقف الرجل عن فعلته، وعندئذ بادرته جماعة من الحضور قائلة:

" يا فتى كن عاقلا، لا تدع مصيبتك تذهب بصوابك " .

فرد عليهم:

" قلت لكم لا تفعلوا ".

ـ وكيف ذلك والصواب عكس ما تقول.

ـ هذا ما أريد وليكن.

ـ عجبا لوما تأتينا بما يقنعنا إن كنت حاذقا محقا..

أسرع أبو مقداد نحو ولده يريد إخراجه من اهتمام إلى آخر فقال له :

ـ أنسيت أمك ؟

ـ لا، لا لم أنس أسعد، انظر على مكانه، بل انظر إليه، أراه من خلال التراب الذي يغمره.

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، مقداد، يا ولدي.

مقداد مسترسل في كلامه كأنه لم يسمع شيئا :

ـ انظر إلى مكان أسعد، إن التراب يميل عنه، لعله يتحرك، وفجأة عطس أسعد من شدة الخناق وطوله حتى سمعه من تبقى من الحضور:

ـ إنه حي، ألم أقل لكم ذلك ؟.

ظن أنه قد ألقى مقاله إلى الناس وهو لم يبرح حنجرته، ولا جرم أن له العذر.

قفز من عل وأسرع نحو أخيه، ثم انتشله وأبوه والحاضرون قد وقفوا مشدوهين منبهرين لا يصدقون ما يجري، إذ كيف يعقل أن يدفن الإنسان، ثم يقوم حيا؟ هذا ما فكروا فيه لجهلهم، فقد صاح أحد من وضع اللحد فوق قبره، وتحرك من حمل نعشه على الأكتاف..

حمل مقداد أخاه بين ذراعين ترتعشان وصعد به وهو ينفض عنه التراب ويخاطبه:

"أسعد إنك لم تمت، لم يان لك أن تفارقنا"

فتلقاه أبوه مغتبطا ولقاه نظرة وسرورا بعد أن كاد يكون شر يومهم مستطيرا ونادى ابنه:

"أن هيا بنا إلى الخيمة،  هيا أسرع، أم مقداد أرضعيه، آه، ماذا أقول ؟ أين هي ؟ مقداد إبق مع أخيك واكنفه برعايتك ريثما أذهب لإحضار أمك ".

ـ لو كانت في الأحياء لحضرت، ربما قضت ودفنت، لو كانت حية لحضرت.

ـ ماذا تقول؟

ـ ما قد سمعت، أنسيت كثرة الباحثين عن أهلهم وذويهم دون جدوى؟ ألم تدفن بنفسك من لا يعرف لهم أهل أو أقارب ؟

ـ أمللت البحث عن أمك ؟ أطّلعت الغيب ؟

ـ لا، وإنما هو شعور دفين، ولكنه لن يمنعني من البحث عنها، إلا أننا بصدد مصيبتنا في أسعد، فارعه أنت واتركني أذهب في طلب أمي.

ـ حسنا، ولكن قبل ذهابك لا بد من عمل شيء ما، لا بد من إطعام الصبي وإروائه، فلا يصح انتظار مجيء أمك لتطعمه بعد إطعامها بقطعة الخبز التي أتيت بها، ثم انتظار ما قد تكونه من لبن فتسقي به أخاك، إنه الحتف، ناولني قطعة الخبز.

ـ وماذا أنت فاعل بها ؟ إنها يابسة تحتاج إلى أسنان وأضراس قوية وأخي رضيع كما تعلم.

ـ سأبللها بالماء الملوث وأعجنها بيدي، ثم أطعمه إياها، ناولني الماء، إنه هناك في القصعة.

ـ إنها فارغة تماما.

ـ لا بأس ناولني قطعة الخبز فسأمضغها حتى تتحلل بلعابي، ثم ألفظها وأطعم بها أسعد، تحرك بسرعة.

ـ نعم ما رأيت يا أبت.

ـ إنها هناك في الزاوية اليسرى من الخيمة تحت الطرانسيسطور، عجِّل.

خطا مقداد خطوات معدودة ومد يده فرفع الطرانسيسسطور، ولكنه لم يجدها فقال لأبيه:

(( أين هي؟ ))

فرد عليه:

(( لقد وضعتها هناك تحت الراديو ))،

ثم أردف:

(( فتش جيدا، لعلك نسيت خبيئتك ))

فأجابه:

(( لا، لا، لم أنس، أتذكر جيدا

فرد الوالد:

(( هل أنت متأكد؟ ))

وأجاب :

(( كل التأكيد ))

عندها تمتم الأب فاستعجمت تمتمته على ولده، ثم بادره :

ـ ماذا يا أبتي ؟

ـ لقد ذهبت إلى غير رجعة.

ـ ماذا تعني ؟ إنها لا تحمل نفسها.

ـ ولكنها تحمل، لقد ذهبت حيث ذهب الماء.

ـ الماء لم يذهب، بل ركب مركبا فيزيائيا.

ـ كلا، بل ركب مركبا كيميائيا، لقد سبقتنا إليهما معد وأمعاء مشتاقة هي الأخرى.

ـ هل دخل خيمتنا أحد ؟ هل سرقت ؟

ـ لا، ليس هذا وإن كان شائعا في المخيمات، بل ذهب بخبزنا ومائنا الزحافات.

ـ تبا لها، هل لم تجد غير خبز أسعد ومائه؟ الزحافات، ماذا قلت يا أبي؟ هل دخلت خيمتنا تماسيح؟ هلا تعيش في الأنهار والبحيرات؟

ـ إنه الحرذون والورل والضب..

خرج مقداد مسرعا يبحث عن قطعة الخبز اليابس لعله يدركها، فلم يذهب بعيدا، طاف بالخيمة، ثم ابتعد قليلا حتى اعتلى هضبة فرمق في عمق منحدرها مجموعة من الزحافات متحلقة حول قطعة الخبز، متطلعة بلهف كبير لالتهامها، وإلى جانبها وقفت أفعى الجرس متحفزة تريد ضبا أو ورلا أو حرذونا..

وقف الجميع إلى ظل لا ظليل ولا يغني من لهب الشمس المحرقة شيئا، منها ما تريد قطعة الخبز لمعدتها، ومنها ما تريدها لغيرها، ومنها ما تريد غيرها، كل منها تستعطي طعاما ولو كان ذا غصة، وقطعة الخبز لا تزال على حالها في انتظار من سيستأثر بها دون غيره، وكلما دنا منها ورل أو حرذون هاجمته الأضب حتى يبتعد، ظلوا في عراك مستمر ندبهم إليه الجوع ندبا، ولا أحد منها استطاع أخذ غريمه أخذا وبيلا إلى أن تحرك مقداد بعد أن دون سلوكها ومشى إلى قطعة الخبز، وما كاد يدنوا منها حتى ارتمت الأفعى مقتنصة ضبا هزيلا، فارتمى مقداد على جنبه مذعورا ظنا منه أن الأفعى تريده، ولما رآها مسرورة بما حصلت عليه اطمئن مهمهما: أن الإحساس بالخطر كثيرا ما تعقبه ردات فعل غير إرادية، فكم جزع وهلع سيطر على الناس بسبب الزلازل والفيضانات أربكهم وأفقدهم تركيزهم وصوابهم فهربوا منها كما لو كانوا حمرا مستنفرة فرت من قسوة.

نهض مقداد من ارتماء ته وقد انفض الجميع بفعل سلوك الأفعى فأخذ كسرة الخبز ثم هرول نحو الخيمة، وحين وصل  سلمها لأبيه مستعجلا العودة فولى مدبرا وأبوه يناديه وقد أقلقه:

(( إلى أين)).

فرد عليه من غير توقف:

(( لقد عثرت على طعام لنا )).

فأردف أبوه:

(( أحقا ما تقول ؟ ))

فرد عليه:

(( سترى )).

جرى بقدمين تطرقان إليتيه، قصد الموضع الذي تجمعت فيه الزحافات منذ حين قريب لعله يجد بعضها ليقتنصها قبل  تنتشر في الخلاء وتذهب بعيدا، أو تغور في جحورها..

وحين وصل لم يجد سوى آثار لها، رأى أسنانا منتشرة هنا وهناك، لقد رحلت عن مكانها بعد صراع مميت أدى إلى توفير طعام لذيذ لكل من قوي على هزم قرينه.

رجع مقداد خالي الوفاض، ثم دخل على أبيه فلم ير له أثرا لطعام ، فقال له :

ـ ألم تقل أنك ذاهب لإحضار الطعام ؟

ـ لقد تحرك ومشى وهرول، ثم اختفى.

ـ عجبا، أيتحرك الطعام ؟

ـ نعم إذا كان حيا.

ـ صحيح، ولكن هل تقصد النمل؟ إن كان كذلك فإنه لا يصلح وغير مستساغ، وإن كان الذباب فإنه يعجزك وهو قذر موبوء، فماذا إذن؟

ـ هل بقي مكان لاعتبار القذارة والأوبئة والأمراض والأسقام أو ما شاكل ذلك؟ إنه الزحافات، وهي أفضل من النمل والذباب.

ـ والله لأكلنه.

ـ وأين هو؟

ـ هل أعجزك؟

ـ يعجزني فقدانه ولا يعجزني صيده.

ـ إنه في البرية، إذهب بعيدا واطلب المرتفعات والمنحدرات والثقوب والشقوق والجحور وغير ذلك، ولكن حذار من الحيات والأفاعي.

ـ إنها والله أكبر حجما من الورل والحرذون، وربما تكون أطيب طعما، سأذهب.

ـ لا تدخل يدك في ثقب أو شق أو جحر.. إستعمل عصا غليظة والزم الحذر واليقظة وخفة الحركة حتى لا تصاب بلدغ أو عض..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

انطلق مقداد في البرية لعله يجد طعاما. انطلق غير تواق إلى فاكهة ذللت قطوفها تذليلا، ولا إلى سقاية من كؤوس كان مزاجها زنجبيلا حيث لم ينقر بعد في الناقور حتى يعرف مصير من يأوي فيها إلى عين تسمى سلسبيلا؛ إذ لا يكون ذلك حتى تحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة. انطلق يبحث عن طعام معاف، ولكنه ليس من غسلين أو طعام الخاطئين.

وضع أحمد صبيه في زاوية من زوايا الخيمة، وأخذ قصعته وقطعة الخبز الهالك، خبأها في ثيابه وظللها بإبطه حتى لا يرمقه أحد من الجياع فيحمل عليه بسببها، ثم خرج يبحث عن شيء من الماء. طاف ببعض المخيمات يسأل عن جرعة ماء فلم يحصل عليها، وساعة دخول اليأس إلى صدره واستيطانه في مهجته قرر العودة فخطا راجعا . عاد إلى أسعد يائسا، ثم أخرج كسرة الخبز الصلد وشرع بعضها بمقدمة أسنانه فاستعصت عليه، ثم أخذ حجرا هشمها به فتفتت وأخذ يجمع أجزاءها ويضعها في فيه، يديرها يمنة ويسرة بغية الحصول على البلل، لم تبتل حتى أقلعت الغدتان اللعابيتان عن الإضراب فضختا ريقا طاهرا ابتلت به فقوي على مضغها فانحلت ورطبت وصارت عجينا غير متماسك فبدأ يخرجها من فيه كما لو كان طيرا تطعم فراخها وشرع يضعها في فم الصبي، يطعمه إياها حتى أتى على نهايتها فشبع..

مكث مقداد غير بعيد ثم رجع. فقد أعجزه اليل حيث لا فائدة من صيد الزحافات أو الأفاعي في الظلمة الحالكة، ولكن قبل هذا وذاك تذكر أمه المفقودة والتي قرر البحث عنها وأفصح عن ذاك بمعية أبيه.

دخل على والده الخيمة محييا، جلس يداعب أسعد حتى نام في حضنه ونام لنومه هو أيضا. وفي الصباح الباكر نهض  وخرج بعدما اطمئن على أخيه، انطلق يبحث عن والدته وعن الرغيف، انطلق شرق الخيمة وابتعد حتى مالت الشمس للغوص في المحيط وهو لا يزال يمشي، يبحث ويسأل حتى مسه تعب، ساعتها جلس مسترخيا يستعيد أنفاسه، فمرت عليه طائفة من اليل فكاد يغلبه النعاس لولا معنوياته الكبيرة واتخاذه القيوم وكيلا.

بينما مقداد يخطو في هدي النجوم وكاد اليل يدبر والصبح يسفر حتى آنس نارا مستعرة في مكان لا توجد به إلا ثلاث خيمات نأت عن بعضها قليلا، فدفعه الفضول لمعرفة ما يجري هناك لعلمه أن اليلة ليست باردة، فما الحاجة لمثل تلك النار ؟ اقترب منها فداهمته روائح كريهة، روائح يقرف منها البدن، وتتأزم لها النفس، وتكاد ترهق بها الأرواح. صمم على معرفة السر، ولما دنا رمق أناسا، وحين مثل بين أيديهم لم يفزعوا لحضوره، أو يأنسوا بمطلعه، تفحص ما بأيديهم فإذا هو اللحم المشوي فتمتم : (( عجبا، يأكلون، ويأكلون اللحم، كيف ؟ )) زاد في تفحصه ليتثبت أكثر، مركزا نظره على ما بجانبهم مستعينا بنور النار فوقعت عيناه على شيء لا يصدق، رأى من خلال النور المنبعث من النار رؤوسا آدمية ملقاة على الأرض فبربر: (( عجبا، كيف ينام الجياع؟ أم أنهم أكلوا حتى شبعوا ؟ ولكن ما الذي إلى جانبهم؟ )). تحرك نحو ما عندهم فأوقفته وذهل وانبهر.. إنها عظام لأرجل وأذرع لا زال أثر الشواء باد عليها، والتفت إلى المتحلقين حول النار فرأى عجبا أكثر، إنها جثة مدت على الأرض تقطع وتنشر بالسكاكين وتؤخذ العيدان وتغرز فيها كما لو كانت مسامير طويلة يتقى بها من حر النار ولفحات لهيبها الراقص، وأخيرا تشوى حتى تنضج، ثم تِؤكل.

كاد مقداد يفقد وعيه لهول ما رأى وكأن اليلة استعيض بها عن اليوم الذي يجعل الولدان شيبا، فتمتم: ((يأكلون لحم الأموات، لحم أناس، أحقا ما أرى؟ ))، ركز نظره وأكثر إمعانه وتحديقه كبومة يداعبها الرمد غير مصدق وكأن بصره قد ’سكر، استجمع قواه الذهنية اrتقرض من ذئب متربص بالعظام شيئا منت حدة نظره فما عدلت به عما لم يصدقه، إنها الحقيقة، هذا ما قاله مقداد في النهاية يسمع به سكينة اليل وزاد: (( مساكين، إنما يكرهونه لا بد وأن يكرهوا عليه وهذا غيض من فيض)).

قعد إلى جانبهم يتأملهم ويفكر في والده الجائع منذ أيام، جلس والدهشة والاستغراب لا يفارقان خلده. لم يطل مقام هيئة الجلوس فنهض مقبلا عليهم وسألهم قطعة لحم فنهروه، نهروه بسبب الجوع الذي وجدوا إلى نقيضه سبيلا، ولكنه لم يسلمهم إليه، ظل الجوع مسيطرا على كيانهم رغم أنهم لم يقووا على أكل الجثث الأخرى لرجل وامرأتين ماتوا جوعا. التفتوا إليه وأشاروا عليه باقتدائهم إن أراد طعاما، فأخرج سكينا يحمله في حزامه واقترب من إحدى الجثث، ثم انحنى عليها وجثا عندها ليقطع من الفخذ الأيمن قطعة ينوي شيها والذهاب بها إلى والده لإطعامه، ولكنه شد إلى تردد شديد، ورفض من القلب عنيد فلم يقطع، لم يقو على قطع لحم أخيه الإنسان، فكيف إذن بأكله ؟ وانتصب مسرعا وجرى قليلا، ثم مد يده يطلب منهم منحه قطعة مشوية، فلم يحظ بشيء، لم يحظ إلا بإشارة كسابقتها تشير عليه باتخاذهم أسوة، التفت يمينا وشمالا فرمق رجلا يشوي فخذا كاملا حتى أنضجه، وحين قربه إل فيه انقض عليه كالجارحة وخطفها منه وولاه دبره مهرولا، تبعه الرجل مستنكرا فعلته دون اللحاق به. إنقلب إلى أهله تحت سقف زين للناظرين، يخطو فوق حبيبات كأنها اللؤلؤ المكنون، تتسلط على جميع الأرجاء أشعة من مصابيح السماء تزيد من رونق الطبيعة، وتعلي شأن من الإبداع في خلق ذي المعارج؛ فلا ترى في خلقه من تفاوت.

حل مقداد بإقامته ودخل على أبيه النائم فاستفاق لمجرد أن وطئت قدماه باب الخيمة، ثم ناوله اللحم المشوي فأخذه منه مقلبا إياه وبادره:

ـ ما هذا؟

ـ كل يا أبي.

ـ ماذا آكل ؟ إنه لحم نتن، إرم به بعيدا عني.

ـ إنها قطعة لحم آدمية.

رد مستغربا:

ـ آدمية، كيف؟

ـ إنهم هناك يقطعون من جثث الأموات لحما يشوونه حتى ينضج، ثم يأكلونه.

من ؟ وأين ؟

ـ الجياع أمثالنا، إنهم شرق خيمتنا لا يبعدون عنا إلا برقم زوج صبغيات أنثى النحل من الكيلومترات.

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.

ـ لقد أشفقت عليك يا أبي فرأيت أن آتيك به لعلك تستسيغه، فقد نخر الجوع جسمك وأدمى قلبك.

ـ وهل أكلت منه شيئا ؟

ـ لا، لم آكل منه ولن أستسيغه.

ـ تسوغ لي ما لا تسوغه لنفسك، ما هذا ؟

ـ معذرة يا أبت، فما حفزني واستعجلني إلا الإشفاق عليك.

ـ إرم به بعيدا، قلت لك إرم به، تحرك، أسرع، أتحب أن تأكل لحم أخيك ميتا ؟ يا ليتها كانت القاضية.

ـ بل أكره ذلك.

ـ إذن حول تفكيرك عن هذا، أطلب الزحافات، أطلب الأفاعي، أطلب أي شيء إلا لحوم البشر.

ـ حسنا، سأرمي به.

ألق ما بيمينك بعيدا شيئا ما، ثم ارجع لتأخذ قسطا من الراحة.

ـ لا، لن أنام حتى آتيك بأمي أو بخيرها.

ـ أنت وما قررت، فانطلق في حفظ الله ورعايته، ولا تنس الطعام.

ـ يبدو القنص ليلا غير مجد فلعلي أوفق في النهار.

إنطلق مقداد ولما كان على بعد ما في جسم الإنسان من خلايا مسرطنة من الأمتار، توقف فحفر حفرة تسع قطعة اللحم ينوي طمرها، ثم تردد عن عفرها وعدل، فانطلق ثانية يحملها في يده إلى حيث آكلي لحوم البشر، وعند وصوله ناولها للذي سرقها منه، ثم راح يطلب غيرها موازاة مع طلب أمه الضائعة.

قضى ساعات معمرة يبحث عن طعامه وعن أمه المسكينة، كلما مر بأناس سألهم عنها مبرزا بعضا من ملامحها، متحدثا عن شكل ثيابها ولونيه دون جدوى، لم يجد آذانا صاغية، أو صادف آذانا واعية، لقد سيطرت اللامبالاة على الأنفس وكأنه حين انشقاق السماء لتصير وردة كالدهان، لم يأل جهدا في البحث إبان اليوم والليلة حتى أسفر الصبح. لم يتوقف رغم إطلالته حتى مجيء الضحى حيث بدأ يحس بالتثبيط لعزيمته، لقد أحس بالملل وعدم الجدوى من البحث عن أمه، لم يسأم التعب، بل ضجر من النتيجة التي أحسها، إنها نتيجة من يرد للماء أن يصلد بسبب الضرب. إحساسه يقول أنها ماتت، ولكنه لم يتوقف رغم أن الأموات بالآلاف وفيهم من لا يعرف لهم أهل أو أقارب، يضيعون في متاهات السراب، يخرجون من مخيماتهم يبحثون عن الطعام حتى يسقطوا بعيدين عمن لا يعرفهم، يسقطون سقطة إلى غير قيامة في دنياهم أبدا باستثناء قيامة أخرى لا تشبه قومة أي ساقط حيث يقوم فيها الناس لرب العالمين.

استراح مقداد قليلا، ثم استأنف سيره، ولكن هذه المرة نحو مركز من مراكز توزيع المساعدات. توجه صوبه. قد أقيم المركز على شكل دائرة بعيدة عن المخيمات تحرسه قوات مدججة بالسلاح، إنها مكان الإدارة، ومكان اللاإدارة، ولما كان قاب قوسين أو أدنى وقعت أذناه على صدى صوت لا وجه له، صدى لا يكاد يبين، وفجأة ارتفع الصوت وكان مصدره جندي من جنود الفرع يأمره بالتوقف حالا، لم يكترث له، ساعتها اهتز جراء طلقة رصاص صوبت نحو السماء، ضاعت في الفضاء المتناهي عقلا وليس حسا، انطلقت منبهة ومحذرة فتوقف مرتعدا وجال بفكره مستفسرا مستفهما، فلقد كان ساذجا وقتها ولا غرابة ما دامت نفسيته لا تنطوي على خبث، ولا تضمر نية سيئة، وبينما هو رهين بما كسبت نفسه، بوجه مسود وهو كظيم لا يستطيع التواري من الجندي، لا يملك حيلة أو أملا في ركن شديد، بينما هو كذاك إذ به يشاهد خمسة من الجنود مصوبين بنادقهم نحو شخصه منادين عليه أن : (( توقف وإلا أسقطناك صريعا))، توقف وتعامد من غير حراك كأن على رأسه الطير، وبعد هنيهة لمح ضابطا يخرج من مكتبه، قائد الفرع يتجه نحوه، ولما وقعت عيناه  على مقداد ناداه وطلب منه الاقتراب أكثر، فبادره جنوده بالتحذير والتخويف من احتمال نقل العدوى عن طريق هذا الشاب، و ولكنه لم يأبه لكلامهم حتى مثل بين يديه مقداد فسأله :

ـ ما الذي أتى بك ؟

لم يمهل الجنود مقداد يجيب فأجابوا عنه يقولون : (( ألا تعرف يا سيادة القائد أنه الجوع ليس غير، ولكن للآسف ليس لنا طعام، فالمعونات لم تقدم بعد ؟ )). وعند تمام حديثهم رد مقداد قائلا : (( لا أبدا ليس الجوع، بل أمي، لقد خرجت من خيمتها ولم تعد فخرجت أبحث عنها. فرد الضابط: (( لم تجدها طبعا، إنها قابعة في إحدى الحفر.

ـ هل ماتت؟

ـ إن لم تكن قد ماتت لوجدتها، أو لكانت حاضرة.

ألقى إلى مقداد قوله بابتسامة موجهة إلى الجنود ربما تنطوي على طيبوبة، وقهقهة منهم ربما تنطوي على خبث، فردوا بقولهم: (( إنه كاذب، فكثيرون يقدمون إلينا بسبب الجوع )). عندها تكلم جندي منفردا ليلفت انتباههم قائلا: (( أنظر يا حضرة الضابط، أنظر إلى الثلاثة القادمين، أليسوا مندفعين نحونا بسبب الجوع؟ )) ، فرد الضابط: (( أريحوهم من مصيبتهم )). تكلم آمرا فانطلق الرصاص وفزع مقداد وارتبك، ولما نظر خلفه يستعلم استهداف البنادق رأى أن الذين كانوا قادمين قد  سقطوا أرضا، لقد استهدفهم الرصاص فقتلوا، ازداد مقداد فزعا وامتلئ رهبا من وحشية الضابط وفظاعة جرم الجنود، خاف على نفسه وتمنى على ربه أن يسلكهم عذابا صعدا، أو يك دابرهم مقطوع ممسين أو مصبحين غدا، جال في تمنيات القلب لا يملك يدا يرفع بها الظلم.. بينما يسعى فكره في أجواء خواطره بادره الضابط قائلا: (( أصدقني القول، ما الذي جاء بك ؟ أمك أم جوعك؟)).

ـ بل أمي الضائعة.

ـ أزيلوا عنه عناء البحث عنها، أطلبوها كما يطلب هو الآل.

بسرعة بديهة أدرك مقداد مرمى كلام الضابط فترجاه ألا يفعل، أقسم له بصدقه، ولكن الضابط وكزه بقوة حين لامسه يستعطفه حتى أسقطه، عندئذ اقترب منه الجنود فأشبعوه لكما وصفعا وركلا، أشبعوه ضربا بالأيدي والأرجل ومؤخرات البنادق حتى كاد يغمى عليه، وحيت شبعوا وأشفوا غليلهم كما يفعل المنتقمون ابتعدوا قليلا وصوبوا بنادقهم نحو نحره ليطلقوا النار وكأن إزهاق أرواح البشر يتساوى وأرواح الحباحب والضابط لم يبرح مكانه، ينظر إليهم ويتلذذ بذلك كما لو كان ساديا تطرب نفسه لتعذيب الناس، فأشار إلى جنوده بإشارة مانعة لم ينتبه لها مقداد، ظل في مكانه متسمرا من دون معية فكره، فدنا منه الضابط وكأن قلبه استبدل بآخر، أوقفه كأب ودود، أو أخ رءوف، أو أم رحيمة، ثم اصطحبه إلى مكتبه والجنود يضحكون ضحكات صفراء تنم عن خداع؛ مؤكدة نسيانهم التام لليوم الثقيل الذي وراءهم، فأجلسه في كرسيه وأخرج ماء نظيفا وطعاما لذيذا، ثم سقاه وأطعمه.

إستولى مقداد على كرسي الضابط حائرا من أمر تناقضه، ظل ينفذ كل أمر يصدر عنه بما في ذلك أوامر القيام والقعود والأكل والشرب؛ حتى الكلام لم يكن ليبديه لولا هيئة الحوار التي تلبس بها الضابط، ولو سلمه مسدسه وطلب منه قتل الجنود لفعل، ولو طلب منه قتل نفسه لقتله بسلاحه.

قضى معهم نصف ساعة كأنها نصف العمر أتى في بعض حياتها على طعامه وشرابه، كان خلالها ينظر هنا وهناك، يستمع إلى أحاديثهم، يسترق السمع من الراديو الذي  كان يذيع حينئذ نشرة الأخبار، لقد همه السماع وركز عليه كثيرا، حفل به في إصغاء عال، ولكن تركيزه لم يدم طويلا بحيث كان يضطر إلى الإجابات السريعة كلما سئل، وفي الأخير نهره الضابط فانقلبت أساريره وخشي ما وجد على ذهابه سبيلا، غير أنه لم يؤذ، طلب منه العودة إلى المخيم وعدم القيام بمغامرة أخرى بعدما زوده بالطعام والشراب، ولما استلم منه الزاد وتحرك أمتارا لمح على عتبة المكتب بعض البطاريات الجافة مبعثرة هنا وهناك لسان حالها يؤكد عطلها فاستأذن في حملها فأذن له ومنحه أخرى سليمة وشكرهم، ثم انصرف.

انصرف من عندهم وقد خرجوا جميعا إلى الساحة، مقداد يسير خائفا غير مطمئن ، ينظر خلفه متوقعا طلقات نارية وهم ينظرون إليه، ظل يبتعد شيئا فشيئا لا يفتر عن تكرار النظر، يخطو خطوات محسوبة تحمل ريح الموت إلى أن توارى عن أنظارهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

 

قدم مقداد إلى أبيه يسكنه الأسى ويأزه الألم. لا يفارقه التفكير في الظروف والملابسات التي يعيشها. يسأل عن الأسباب التي أنتجتها، مقلبا أفكاره في ذهنه الوثاب، مستفسرا عن حقيقتها وهل هي طبيعية أم غير طبيعية ؟ فالجفاف والقحط ينتجان الأمراض والأوبئة.. ولكن الأمطار تبدو طبيعية، فلا يجلبها أحد، ولا يردها أحد، ثم إن الأرض كل الأرض ليست هي هذه، وأن البشر كل البشر ليس نحن الجياع فحسب. فالناس على كثرتهم في كثير من بلاد الدنيا لا يعانون الجوع، وإذا عانوا منه في بعضها فليس إلى درجة الموت به، والأرض رحبة واسعة، فما هذا الذي نحن بصدده ؟ هل نحن حيوانات في سيرك ؟ هل نحن في سجن ؟ ولكن حيوانات السيرك تأكل، ونزلاء السجون يأكلون أيضا. إنها أسئلة محيرة، وإن مقداد لم يقو بعد على مجاهدتها واستخلاص أجوبة شافية لها،  ولكنها تؤرقه وتقض مضجعه.

دخل على والده الخيمة فقدم له الزاد الذي قدم به، ثم جلس إلى جانبه وشرع يروي له قصته القصيرة وأبوه يألم لآلامه ويحزن لأحزانه وهو يطعم أسعد حتى شبع، ويسقيه حتى ارتوى فانتعش قليلا وطفت على وجهه علامات الحياة، ثم تناول أبو مقداد شيئا من الطعام والشراب لعله يتقوى به أو يشد به أزره.. ولما أنهى طعامه وشرابه ومقداد في انشغال عن نفسه بنفسيهما يتأمل أباه وأخاه ويستدعي صورا من الماضي، ويرسم أخرى للمستقبل إذ بالوالد يلقي قوله إلى ولده : (( تعبت كثيرا من أجلنا، ولكنه قضاء الله وقدره )) فرد الابن : (( قضاء الله هو اختصاصه بلدنا بالجفاف والقحط كاختصاصه بلدانا أخرى بالفيضانات وغيرها بالزلازل والبراكين إذ لكل شيء دورته، وكم هي واسعة تلك المعتدلة في مناخها وكثيرة هي تلك التي اختصها الله بالخير الوفير يكفي سكان الأرض ويسع ضعفهم أو يزيد، فأرض الله واسعة، وهو لم يقض علينا بتعطيل تفكيرنا، كما لم يرغمنا على المكوث هنا، إن الذي قضى علينا بالمكوث في سجن المخيمات، والذي قضى علينا بالتجويع ليس الله .. وأما قدره فهو علمه وعليه لن يخالفه أحد، وكون عدم المخالفة ممتنعة لا تعني أن علمه يلزم الإنسان على القيام بالفعل خيرا وشرا، كما أنه لا يسلبنا إرادة الاختيار إلا إذا صار قضاء، إن الذي سلبها ليس الله )).

أبو مقداد: إن لم يكن قضاء الله وقدره فإنها إذن إرادته ومشيئته.

مقداد: إرادة الله ومشيئته تعنيان أنه لن يقع شيء في ملكه رغما عنه، فكل ما يحصل بإرادته ومشيئته، فقد منح الإنسان إرادة الاختيار ومشيئة فعل ما يريد ضمن القدرة الوجدانية التي يسيطر عليها. فالهداية والضلال من حيث الخلق من الله، وأما من حيث الممارسة؛ فهي من الإنسان، فالله لا يهدي أحدا، ولا يضل أحدا، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر.

أبو مقداد: إذن نقلنا إلى هنا، ومكوثنا بهذه المخيمات وحصرنا فيها ومنعنا من مغادرتها بإرادة ومشيئة غيرنا وغير الله، أليس كذلك ؟

مقداد: أجل وهذا قضاء لا يقتضيه نظام الوجود ولم يغفله قدر الله، ولكنه لا يقبل اليأس من مجاهدته ما دام هناك أمل في تجاوزه، فهو ليس من قبيل اليأس المطلق كبعث الميت مثلا، بل هو أمل تظهره إمكانية تحقيقه عقلا وفعلا كخروجنا من هذه المخيمات..

أبو مقداد: رفقا بنفسك يا بني، ولكن قل لي: هل فكرت في الماء ؟ هل فكرت في الطعام ؟ إن بعدنا عن المخيمات مخاطرة ليست ضرورية وتنوي اقتحامها ؟ أي فشل يعتبر هلاكا لنا.

مقداد: إن الطير بتوكلها على الله تغدو خماصا وتروح بطانا، فالذهاب والإياب والتنقل بحثا عن الماء الشائب والملوث لن يعجزني، وأما الطعام فإنه وفير على  ما يبدو هناك.

أبو مقداد: هل تقصد الزحافات ؟

مقداد: وهل توجد أرانب أو طيور أو غزلان ..؟ لا غير الزحافات يا أبي.

أبو مقداد: حسن، ولكن لتكن الضبان فإنها أنفع وأطيب وأسهل في القنص.

من ضمن ما كان يشغل بال مقداد فكرة الرحيل عن المخيمات، ولكن هذه المرة صارت شغله الشاغل، وقد سبق أن أسر لوالده بهذه الرغبة إلا أن أباه كان يأبى عليه ذلك، وحين لمس منه بعض الانفعال أحس بأنه يريد الرحيل وبجدية، ولذلك شرع يحدثه عن الطعام والشراب لحمله على البقاء، ولثنيه عن فكرته، فالوالد لم يكن مطمئنا لرأي ولده، وكلما حدثه عن الرحيل خوفه من العاقبة، وبصره بالمصاعب والمخاطر التي يمكن أن تخلق لهم بسبب البعد عن المخيمات خصوصا وأن مقداد كان يريد لوجهته أن تكون الصحراء، ولكن مقداد كان مصرا وذو عزيمة على التحدي كأنها الريح العقيم إذا أتت على ما يعترض سبيلها جعلته كالرميم، وأخيرا وافقه أبوه ملقيا بالمسؤولية على عاتقه.

تقرر عندهما استبدال المكان، ولكن إلى أجل مسمى. اختارا لرحلتهم ليلة يزف القمر فيها للأرض، وتكون النجوم ساعتها غارقة في رقصات الزهو مائلة جيئة وذهابا كأنها شربت سباء.

تنادى الجياع مصبحين. تنادوا أن اغدوا على مراكز توزيع المساعدات، فاضطربت المخيمات وركد الناس ركد الحمر المستنفرة، ماج بعضهم في بعض كأن زلزالا قد وقع. سمع آل النون أصداء حركات الجياع فاندفع مقداد إلى باب الخيمة لاستطلاع ما يجري، ثم رجع إلى مقعده وجلس فبادره والده بقوله: (( ماذا يجري يا مقداد ؟ )) فرد عليه: (( يزعمون أن المساعدات قد وصلت )).

ـ إذن هيا بنا لأخذ حصتنا.

ـ لا أعتقد ذلك.

ـ كيف ؟

ـ لقد شاهدت " ’طليما " يمشي في الناس.

ـ وماذا في ذلك ؟

ـ أنسيت كثرة أكاذيبه ؟

ـ لعله صادق هذه المرة.

لا، بل تقّول.

ـ ماذا يضيرك إن نحن ذهبنا لطلب اليقين ؟

ـ فماذا ترى ؟

ـ سوف أذهب أنا.

خرج أبو مقداد يطلب حقيقة ما قيل بشأن قدوم المساعدات، خرج وتصديق ما قيل طاغ على عقله، ذهب يتبع حنين معدته وشوقها إلى الطعام ولا يدري إن كان ذلك مفيدا.

تناول مقداد البطاريات الجافة وخرج بها إلى الساحة، أتى موضعا علمته يد الطبيعة فوضعها فيه وتركها عرضة للشمس الحارة تتزود بطاقتها.

بعد جلد الشمس للبطاريات تناولها ووضع أربعة منها حيث توضع بمكانها من الراديو فحرّ هذا الأخير وانطلقت منه أصوات مختلطة فأدار مفتاحه يمنة ويسرة وهو يستقبل موجات وموجات إلى أن استقر على إذاعة من شرق البلد تذيع نشرتها الإخبارية الثانية فحفل بها وانكب على سماعها بلهف شديد.

لا غرابة من اهتمام مقداد بنشرة الأخبار، ولا غرابة إذا اهتم بسائر البرامج التي تذاع من أية إذاعة يلتقطها بعد أن يحصل على الهوائي. فالمخيمات عبارة عن سجون محاطة بحراسة مشددة ما عدا بعض الكيلومترات المفضية إلى الصحراء، ومع ذاك لا تفتأ الدوريات العسكرية تجوبها بسيارات الجيب بين الحين والآخر؛ وقد منعت وحيل بينها وبين كل ما يمكن أن لا يجعل منها سجنا كبيرا إلا من خيط رفيع يتجلى في انعدام المرافعات والمحاكمات، فوسائل التثقيف والتعليم والألبسة والأغطية وكل ما هو من مستلزمات العيش وضرورياته ما لم يكن حاجة عضوية؛ لا قيمة له عند الناس لأن الحرارة والجفاف والقحط والإرغام على المكوث عند ذات المخيمات حالت دون تفكيرهم إلا في المأكل والمشرب.

رجع أبو مقداد إلى خيمته ليجد ولده منكبا على سماع الراديو، دخل عليه محييا يقول: (( ليتني لم أذهب )).

يكاد اليوم الموعود يكون قاب قوسين أو أدنى من الولوج، لم يبق على إطلاله إلا الثلث الأخير من ليلة هادئة إلا من الأنين والآهات تتنقل أصداؤها بين المخيمات ولا تبرح الآذان إلا آذانا نام عنها أصحابها.

مرت أصباح عديدة إلى أن أهل الصبح الذي أصبحوا فيه متأهبين للرحيل، ولما أضحوا وقالوا في يومهم الموعود أمسى مقداد وأحمد يجمعان أثاثهما، وأي أثاث يجمعان ؟ قصعة وحيدة يمتلكانها وحصيرا هشا ما كاد مقداد يحمله بين يديه حتى تهشم، وخيمة لا تعادي الريح بكثرة ثقوبها؛ ما كاد مقداد يطويها حتى اهترأت بعض جوانبها، وراديو صغير من فئة ثمانية جاع هو الآخر وصدئت مفاتيحه ومساميره.

أقبل  يومهم مليئا بالأسرار، أقبل مندفعا يبغي ولوج اليل تدفعه الشمس المستعرة بدفعها للأرض  ودفع درب التبانة لها ولتوابعها.

حمل مقداد بين ذراعي أبيه وحمل مقداد الخيمة والقصعة والطرانسيسطور وبعض ما أبقياه من زاد مخصص للصبي يؤثرانه على نفسيهما ولا يأخذان من الزاد إلا القليل وبحرص شديد.

ترحك الأب والابن بعد أن لاحت لمقداد في الأفق القريب طليعة اليل، داهمتهم طائفته ا|لأولى حتى غمرت مد بصرهم وهما يمشيان وأسعد محمولا تارة يبكي وأخرى يصرخ. انطلقا يخطوان وترى كأحسن ما يكون الخطو، يرددان كلمات عظيمة تبعث الحياة في الأموات إن سمعوها، تستجمع شرود الذهن وتأسر القلب في دائرة الخشوع لمعانيها، تفضي بمرددها إلى الاطمئنان والثقة في النفس.. نشطا في سيرهما وهما ينظران إلى النجوم كيف أحاطت بالقمر إحاطة السوار بالمعصم، كيف غطت قبة السماء وانتشرت في رحاب الكون يحسبها الناظر لؤلؤا منثورا.. وبين الفينة والأخرى يتحاوران بألفاظ رقيقة سلسة لا تجهد الرئتان في إخراج أريجها العذب بين زفرات لا يمكن تحسسه بالجوارح لأن طعمه خاص بذوق الروح.. سارا بهدوء وسكينة حتى رغبت فيهما متطلبات الفجر الملحة فخشيا من الشروق إن هما استمرا في سيرهما فاستجابا له استجابة المتشوق للقاء أغلى الأحبة.. ولما أخذ منهما ما لزم انشغلا بعض الشيء بإطعام أسعد وسقايته، ثم نهضا واستأنفا سيرهما إلى غاية الشروق.

أشرقت الشمس كعادتها منذ ملايين السنين. أشرقت ككل صباح، وعندها أشار مقداد على أبيه بالتوقف ريثما ينتهي هو من البحث عن مكان يليق بالاستيطان. توجه غير بعيد في كل الجهات يتفقد المنطقة. وفي منحدر بسيط وجهه إلى الغرب وظهره إلى الشرق عند شجرة يابسة قرر الاستقرار، ثم رجع إلى والده مسرعا يحثه على التوجه فورا فجاء به توا، ثم نصبا خيمتهم فكان مقر إقامتهم الجديد.

كان يومهم هذا يوما قائظا، فالشمس محرقة، والرمال من شدة الحر بدت وكأنها تغلي بحيث من الصعوبة بمكان وطؤها بإقدامهما العارية، والتعب قد أخذ منهما مأخذا بليغا، وجسمهما في حاجة إلى الراحة.

قضيا يومهما لا يبرحان الخيمة حتى ذهب القيظ ومالت الشمس إلى الغروب، ولما أقبل اليل أخلدا وأخلد معهما أسعد على الأرض بغية الحصول على الراحة بالنوم فناموا جميعا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

استيقظ مقداد وأحمد على صوت أسعد يبكي، تنبها عند تملص اليل من لباسه، بان في الأفق الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، نهضا من نومهما وقد شعرا بشيء من النشاط والحيوية. أخرج أحمد ما كان قد تبقى من الطعام فأطعم طفله وسقاه، ثم قاما لبعض حاجتهما، ولما انتهيا طلب مقداد من والده المكوث في الخيمة لرعاية أسعد، ثم انطلق.

تسلق الشجرة اليابسة التي اتخذاها وتدا شدت إليه بعض أسباب الخيمة بغية الحصول على عصا غليظة، مال على غصن عجوز هجره اليخضور، ثم ضغط عليه بقوة فانكسر، ثم نزل وحمله معه إلى البرية، وكلما مر بثقب أو شق أدخل فيه عصاه حرصا على إزعاج ساكنة الشقوق والجحور لعلله ينجح في إخراجها من مخادعها  فيصيدها، يتجول هنا وهناك، لا يترك ثقبا أو شقا أو جحرا إلى وحاول حمل ما بداخله على الخروج ظنا منه أن صيده يكمن فيها ويقبع بداخلها، أحس من خلال أشعة الشمس الدافئة أن النهار  سيكون قائظا، وجوه سيكون حارقا، فالحرارة ترتفع كلما ارتفعت الشمس في السماء، وهو لا يريد أن تصل إلى كبدها قبل أن يصيد صيده في مصطاده القريب؛ ما يصلح لإقامة الأود، حرص على ذلك أشد ما يكون الحرص، فشمر عن ساعديه، وضاعف من جهده حتى وفق في صيد ضبان ثلاثة من جحور مختلفة، صادها بعصاه التي خادنها منذ خروجه من عند أبيه، ثم عاد موليا دبره للمصطاد.

صار طعامهم لمدة طويلة هو الضب. يخرج مقداد في طلبه، ويمكث أحمد لرعاية شؤون أسعد، وحين تكون حاجتهم للماء ماسة يتحرك مقداد لطلبه من المخيمات، هكذا صار يجلب الماء منها رغم طول المسافة، ويجلب الطعام من مصطاد البرية رغم البعد الممطّط عنها قليلا.

صار مرتاحا للوضع الذي آلت إليه حالهم. فالطعام وفير في البرية، والماء رغم نقصانه يفي بحاجتهم. وحين يملئون بطونهم ويشعرون بالانتعاش ووفرة قوت اليوم الموالي؛ وأحيانا ما يزيد، يقبعون في البيت اتقاء للحر، وإذا قدم المساء و ذهب القيظ يخرجون إلى الهواء الطلق وغالبا ما كانا يجلسان إلى أسباب الخيمة تاركان أسعد يعبث بأوتادها وأسبابها وهما منهمكان في الحديث والمناقشة. أسعد من حين لآخر يقطع عليهما حديثهما بحركاته الوديعة التي تتسبب كثيرا في سقوطه على الأرض يبكي بها، أو كلمات ينقِِّص من أحرفها؛ يحرِّفها إذا نطقها فتثير في نفسيهما الغبطة والسرور، كانا لشدة فرحتهما به يتناولانه ويشرعان في تعليمه وتلقينه ما يتناسب مع سنه ويحتمله دماغه وأنانيته الغضة الطريفة، وإذا جاء وقت إذاعة النشرات الإخبارية تناول مقداد الراديو وأدار زره الأيسر فتنتشر بواسطته فيه الحرارة حتى يقف عند حده الأقصى من الجهة اليمنى، ويتناول بسبابته الزر الآخر يحركه جيئة وذهابا يمنة ويسرة إلى أن يقف عند التقاط إذاعة معينة غالبا ما تكون إذاعة محلية، فطرانسيسطوره لا يجلب غير الإذاعات التي يتضمنها نظام إف إم  FM ذي الموجات الطويلة التي لا تتعدى 108 مجيهيرت، وكان هذا باعثا على فضوله، تقرر عنده استقبال الإذاعات المبثوثة عبر الموجات القصيرة أو المتوسطة ولا سبيل إلى ذلك بغير الهوائي الذي يفتقده ويحتاج إليه كثيرا.

أضاف في ذهابه وإيابه عنصر طلب الهولئي الذي يفتقده إلى أن عثر عليه. كان سلكا نحاسيا علق في شجيرة صحراوية ذات أشواك حادة كأنها لدغ أو لسع إذا ديست بالأقدام العارية.

كان سلكا معدنيا مغلفا بالبلاستيك أبت تلك الشجيرة إلا أن تنتزعه من تحت سيارة الجيب حين مرت فوقها لتقدمه  لمقداد.

بفضل هذا الهوائي صار مقداد يلتقط إذاعات عديدة، ففي كل صباح على الساعة السابعة والنصف بتوقيت غرينتش  يستمع إلى صوت أمريكا، وفي كل زوال يلتقط إذاعة لندن ويحرص على سماع نشرة الواحدة بعد الزوال ويركز بالخصوص على برنامج: عالم الظهيرة. لا تفوته إذاعة وكالة : طاس السوفييتية وإذاعة القاهرة والكويت وكثير من الإذاعات العربية.. صار  الراديو في حقه جريدة ومجلة وتلفزيون.. صارت برامج الإذاعات الناطقة باللغة العربية شغله الشاغل بحيث لا يفوته برنامج مفيد، أو تعليق سياسي هادف، أو حوار مهم.. كان من الطبيعي أن يشاركه أبوه في أغلب الأحيان. وتمضي الأيام والأسابيع وتظل حياتهم على نفس الإيقاع والوتيرة حتى إطلالة مشكل بسيط داهم مقدادا فبدأ يملأ عليه حياته وينغِّص عليه، إنه البطاريات، لقد بدأ الراديو يعجز عن الكلام، إنه جائع، وأنى لمقداد بإطعامه، ثم إنه ليست هناك أو هنالك بقالة، وإن وجدت فأنى له بالنقود. فكر مقداد في التوجه إلى فرع المركز ، إلى حيث تمكن من البطاريات، ولكنه تذكر وعيدهم، تذكر اعتداءهم عليه دون ذنب اقترفه، ماذا يفعل ؟ صار تفكيره مشغولا بهذا الطرانسيسطور الذي يربطه بالعالم، ويشعره أنه جزء من كل، كما يجد فيه وسيلة للتثقيف والتعليم.. يستطيع بواسطته فهم ما يجري محليا ودوليا.

قرر المغامرة رغم المخاطرة وشبه الموت بالرصاص الذي لم يستسغه في حق الأبرياء الذين سقطوا على مرأى ومسمع منه، ولكنه لم يغامر، فقد كان محظوظا هذه المرة بحيث في يوم من أيام أبريل ـ نيسان ـ وأثناء إيابه إلى خيمته عثر على بعض البطاريات ملقاة على الأرض وقد غطت أكثرها الرمال، فتناول ما استعلن منها لناظره وبحث بتصديق ظنه وصدق ظنه إذ ألفى ما غمرته الرمال وقد علم أنها لبعض الجنود الذين يجوبون المنطقة بسيارات الجيب، ففرح أيما فرح وارتاح واطمأن وعاد إلى روتينه.

في أمسية جميلة ذات أنسام عليلة فوق رمال دافئة وفي الهواء الطلق جلس مقداد إلى جوار أبيه يتحدثان في كثير من القضايا التي تهمهما وتهم شعبيهما والأمة قاطبة، وأثناء الاسترسال  في الحديث أتيا على موضوع مهم فابتدأ  مقداد بسؤال  وجهه لأبيه قائلا:

ـ لماذا امتنعت البنوك الدولية والتجارية عن إقراض بلدنا ؟

مقداد: سبب الامتناع عللوه بالعجز عن دفع ديونه منذ نهاية عام 1978م.

أبو مقداد: ولماذا عجز؟ بل لماذا اقترض حتى غرق في الديون ؟ أيعيش عالة على هذه المؤسسات؟

مقداد: القرض لا شيء فيه إلا أن يكون من دولة استعمارية أو دولة تطمع في بسط نفوذها بسبب إغراق البلد في الديون حتى يعجز، ومن ثم تضعه في قبضتها.

وأما كون بلدنا عالة على غيره فإنها الحقيقة للأسف؛ سببها التبعية أو الدوران في الفلك.

وأما بالنسبة للعجز عن أداء الديون فأولا ليس هناك عجز إذا أبعد عنصر الربا، فمعظم الديون مترتبة عن الفوائد، وهذه الأخيرة تعتبر أكلا لأموال الناس بالباطل، وثانيا هناك كذبة لا تسعها الأرض على سعتها، إنهم يقولون أن عدم توفر البلد على العملة الصعبة هو الذي جعله في مواجهة الأزمات الخانقة من مالية واقتصادية.

أبو مقداد: لا أكاد أفهم.

مقداد: إنهم يريدون إفهامنا أن العملة الصعبة هي السبب الرئيسي في الأزمة من حيث فقدانها ويضمرون حقيقة صار حكامنا يرفضونها بسبب تبعيتهم والناس على دين حكامهم.

أبو مقادا: وما هي؟

مقداد: إنها قاعدة التعامل بالذهب والفضة. فالعالم منذ قفزته على المقايضة صار يتخذ الذهب والفضة عملة ونقدا، درج على هذه القاعدة منذ آلاف السنين حتى قبيل الحرب العالمية الأولى حيث أوقف التعامل بها، ثم عاد بعدها عودة جزئية حتى مجيء نيكسون إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية؛ بحيث في سنة 1971م ألغي التعامل بالذهب والفضة إلغاء كليا وكان ذلك في 15 أغسطس ـ آب ـ من نفس السنة حيث تقرر إلغاء نظام بريتون وودز القاضي بتغطية الدولار بالذهب والفضة وربطه به بسعر ثابت.

أبو مقداد: وهل يمكن العودة إلى هذه القاعدة ؟

مقداد: أجل، فلولا هيمنة الدول الاستعمارية الكبرى على الدول الصغرى، ولولا اتخاذ ذلك وسيلة جديدة لاستعمار الشعوب ومص خيراتها لسهلت العودة، ثم إن طبقته دولة واحدة لأغرت غيرها بتطبيقه لما لهذا النظام من ضمانات تحول دون اهتزاز أسواق المال العالمية.

أبو مقداد: ,إذا احتاجت إلى سلع أو منتجات لا تتوفر عليها فكيف تتعامل مع من لا يعتمد قاعدة الذهب والفضة؟

مقداد: بمجرد ما يكون هناك احتياج أو حاجة إلى منتجات لا تتوفر عليها تسارع إلى إيجاد الاكتفاء الذاتي، وإن لم تقو على سد بعض الحاجيات كأن لم تكن دولة بترولية مثلا وحاجتها إليه ماسة تسعى إلى بيع ما زاد عن الحاجة من منتجاتها بالعملة الصعبة وشراء ما يلزمها، وربما اضطرت إلى بيع الذهب والفضة كما يفعل الاتحاد السوفيتي من أجل شراء ما يلزمها من الضروريات، ولكن مع الحذر من استدراجها إلى إخراج ذهبها وفضتها لبيعه بالعملة الصعبة.

أبو مقداد: عجبا لهذا البلد يقولون عنه أنه بلد غني وواقعه الفقر والتخلف.

مقداد: صحيح بلدنا بلد غني، ولكن سياسة أهله فقيرة لأنها ذاتية وليس مخلصة، فالاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثلا لا يكون إلا بشروط مجحفة، فقد فرض صندوق النقد الدولي برنامجا تقشفيا اضطرت حكومة البلد لقبوله، وقد أسمته شد الحزام؛ وقف استيراد الكماليات، تخفيض عجز الميزانية، تخفيض الدعم الحكومي لأسعار بعض السلع الأساسية.

أبو مقداد: ولماذا تخفيض الدعم الحكومي لأسعار السلع الأساسية ؟

مقداد: هذا البرنامج لا يعالج شيئا، بل يعمل على إرباك الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية وينتج الفقر والفوضى، وهذا ما ترغب فيه الدول الاستعمارية وعلى رأسها المهيمنة على المؤسسات المالية العالمية.

أبو مقداد: هل يوجد في بلدنا بترول ؟

مقداد: بلدنا فيه من كل خير إلا أن أهله مجبرون على السير وفق ما تمليه إرادة الاستعمار وأذنابه ، فشركة ستا ندار أويل أوف كاليفورنيا STANDARD OIL OF CALEFORNIA  اكتشفت حقلا  في جنوب البلد قرب حدود التشاد كان ينتج في ذلك الوقت ما بين 18,12 ألف برميل في اليوم.

صارت حياتهم حافلة بالنشاط، فمقداد يذهب كل صباح لإحضار الطعام من البرية، ويذهب كلما دعت الضرورة لإحضار الماء،. أحمد في الخيمة لا يبرحها إلا لقضاء حاجته، وأسعد معه يعلمه وقد أشرف على الشباب، وحين يجتمعون يتحدثون في كثير من الشؤون والقضايا.

خرج مقداد كعادته صبيحة يوم الاثنين قاصدا البرية يحمل في يده عصاه، ولما وصلها وتمكن من صيد ضبان أربعة طفق يسعى عائدا فرمق من على هضبة سيارة جيب لا تبعد كثيرا عن مكانه، أسرع الخطى نحوها حين ألحت عليه فكرة مساءلتهم عن البطاريات المستغنى عنها والعاطلة، وما أن رأوه حتى جدوا في طلبه، أوقفوه بعنف وبذاء وبنادقهم مصوبة نحو نحره، اندهش لهيئتهم، ونكر سوء معاملتهم، اختلطت في ذهنه الأفكار وتشعبت الآراء وعصفت به الظنون السيئة، ينظر إلى هيأتهم فيجد أنها لا تشبه هيئة الذين أشبعوه ضربا، يتأمل بدلاتهم العسكرية فيجد فرقا بينها وبين التي كان يرتديها الظلمة، إيقافهم له كان مزعجا لا يخلو من إرهاب، نظرتهم إليه نظرة استغراب لا تكاد تخفي عداءا متحفزا، ولكنه لم يعادهم، أو يؤذ أحدا من الناس، فلماذا هذه البنادق المصوبة نحو شخصه ؟ ولماذا هذا التأهب لإطلاق النار ؟ سباباتهم تكاد تشبه الصنارة وتتمنى إرداءه صريعا، ولكنه ليس سمكا حتى يكون هدفا لها حين تجمع إلى جهة الكف.

قيدوه من يديه ورجليه وهو يتوسل إليهم، يستعطفهم بالله، وما أن كرر اسم الجلالة حتى نظر بعضهم إلى بعض يتغامزون ويهتفون بكلمة رجعي ورجعية، ثم ينظرون إليه نظرة احتقار، يسخرون منه، يرونه من حثالة الناس، نظرات الاستخفاف الممزوجة بالضحك والقهقهة تؤكد لهم أن مقداد ممن يناصبونهم العداوة والبغضاء، صدقوا عقلهم المريض، وانساقوا وراء هواهم البغيض فارتأى كبيرهم رأيا ماكرا، أخذ يعنِّف فرقته وهو ينزع عن مقداد القيود ويعتذر إليه، يود استدراجه ليعلم منه ما يريد، تودد إليه حتى أشعره بالأمان، غلف سلوكه بنية حسنة حتى طفت على محيا مقداد الطمأنينة، عندها بادره القائد بقوله: (( ما اسمك يا ولدي ؟ )).

مقداد: مقداد.

القائد: ماذا تفعل هنا ؟

مقداد: أصيد الزحافات مثل تلك.

 أشار بيده إلى ما صاده في يومه ذاك وهو ملقى على الأرض.

القائد: وماذا تفعل بها ؟

مقداد نتخذها طعاما.

القائد: أنت ومن ؟

مقداد: لي أب وأخ ينتظراني على بعد سرعة الشمس في الثانية الواحدة.

القائد: هل تريد أن أبلغك مأمنك ؟

مقداد: لا، لا حاجة إلى ذلك فما زلت أقوى على المشي، شكرا جزيلا.

القائد: لا بد من حملك فالإعياء باد على وجهك، وأنا مشتاق لعمل خيري أشكر عليه، وأجازى به من الله.

مقداد: حسنا، جزاك الله خيرا.

القائد: هيا اركب.

استقلوا سيارة الجيب ومقداد مطمئن على جديد وضعه، القائد يزيد من إشعاره بالأمان كما يزيد من مساءلته عن استعلانه أمامهم علما بأنه كان بإمكانه أن يختبئ ويختفي عن أنظارهم كلية؛ ومقداد يجيبه بصدق وأمانة ويكشف له سر رومه لهم مبديا رغبته في احتمال وجود البطاريات لطرانسيسطوره إلى أن وصلوا الخيمة.

طوق الجنود الخيمة طوق السوار للمعصم، وبنادقهم مسددة صوب بابه، اندهش أحمد لهول ما رأى حين وقف على  العتبة فأشار إليه جندي بأخذ الجانب الشمالي من الخيمة، واندفع آخر إلى الداخل فلم يجد غير طفل يخجل من اقتحام المراهقة، يتطلع إلى الغريب ويتألم سمعه لسماع أصوات الغرباء، أخرجه بعنف ودفع به إلى جانب أبيه ومقداد لا يكاد يصدق ما يرى، فانبرى للضابط يستدر عطفه ويسأله الرفق بأبيه وأخيه، والضابط في صراع مع عقله الضيق يقلب فيه آراء وأفكارا لا يسعها خلده؛ فتذهب في المتاهات، ولكنه لم ييأس فربما يكون من وراء مقداد ما يثلج صدره ويزيد من ترقيته إن هو حصل منه على مراده، فخرج من صمته وقال: (( أصدقني القول، هل أنت من التغريين أم من الإريتريين ؟ )).

مقداد: لا هذا ولا ذاك.

القائد: إذن لست مسلما، أليس كذلك ؟

مقداد: بل مسلم.

القائد: وتنكر أنك لست تغريا، أو إريتريا، فالإريتريون مسلمون، ولكنهم رجعيون، انفصاليون، ثوريون..

أحس القائد أن الزمام يكاد ينفلت من يده بلهجته العالية، وكلماته القاسية، وقد كان منذ فترة يحسسه الطمأنينة، والآن يحسسه العكس فقرر العودة إلى اللين حتى لا تنكشف نواياه الخبيثة.

القائد: ماذا تفعلون بعيدين عن المخيمات ؟

مقداد: الجوع، الجوع هو الذي دفعنا لاستيطان هذه المنطقة النائية لوفرتها على الضب فهو طعامنا منذ مدة .

ـ لا شك أن الجوع قد ذهب إلى غير رجعة لأنكم تحصلون على الطعام من الصحراء، أم تحصلون عليه من المعونات الغربية ؟ أم من .. ؟

توقف الضابط ولم يفصح، يريد أن يؤكد لأفراد فرقته أن الثلاثة ثوار إريتريون يخفون حقيقتهم وراء هذه الإجابات الكاذبة، يريد أن يلبسهم تهمة الانتماء إلى الثوار الإريتريين، ولكن ليس الآن، وكيف لا يكونون ثوارا وبطونهم ممتلئة، وأمارات الجوع  وسوء التغذية لا أثر لها في قسمات وجوههم، وأجسادهم تبدو معافاة..

أخرجه أبو مقداد من تفكيره قائلا: (( هل تسمح يا سيدي ؟ )). يستأذنه فأذن له بحركة هز بها رأسه فقال أبو مقداد: (( إن ولدي صادق في كل ما قال لحضرتك، وإنك لتبحث عن الإريتريين ولسنا منهم، كما لسنا تغريين )). القائد في غضب: (( من قال لك ذلك؟ من أين لك أن تعلم عن غايتي؟ )).

ـ أبو مقداد: يفهم ذلك من أسئلتك التي لا تخلو من اتهامات.

مقداد: يا حضرة الضابط لا شيء غير الجوع، فهو الذي دفع بنا لاستيطان هذه المنطقة ولولاه لرجعنا.

القائد: أما علمتم أن المساعدات قد قدمت، وأن المجاعة قد ولت ؟

مقداد: أية مساعدات هذه التي تتحدث عنها، فهل تقوى على إطعام ستة ملايين جائع، ومليوني لاجئ ، فإقليم كوريم لوحده يموت فيه عشرون شخصا في كل يوم، وفي هذا الوقت بالذات تصل مساعدات غذائية لأثيوبيا لإيصالها إلى المناطق المنكوبة بإقليم: دولو وتيغراي وإريتريا شمالا، ومناطق جفاف جديدة مثل: سيدامو وبالي وجامو جوفا في الجنوب، ولكنها لم تصل في حينها أتدري ما السبب يا حضرة الضابط ؟

ـ  هل اختطفها الثوار ؟

ـ لا، بل حصل احتجاز لجميع الشاحنات الخاصة والعامة من أجل نقل الجنود والجماهير والمواد الضرورية لتزيين العاصمة أديس أبابا التي تحتفل بالذكرى العاشرة لانتصار الماركسية البينينية، هذا ما فعلته السلطات الثورية.

عند هذه الكلمات الجريئة التي لم تزد أو تنقص عن وصف الحقيقة انصب العرق على جبين أحمد وكان أثناء استرسال مقداد يود إيقافه عن الكلام بإشارات أبداها خفية فلم ينتبه لها مقداد، ولو انتبه لما اكترث لوصف الواقع. نزلت هذه الكلمات على مسامع الضابط والجنود كالصاعقة، احمرت لها الأوداج، وارتعشت لها الشفاه، وغلت بها الدماء، ولكن الضابط تجاهل ذلك ولم يفعل شيئا، كظم غيظه إلى أجل هو آت في ذهنه، منع الجنود من أي عمل، فلا يزال يأمل في إيصاله إلى مكان الثوار ومخادعهم عن طريقه مادام  قد اقتنع أنه أحدهم وعقد قلبه على ذلك، قلق لجرأة هذا الفتى وهو منزوح السلاح، يساءل نفسه: ( ألا يكون وراء ذلك سر ؟ ألا يكون مكيدة أو فخا ’نصِّب لهم من قبل الثوار ؟ وإذا ظهروا فجأة فماذا يفعل بجنوده الأربعة ؟ أيكفونه القتال ؟ تسرّع في أمره بعدما سكنه الخوف وسيطرت عليه هواجس القتال، وأردف وهو يخفي انفعاله: (( اطمئن يا مقداد، فالمساعدات من الاتحاد السوفييتي قادمة إليكم، وأما الذي حيل بينها وبين وصولها في أوانها فهو العزوف عن طعام الإمبرياليين لأنه مجلوب من استغلالهم العمال والشعوب، وما كان لشعب جائع أن يأكل طعام شعب مستغل مسروق إلا في حدود معينة )).

مقداد: يصح عندك ما تقول، فمنطق الرجعيين والإمبرياليين  غير منطق الثوريين والماركسيين اللينينيين، فقد بدأت موسكو حملة لجمع التبرعات من الرفاق، بدأت من المدرسة.

اقائد: أتعلم هذا ؟

مقداد: أجل، فقد (( طلبت المعلمة من تلامذتها أن يجلب كل واحد منهم روبلا كمساعدة لاتحاد نقابات العمال الإثيوبيين الذي أنشأ حديثا.. وفي اليوم التالي عاد الطلبة ومع كل واحد روبلا ما عدا الطالب جوزيف الذي اعتذر لمعلمته بقوله: إن والده لا يعتقد بوجود نقابات عمال أثيوبية، ولذلك لن يدفع الروبل.. بعد فترة عادت ذات المعلمة لتطلب من تلامذتها جلب روبل آخر لمساعدة الشعب الإثيوبي للتغلب على المجاعة التي ضربت البلاد,, نفذ الطلاب الوصية مرة أخرى ما عدا جوزيف الذي اعتذر لمعلمته بأن والده لا يعتقد بوجود مجاعة في إثيوبيا.. وبعدها بأيام طلبت المعلمة من الطلبة أن يحضر كل واحد منهم روبلا كتبرع للحزب الشيوعي الأثيوبي ( حزب العمال ) المشكل حديثا.. وفي اليوم الثاني عاد الطلبة ومع كل روبل، إلا جوزيف هذه المرة حيث عاد ومعه ثلاث روبلات,, فاستغربت المعلمة ذلك، كونها طلبت روبلا واحدا وليس الثلاثة.. فأجابها: يقول والدي أنه مادام قد أصبح في إثيوبيا حزب شيوعي، إذن هناك اتحاد نقابات عمال، وهناك مجاعة أيضا )).

القائد: أرأيت كيف يهتم المدرس والأطفال والرفاق السوفييت بالطبقات الأدنى من الشعوب ولا بد أن يعم هذا الجمع للتبرعات سائر شعوب العالم الشيوعي.

مقداد: ولكنها نكتة موسكو يا سيدي.

البقائد: نكتة موسكو، لا، لا شك أنك تمزح.

ضحك وأضحك .

مقداد: هناك في العالم الشيوعي الروبل، وهناك زلوتي، وفلورنت والكرونا.. ولكن نقدا واحدا من هذه العملات لم ينفق، إنها الحقيقة يا سيدي.

ما كاد مقداد ينهي كلامه حتى ضاق القائد به ذرعا ونفذ صبره فهوى عليه بمؤخرة مسدسه، أصابه في قفاه فأسقطه، ثم وثب عليه الجنود وثوب الأسد على الغزلان وصاروا يشفون غليلهم منه، وبينما هم على حالتهم تلك تدخل أحمد لنجدة ابنه بلطف فكان مصيره الضرب بمؤخرات البنادق وكذلك أسعد. عذبوهم شر عذاب لاعتقادهم أنهم من الثوار الذين قضوا مضاجع روح مريم.

 

 

الفصل الخامس

 

توقف الجنود عن تعذيب أحمد وأسعد ومقداد، ثم شرعوا يتحدثون عن قتلهم والتمثيل بهم، يرغبون في ذلك أشد ما تكون الرغبة، غير أن القائد حال دون رغبتهم ، لا يرى رأيهم، يرى إبقاءهم أحياء لتسليمهم؛ إذ لا يغب عن ذهنه حذق وبراعة أعوان روح مريم في استنطاق المتهمين بوسائل وأساليب تنطق لها الجلود وتشهد عليهم. فرغم إلحاحهم عليه، واستئذانهم إياه في إطلاق النار على آل النون لم يأذن، حاولوا معه المرة تلو المرة، وما حملهم على عدم التكرار سوى غضبة جهد أن تكون مضريه. بدا صارما في تنفيذ الأوامر، صرخ في وجوههم: (( لا تفعلوا، قلت لكم لا تفعلوا، لا يزال لي معهم شأن آخر ))، سألوه عن سر شأنه فامتنع عن الإجابة بصرخة مدوية في وجوههم أربكتهم، فهدّد وتوعّد.

أمرهم بإخراج الحبال، وأشار بشد أرجلهم وتوثيقها، لكل منهم حبل يسع شد رجليه ويزيد ثلاثة أمتار عن مؤخرة سيارة الجيب، أراد أن يجرهم كما تجر العربات والرمولكات مستقلين عن بعضهم البعض في وثاقهم؛ ويتيه بهم في الصحراء حتى يبلغ مراده. نشط الجنود في تنفيذ الأوامر، ثم ركبوا السيارة وانطلقوا منشدين يحتسون الخمر. مقداد وأسعد وأحمد خلف السيارة تجرهم بقوة خيول ثلاثة. السائق يتعمد المرور فوق المنخفضات والمرتفعات، يميل على الأخاديد الصغيرة، يتعمد الدوس على النباتات الشائكة، وكلما مرت السيارة فوقها إلا وأصيب بها المجرورون إصابات بليغة. لم تترك لهم لباسا يستر أجسادهم، أو يقيها، تجردوا منها إلا من قطع صغيرة أضحت خرقا ثبتت بثبوت الحبال على الأقدام، بدت عوراتهم، جرحت أجسامهم فسالت منها الدماء، وكلما نظر الجنود خلفهم اندفعوا يضحكون ملء أشداقهم ساخرين متلذذين.

قطعوا كيلومترات عديدة. ساروا مسافات طويلة. ولما لم يبق إلا كيلومترات هي تلك التي تسيرها الأرض في الثانية الواحدة حتى ضاق القائد من كثرة الجلوس لإحساسه بالتعب والإعياء. اليل متوثب للانقضاض، مقدمته في الأفق البعيد تلاحق مؤخرة النهار وتعمل على دفعها حتى يفسح له المجال للانتشار.

فلي هذه الأثناء أمر القائد بالتوقف. نزلوا مركبهم واتجه القائد نحو المؤخرة حيث المجرورون إلى أن وقف إلى جانب رؤوسهم، وجوههم مغمورة في الرمال، قلبها بقدمه فبدت مكسوة بالدماء قد تغيرت لها معالمها، نظر إليها نظرة الشامت الحقير، وابتعد قليلا ليمعن النظر في الفضاء الشاسع المتناهي، ثم التفت إلى الجنود وهم عنه مشغولون بأحاديث سخيفة، وقهقهات بليدة تأبى الآذان مقارفتها وأشار عليهم بجمع الحطب وتهييئ الوقاد من أجل إشعال النار لاستغلالها، ولكنهم لم يفعلوا، أشار عليهم الخريث المتوحش بأن يطلبوا من قائدهم السماح لهم باستغلال سجنائهم وتسخيرهم لنفس الغرض ولخدمات أخرى حين تخطر علي بالهم، أو تكون مآرب آجلة. تقدم إليه صاحب الفكرة وأفصح له عن نيتهم استعباد معتقليهم؛ فأذن لهم.

دنوا من سجنائهم، ثم فكوا وثاقهم المحكم وأجلسوهم جاعلين أنفسهم وسائد لهم وصاروا يوخز ونهم بالسكاكين حتى استرد مقداد وعيه فزعا متألما، حاولوا مع أحمد وأسعد دون جدوى، دخلا في إغماءة ربما لن يفيقوا منها أبدا، فما كان من وسادتهما الآدمية إلا أن نشلها شيطانان خبيثان يمسك بناصية كل منهما، فمال أحمد وأسعد على الأرض كما يميل العمود الذي يفقد ثوابته، حملوا مقدادا على الوقوف منتصبا فلم يقدر.

منذ اللحظات الأولى من عودة الوعي إلى مقداد انطلق دماغه يفكر في الوسائل والأساليب التي تخلصهم من هؤلاء الأوغاد، ولما لم يقف انهالوا عليه ضربا، لم يكن مبرّْحا، ولم يكن على الدماغ، رآهم القائد فنهرهم لعدم رضاه، ثم اقترب منهم وطلب من مقداد النهوض، فتأهب لذلك، ولما وضع كفيه على الرمال مستعينا بها على للوقوف غرس أصابعه فيها، ثم ضمها إلى راحتيه وقد اغترف منها مقدار قبضتين، وما كاد ينتصب حتى رمى بها أعينهم بخفة وسرعة أغشاهم بها فما عادوا يبصرون، تململوا على أرجلهم وضاع توازنهم فكانت المنايا خبط عشواء في فوهات البنادق، ولكنها محبوكة في العلم التليد تمر عبر ما دق أو غلظ، خفي أو استعلن، ظهر أو بطن إلى أجل لم يمهلها الكتابي السرمدي، صاروا يطلقون النار ظانين أنهم إنما يطلقونها مستهدفين مقدادا، ولكن الفتى كان قد ارتمى على الأرض وانبطح فيها، فكانت الأعيرة النارية تخرج من فوهات البنادق ومسدس القائد ليصيبوا بها بعضهم بعضا حتى قتل منهم أربعة، ولم ينج إلا القائد، ولما اختفت أصوات الطلقات النارية انشغل يفرك عينيه ليزيل عنها ما علق بها من حبات الرمل وما استقر بداخلها من هباءات الغبار ليبصر جنوده صرعى ومقداد مستثقلا إياه الانتصاب فأدرك السر، وما كاد يشهر مسدسه في وجهه حتى انقض عليه مقداد كالنسر وعاركه فغلبه، ثم أسره دون شدِّ وثاقه.

غنم مقداد البنادق والمسدس، جمعها وتوعد القائد إن هو تحرك من مكانه، أمره بلزوم الوقوف وعدم التحرك أو يقيده ويكبل يديه ورجليه. أسرع نحو الجنود ونزع عنهم ألبستهم، ثم ستر بها سوءة أبيه وأخيه وهو يوقظهما، ولما لم يفلح ذهب إلى سيارة الجيب فجلب منها ماء محفوظا في قارورات بلاستيكية، ثم شرع يرش بها وجه أبيه وأخيه حتى رجع إليهما وعيهما. نظر أبو مقداد إلى ولده نظرة استعطاف بعين كأنها شافعة، أخذ يستشفعه إلى القائد، لم يتبين بعد، اختلطت عليه الأمور، فالمصيبة التي ألمت بهم لا يزال وقعها يملأ قلبه هولا وفزعا، ولا تزال ريحها تركب جوارحه ألما ورهبا، مقداد يحاول رده إلى هدوئه طالبا منه التثبت مذكرا إياه بمقداد وأسعد اللذين هما إلى جانبك وهو يهذي كأنه مجنون أو محموم ومقداد يحاول معه؛ ويحاول إلى أن تنبّه وركّز.

أثناء انشغال مقداد بأبيه وأخيه كان القائد يغافله ويقترب شيئا فشيئا نحو السيارة لعله يمسك سلاحا؛ بندقية أو مسدسا أو رشاشا.. الوحيد الذي يعلم مستقرها ومستودعها، لقد حفظت في صناديق خشبية مع الذخيرة كاحتياط عند الحاجة، أو يتمكن من الهروب بسيارة الجيب.

ظل أبو مقداد يركز أكثر وأكثر ويستعيد ذاكرته، يتذكر ما حصل ، يقلب نظره هنا وهناك، يحملق فينقلب إليه البصر غير خسيء ولا حسير؛ فبصر الجنود وآثار تخبطهم في دمائهم، وبصر القائد وقد وقف بجوار سيارة الجيب، ثم التفت إلى مقداد في دهشة وقد تثبّت يستغرب ما يرى، مقداد مسترسل في طمأنته بكلمات عذبة شجاعة تبعث على الاعتزاز والثقة، يريد بها التخفيف من آلامه، والذهاب بآهاته؛ فتناول يده محاولا إيقافه، ولكن بال الوالد مشغول، وجسمه لا يحتمل الوقوف، يحتاج إلى وقت أكثر حتى يستعيد فوته ونشاطه، يستعيد به صحته وعافيته، ولكن ما شأن الرجل الواقف بمحاذاة السيارة ؟ هذا ما دار بخلد الأب، فبادر ابنه يقول مبحوحا: (( ما شأن ذاك الواقف هناك؟ )).

التفت مقداد فهاله أمر القائد، يريد الغدر، وما أن ملامسته للسيارة إلا استعدادا له، فهم القائد ما دار بين أحمد ومقداد فاندفع بسرعة إلى داخل السيارة وانحنى على صندوق خشبي انتزع منه رشاشا ثم انتصب موجها فوهته نحو أحمد ومقداد، وما كاد يطلق النار حتى هوى على الأرض بضرب قوية موجهة إلى قفاه باغتته من الخلف، فانقض عليه وانتزع من يده الرشاش وسدده نحو نحره وأطلق عليه النار، ثم تركه يتخبط في دمائه. لم يمهله مقداد حتى يفاجئه، فبمجرد ما اندفع القائد إلى قلب السيارة اندفع مقداد بسرعة متناهية يمشي على أربع التقط خلالها حجرا وسع قبضته، لقد أدرك أنه إن تناول المسدس أو البندقية فإن الوقت لن يكون في صالحه، فنجح في أخذ زمام المبادرة من عدوه. ما كاد مقداد يطلق النار من رشاشه حتى صاح في وجهه أبوه يرغّْبه في الرغبة عن ذلك، ولكنه لم يكترث، بل انتخب العكس ولم ينبس ببنت شفة، أو يحرك لسانه، بل عضّ على أضراسه وزمّ شفتيه حتى أزهق الروح الخبيثة منطلقة نحو الشقاء الأبدي فأراح واستراح.

خطا مقداد نحو أبيه مطمئنا هذه المرة فقال له أبوه: (( لم قتلته يا بني؟ )) فرد عليه: (( لقد قتل نفسه بنفسه، دعنا من هذا، إنهم يستحقون التمثيل لا القتل فحسب )).

انشغل مقداد بتضميد جراح أسعد، فقد تأثر أكثر من تأثرهما، ضمد جراح أبيه، ثم جلب من السيارة طعاما فأطعنهما وتناول معهما بعضا منه، ثم سقاهما وابتعد قليلا تاركا أباه يلبس ما سلبه ليتغطى من العري، وكذلك أسعد فذهب به الفكر بعيدا.

تقدم أبو مقداد من ولده وقد ازداد به إعجابا، ازداد له تقديرا وإكبارا فأخرجه من تأملاته بقوله:

ـ فيم تفكر يا ولدي ؟

ـ أتأمل السماء وقد بدأ يكسوها الظلام، وانبعثت من كل الجهات مصابيح زادت من زينتها ورونقها، وهذه الصحراء ورمالها الذهبية زادها القمر ضياء وأساءل نفسي عن طبيعة الإنسان الميالة إلى الظلم أكثر من ميلها إلى العدل والإنصاف.

ـ الإنسان بطبعه ظلوم جهول، فإن كان ذا إستنصاف فبرؤيا طلبه، وإن كان ذا إنصاف فبرؤيا فعله.

ـ ولكن العدل والظلم من الأمور غير المحسوسة، فما يراه إنسان ما عدلا، يراه الآخر ظلما، وقتلي للقائد لم استنكرته ؟

ـ الإنسان بفطرته يميل إلى العدل وينفر من الظلم، ولكن ذلك لا يعني أن كل ما نفر منه ظلم، وكل ما أقبل عليه عدل، فقتلك له عدل وليس ظلما، كما أن محاولة قتله لنا عدل وليس ظلما، إذ لكل رؤيا تعين له العدل والظلم، والخير والشر والحسن والقبيح.. ولن يكون التعيين صوابا في كل الحالات ما دام التعيين متروكا للإنسان، بل يجب أن يكون معينا من قبل من لا يتأثر بالعواطف والمشاعر..

ومن لا يتأثر سوى الله تعالى ؟

ـ لقد دجى اليل، وانخفضت درجة الحرارة..

ـ ليكن.

ـ لم تدرك ما أرمي إليه، لعلك نسيت، بم نستظل ونتقي البرد الليلة، والحرارة غدا ؟

إيه، ما أنسانيه إلا الأوغاد أن أذكره.

هب مسرعا نحو السيارة وطلب من أبيه وأخيه أن يركبا ويصطحبانه للإتيان بالخيمة لنصبها هنا، أو يقعدوا فيها هنالك

كما كانوا من قبل، وتذكر طرانسيسطوره فتأوه، وآض إلى قوله أن هيا.. هيا.. ولكن أباه تمهله قليلا ريثما يدفنوا الجثث، فالمسافة طويلة، وربما لن يعودوا إلى مكانهم هذا، فأردف: (( دع الجثث للجوارح من الطيور الجائعة )).

ـ لا يصح هذا يا ولدي، وإنك لتعلم كونها مصدرا للأوبئة كالطاعون إن لم تدس في الرمال.

ـ إطمئن يا أبت، فلن يأتي عليها الضحى حتى تكون في حواصل الجوارح من النسور والصقور.

تذكر مقداد فعدل عن الذهاب، لقد كان يسترق السمع منذ صادفهم، فعلم من أحاديثهم أن لهم خيمة ينوون نصبها في مكان يحلو للسمر، ويختار للراحة ولكن إلى حين.. نادى أباه وأخاه وشرعوا يبحثون في كل الجهات فعثر أبو مقداد على شيء فقال: (( هاهي ذي الخيمة، إنها على ما يبدو أشد عداوة للريح والبرد والمطر ))، قال أسعد: (( ما هذا )) ملوحا بشيء في يده قد عثر عليه هو الآخر)) فقال له أخوه: (( ناولني إياه )) تفحصه ثم قال: (( إنه جهاز لاسلكي ))، وهذه خمس صناديق محكمة القفل ناولني مفتاحها يا حضرة الضابط يقول أبو مقداد لبكره وقد أضحكه بدعابته تلك لأنه يلبس لباس الضابط المقتول.

مقداد: إنك لمازح، فامزح لا ’فضّ فوك، ولا ’عدت إلى البؤس والشقاء مرة أخرى.

أبو مقداد: بل ناولني المفتاح، أدخل يدك في جيبك يخرج معلقا في خنصرك أو بنصرك أو وسطاك، لقد صرنا جنودا تحت إمرتك من دون جندية أو مرور على الخدمة العسكرية مثلك. ( يضحكون ).

مقداد: إيه معك حق، أغلب الظن يكون المفتاح في جيب من جيوب الضابط المصر وع.

أدخل يده وأخرج المفتاح وناوله أباه ثم فتح الصناديق وقد امتلأت بالبنادق والمسدسات والرشاشات والديناميت والذخيرة الحية إلا صندوقان اثنان حشدا ضمن إطاراتهما طعام معلب وشراب,, وجدوا كل ما يحتاج إليه الرحالة المتجول في الصحراء، حتى الطرانسيسطور وجدوه شبيها بالذي لهم وهو من نفس الفئة ومعه سلكه الهوائي، وجدوا متطلبات السيارة وكل ما يتعلق بها من زيت المحرك وزيت الحصّار وماء البطارية.. كانت فرحتهم شديدة وغبطتهم عارمة ولكنها لم تدم عليهم طويلا، لم ’تعمّْر إلا بمقدار ما عمّر ولي عهد البرتغال في خلافة والده سنة ألف وتسعمائة وثمانية، نبههم إلى أن ما غنموه سيكون سببا للهلاك والضجر والإحراج ، سأله أبوه: (( أيّ هلاك تقصد ؟ )).

مقداد: الموضوع يحتاج إل شرح وتركيز وتروّ سنطرقه آجلا بعد نصب الخيمة، يا أسعد دع العبث بالمقود وتعال.

أقاموا عمودا ركزه أبو مقداد في الأرض وأمسكه من بيده وتناول مقداد سببا جرّه إليه من طرفه وأسعد ماسك بالأوتاد وحجرا صلدا ، يناول أخاه وتدا وتدا فيغرزها مقداد في الرمال بعد أن يشدها إلى أسبابها ويدق عليها بالحجر الصلد حتى تتوارى وتغيض في الأرض، فكذلك نصّبوا خيمتهم. خيمة بفاصلة ومصراع نصبوها كأحسن ما يكون النصب، ثم ابتعدوا عنها بأمتار هي نفس أرقام السنة التي سقطت فيها غرناطة وحفروا حفرة كبيرة تسع الجثث الهامدة ونقلوها إليها، ثم دفنوها بعد تجريدها كلية فتوارت.

لما عادوا إلى خيمتهم وتناولوا وجبتهم مستغنين عن النار جلسوا في الهواء الطلق قبالة نجم غارق في فضوله قد عناه أمرهم وهم عن فضوله غافلون، استدرك أبو مقداد وآب إلى أسئلته فقال:

ـ كيف يكون ما غنمنا سببا في هلاكنا ؟

ـ إن الألبسة العسكرية التي نرتديها وسيارة الجيب التي غنمناها سوف يتسببون لنا في مشاكل ويعرضوننا للأهوال.

هتف به شقيقه:

ـ لا تقل أنك تريد الاستغناء عن كل ما غنمناه أو بعضه.

ـ صحيح يا ولدي، أرأيت إن جابت دورية عسكرية هذه المنطقة ورمقتنا ثم اقتربت منا بصرف النظر عن كونها تابعة لنفس الجهة التي ينتمي إليها قتلانا أم لا، فماذا نحن فاعلون ؟ وإن أطلقت علينا النار أكنا مشتبكين معها وأنى لنا بإتقان حرب العصابات واستعمال الأسلحة ؟

ـ لنأخذ لكل أمر عدته، وسوف أدربكما، إن موعدنا الصبح، أليس الصبح بقريب ؟

ـ يا بني لم نعد نعرف غير الشرق والغرب والشمال والجنوب دون معرفة مكاننا من البلد. ما تلك بيمينك يا مقداد ؟

أخرج مقداد شيئا من جيبه يفحصه ويقلبه فقال: (( إنه ساعة، وبوصلة )).

ـ وهل تنفعنا البوصلة ؟

ـ نعم، على الأقل نتجنب التعمق في الصحراء أثناء تنقلاتنا.

ـ هل تستطيع تحديد البلد الذي نحن واطئوه ؟

ـ لسنا في كينيا بالطبع، ولا في مصر أيضا، أغلب الظن أنن في عطف إلى إثيوبيا إن لم نكن قد وطئناها فعلا.

ـ ومن أدراك ؟

ـ دليلنا الأموات، فالثوار الذين اعتقدوا أننا منهم هم ثوار إريتريا وأوغاد ين، وهذان البلدان ضمتهما إليها أثيوبيا في الرابع عشر من نوفمبر سنة ألف وتسعمائة واثنين وستين ميلادية بعد أن كانتا بلدا واحدا ذا اتحاد فيدرالي معها سنة ألف وتسعمائة واثنين وخمسين ميلادية إلى غاية الانضمام الذي نشأ عنه صراع طال أمده.

ـ ولماذا هذا الصراع ؟ ثم إن كان على الاستقلال الذاتي فلم لا يمنح لطالبيه ما داموا في أكثريتهم مسلمون ؟

ـ الاستقلال الحقيقي لا يكون إلا عن الذين تختلف معهم الشعوب في المقاييس والمفاهيم والقناعات، وليس في الجنس أو القوم أو اللون، إن سبب الصراع لم ينبت في المنطقة إلا مع مجيء الاستعمار الإيطالي سنة ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين ميلادية، ولما كان الاستعمار يتصارع على النفوذ والمغانم صارت أثيوبيا عميلة لبريطانيا ترتدي زي الكرملين للتمويه، ولا بد لبريطانيا بعد طردها من السودان ومصر والصومال من منفذ لمستعمرتها على البحر الأحمر، ولا منفذ لها إلا عبر إريتريا وهي أقدر عليها من قدرتها على أغادين.

ـ ولماذا ؟

ـ لأن أغادين لا يطمع فيها الثوار وحدهم حتى تكون إثيوبيا قادرة على جعله جزءا منها دون منازع، بل هناك الصومال الذي نشأ بينه وبين أثيوبيا نزاع مسلح على الحدود بشأن إقليم أغادين منذ سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وستين ميلادية، وأكثر من مرة تدخلت منظمة الوحدة  الإفريقية لفض النزاع بينهما.

ـ من الخاسر ومن الرابح ؟

ـ الخاسر هم الثوار، والرابح هو الاستعمار الحديث.

ـ لم لا تكون الجماعة تابعة لقرنق ؟

ـ لاـ لأننا لسنا جنوب السودان.

نشلهما أسعد من حوارهما فجأة يدفعه الاستغراب والاستفهام بقوله: (( أنظرا، ما تلك الحركة ؟ )).

استدارا فارتعدت فرائصهما، قفز مقداد من مكانه وتناول رشاشا طالبا من أبيه وأخيه تناول مثليه واختبئوا خلف الخيمة يتأملون، ما يدور هناك لا يكاد يبين، يشاهدون حركة غير عادية يجنها الظلام جنّا، الرمال تتطاير متناثرة هنا وهناك.

تحلّق الحفّار وصنعوا دائرة كأنهم يحفرون طرا نشيا، أو مكمنا، ولكن ما شأن انتشالهم لأشياء مدفونة في الرمال ؟ ألعلها أسلحة مطمورة فيها ؟ إنبطح مقداد ومشى على أطرافه ورشاشه في يده يسدد نحو الحفارين بعد طلبه من أبيه وأخيه أخذ حذريهما، وما أن أصبح قريبا منها حتى أسرع نحوه أحدها يمشي على أربع في براعة تامة دون أن يتبينه، فلم يملك غير إطلاق النار عليه فجندله وجندل ثلاثة آخرين كانوا متجهين نحوه وهرب الباقي.

 تقدم إلى حيث هم صرعى وهو مستغرب إذ لم يسمع طلقة نارية واحدة تأت من قبلهم، ولم تثبت له الجماعة. تقدم وقد ازداد استغرابه وطفح اندهاشه حتى دنا منهم دنو من لا يقوى على النظر إلا ببصر حاد لأن ظلمة اليل كانت حالكة جدا فتبين أنها سباع. لقد كانت تحفر عن الجثث لتفترسها، لقد اضطرها الجوع اضطرارا.

آب إلى أسرته فأخبرها الخبر فأراد أسعد أن يقف بنفسه على المصر وعين، لم يشاهد عن كثب سبعا قط فذهب ثم عاد.

الحدث منبِّه خطير، فالمنطقة تجوبها السباع بخلاف تلك التي غادروها وقدموا منها، والأمر جدّ، فبادر مقداد أباه وأخاه بقوله: (( خذا راحتكما، ناما وسأحرسكما )).

ـ لا، بل ناما ودعاني أحرسكما.

ـ لا يصح هذا، نم أنت وأخي ولن يضطرّني النوم وإن مال عليّ، فسأقاومه كلما أراد أن يغلبني على أمري، فلن ينتصر علي إلا بعد ليلتين، أو ثلاث، ولئن كنت نائما فسوف يكون ذلك في النهار لأن السباع والحيوانات المفترسة تكون فيه أقل نشاطا وحركة.

فدم الصبح مستثقلا يالأقدار، منكّسا رأسه إجلالا وإكبارا لكاتبها، جاهلا ما وقع باليل، شاهدا على ما يقع في النهار، مستفهما عما هو آت في نطاق صبحه مع بلايين الأصباح المطوية كطي سجل الكتاب؛ ليجد في طريقه إلى حتفه مقدادا ممسكا برشاشه لم يغمض له جفن، أو يضطجع على جنب، يحرس أباه وأخاه فلفحه بنسيمه الجاف ليمنحه شيئا من النشاط ويزيل عنه عناء اليل، وجده مستقبلا قبلة المسلمين الأولى، مستطلعا ما يبعثه القدس الشريف عبر خيوط الشمس الذهبية من آهات وأنين، وتذمر وحنين إلى رجل كصلاح الدين يبرز لليهود ومن والاهم في القرن العشرين فيزيل عنه رجسهم ويحرر فلسطين، مستيقنا من ذلك أشد ما يكون اليقين، فقد سئم عقم الأمة من الرجال الذين لم تعد تنجبهم كسالف عهدها، فتأوه لآهاته، وأنّ لأنينه، وطمأنه بقرب ظهوره.. لم يصرفه عن تطلعاته غير صوت أبيه محييا مستبشرا، فنشله من طموحاته وشمولية نظراته.

نشط مقداد مع أبيه وأخيه في يومهم هذا، جهد في تدريبهما على استعمال السلاح، لم يعد يثق، وتعلم الأشياء خير من جهلها في نظره، والإنسان عدو ما يجهل كما يقول، وربما ألحت عليهم ظروف شديدة تحتم قيادتهم إلى المواجهة المسلحة، فلسير إلى الحتف يبدأ منذ الولادة، وهذه سنة الحياة، وهو قادم لا محالة، والفرار من الموت أو القتل لن ينفع لأنه إن كتب عليهم القتل فلا مانع من البروز إلى مضاجعهم، ولكن رغم كل هذا تكتنف حياة الإنسان اختيارات، وتدفعه أفكاره ومفاهيمه حين تربط بالمشاعر، ترفعه قيم ومثل وتضعه أخرى في المقابل، فكان لا بد له من أهداف وغايات، ولكن ما هي أهدافه وغاياته الحقيقية في هذه الحياة ؟

هذا ما صار يدور في خلد مقداد وهو مستلق على ظهره بعد إحساسه بالطمأنينة؛ يريد الخلود إلى النوم بعض الوقت.

أقبلت ليلة ليلاء، تعست فيها النجوم، وأرقت لها الوطاويط والبوم، أقبلت وتود أن لو تدبر، حتى السماء تود أن لو تطبق، كأن رزءا عظيما تأهب ثم طفق. نهض مقداد بعد المغيب بدقائق محسوبة بنطقها وطفق يحاكي فعال ليلة الأمس. تناول رشاشه وأخذ يطوف بالخيمة، وإذاعيي جلس.. وبعد ساعة لم يبق على حتفها إلا مقدار ما يفصل الرموش عن بعضها من الوقت، ولم يكن قد نام بعد أحمد وأسعد، لمح في مد البصر ضوءا خافتا لا يكاد يبين فعلم أنها سيارة جيب لدورية عسكرية تجوب المنطقة، انتفض دماغه وانطلق يفكر ببديهة، ارتفع صوته ينادي على أبيه وأخيه وهو متقدم نحو جيفة السباع التي لم تغض في الرمال، تُركت للجياع من الحيوانات المفترسة لعلها تستعيض بها عن مداهمتهم وطلب لحومهم بسبب الشبع الذي سيكون؛ لو افترستها. خرج أحمد وأسعد للتو وما في ذهنهما غير الاعتقاد بأن الأمر جلل، ألفيا مقدادا يشد بيديه على ذيلين لسبعين يجرهما بصعوبة ويطلب منهما إحضار اثني عشر عودا أو قضيبا على جناح السرعة، ثم عاد وتناول  اللبؤتين المتبقيتين وجرهما كما فعل في السابق. وضعها قبالة الخيمة على بعد مسافة لا تظهر الخيمة للناظر إلى جهتها، أبعد بعضها عن بعض مقدار مرور سيارتين متلامستين، واستلم العيدان والقضبان ينتخبها وشرع يغرزها في الرمال الأنينة ويدق عليها دون تصويت حتى تثبت وتقوى على تحمل الضغط. غرز أربعة منها في الجهة اليمنى واثنتين إلى الجهة اليسرى، ثم أربعة ثم اثنتين وهكذا ركز العيدان بدءا من اليمين ثم إلى اليسار ثم طلب من أبيه وأخيه مساعدته على حمل السبع الأول حتى أوقفوه بتلك المخاصر والأعمدة فجعلت تحت إبطيه وتحت وركيه فبدا قائما، ثم انتقلوا إلى الثاني وأرادوه قاعدا فجعل قضيبان تحت إبطيه فبدا جالسا، ثم انتقلوا إلى الثالث فالرابع حتى بدت السباع وكأنها حية متحفزة تريد الانقضاض والمهاجمة.

أراد مقداد بهذه العملية أن يصرف سيارة الجيب عنهم، أن يضلها الطريق حتى لا تكتشف خيمتهم، وكذلك كان، فكفت الحيلة أحمد وأسعد ومقداد القتال.

في أمسية دكنت تداعب الجون إيذانا بمقارفتها له كلية، تقدمت سنة سلخت النهار من منسلخه من الليل فانسلخ، وعند افتراق الزوجين بثوان بئيسة كبرت في رحم ساعة الكون انشغل مقداد عن أبيه وأخيه في بعض حاجته الملحة؛ فهاجمتهما بضعة من الأسود على حين غرة وأردتهما قتيلين، وأثناء افتراس السباع للجثتين قدم مقداد، وما أن وقع بصره على خيمته حتى اندهش لهول ما رأى فأقبل  يزف وهو يطلق النار في الفضاء كالمجنون لعله يبعد السباع، فر اثنان منها وجندل ثلاثة برشاشه بمجرد أن ابتعدت عن الضحيتين فانحنى على أبيه وأخيه وقد قضيا. لم يجد غير جثتين ممزقتين مشوهتين اختفت معالمهما بسرعة، بدت للناظر العظام والضلوع فطفق مقداد يبكي بكاء الأطفال، يقعد ثم ينهض، يقدم ثم يحجم، يتقدم ويتأخر، يمشي ويتسمّر.. طار صوابه، حار عقله وسقطت في يده الفضيحة، يا له من رزء فظيع، ويا لها من صدمة عنيفة، ويا له من قضاء مذهل مدمّْر مروِّع. في ظرف ثوان بعدد عيون البعوضة، وفي غفلة منه، وفي سذاجة بريئة تبرز الأسود وتضرب ضربتها المميتة، يا ليتها كانت القاضية. احمرت عيناه، دكنت وجنتاه، اكفهرّ وجهه، لمعت حبيبتاه، يبست يداه، اصطكت أسنانه، ارتعدت فرائصه، ضاع توازنه، بحّ صوته، اختنقت أنفاسه حتى تعبت رئتاه، وزمّت شفتاه. ينظر إليهما في حالتهما تلك، يعيد النظر ويكرر، وكلما  نظر ارتدّ إليه بصره، يميل به ولا يقوى على إطالته، لا يكاد يصدق، يصيح: واربّاه.. وارباه.. وارزءاه.. وامصيبتاه.. يردد ذلك ويحوقل بين زفير وشهيق إلى أن بدأ يخفت صوته فلا تسمع له إلا التأوه والأنين، ’غلب على أمره فاستسلم للقضاء، رام الذي قضى وحكم وهو يقول: (( إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحوقل)).

لم يمهله القضاء حتى يهدأ كلية، بل حكم عليه القاضي بالرجوع إلى الانفعال وتوتر الأعصاب، ولكنه لم يتحسسه، رفع رأسه يبصم محيطه بالإدراك فانطلق لسانه يتحدث به إلى نفسه: (( ما ذا أشاهد مرة أخرى؟ أأناس هم، أم أسود؟ )). ما كاد يمسك برشاشه حتى تبعثرت عند قدميه الرمال، وتطايرت الشظايا من آثار الطلقات النارية، صارت تستهدفه، اندفع الجنود منتشرين حول خيمته بغية تطويقه وهو يبادلهم نارا بنار حتى جندلهم جميعا إلا كبيرا لهم أصابه. لقد كانوا خمسة بما فيهم الضابط. كانت المعركة ضارية استغرقت ستين دقيقة كأنها ستون يوما. لفظوا أنفاسهم فتجمدت حركاتهم وهمدت جثثهم. تقدم مقداد نحوهم فأدرك الضابط يحتضر، حاول إنقاذه فلم يفلح، أصيب إصابات بليغة في صدره الأيسر تمزقت لها أنسجته وضلوعه، حتى الماء الذي سقاه به لم يستسغه، لفظ جرعة واحدة منه مجرد أن وصلت حلقه، ولما وصلت روحه الحلقوم وابتدأ حينئذ ينظر إلى عالم الأموات تمتم ببضعة أحرف اللسان والأسنان المفلوجة فما استطاع تركيب كلمة ذات معنى؛ فضلا عن جملة مفيدة، وما استطاع مقداد أن يتبين لما لم يبن إلا من خيط رفيع تعلق بنطقه وصيغة إخراجه للحروف، فأدرك أن لسانه غير عربي ولا أمهري، حتى لونه وشعره يؤكدان أنه ليس إفريقيا ولا أسيويا.

انطلقت روحه في الفضاء إلى عالم الخلود بعد أن آذت بريحها النتن سكان السماء، وتمتم مقداد هوا لآخر، ثم أفصح يقول: (( مسكين، لو كان من أصحاب القبعات الزرق لقلت أنه أوروبي، ولكن شعار المنجل والمطرقة يؤكدان أنه شيوعي، أيكون روسيا ؟ لا، لا شك أنه أمريكي كوبي جيء به من جنوب كوبا حيث مراكز التدريب على حرب العصابات والانقلابات الدموية في منطقة سيرا ماييسترا   SIERRA MAISTRA لقد غرروا بك إذ قدموك قريانا لروح مريم، ألا إنك وأمثالك قربات له وللبوليساريو ولغيره تسمنون عند فيديل كاسترو.

شرع مقداد يحفر قبرا يسع أباه وأخاه، ثم دفنهما فيه متأسيا برغبة المتحابين عبد الله بن حرام، وعبد الله بن الجموح.

جهز نفسه للرحيل، جمع ما غنمه وضمه إلى بعضه ووضعه في سيارة الجيب مكتفيا بواحدة، رغب عن الثانية رغم أن ذلك لا يعجزه، ولكنه لم يفعل حيث لم يرغب، نزع عنها عجلتين وأخرج حمولتها من الوقود والأسلحة والذخيرة والطعام والشراب، ثم أدار المحرك وانطلق.

 

 

 

الفصل السادس

 

ظل مقداد يسير مسترشدا بالبوصلة، يريد التعمق في بلاد إثيوبيا متجها صوب البحر الأحمر وهو ينشد :

 

إذا  كـنتُ  أمشـي نحـو آل  لألحقهْ          

                                         فدربي  سبيل غامض غير موصـل

كـذلك شـأن الضريـر   بقـــلبهِ          

                                        وشأن  الضرير  بعقل  مُخبَّـــل

تنـير الدروب  مفاهـيم  صائبــهْ           

                                        وتُظلمها  تلك التي في  المقابــل

يـسود التظـلّم والجـوع  رأســهُ             

                                         فلا خير في راع عميـل ومهمـل

يصارع حتى الموت من أجل منصبٍ             

                                        إذا  ناله   اشتدّ الطوى  غير زائل

فأرضى بذلك من جعلوه دمــــ

                                            يةً  نُصِّبت  لقمع كل  مناضل.

 

ظل مقداد يسوق ليلا ويتعمّد الاختفاء نهارا، قضى مدة طويلة في قيادته، أصابت الشيخوخة زمنه فعمّر عنده، ومع ذلك لم يصل بعد إلى هدفه.

في ليلة من ليالي أيار ( مايو ) وبينما هو يمشي الهوينى والغاسق إلى جهته شرع يناجيه حتى بدا له شخصا يتحدث إليه وضاع في مناجاته له حتى توقف وقرر الاستمتاع بالنظر إليه ومسامرته فبادره قائلا: (( كم مجرما نظر إليك عبر التاريخ ؟ )).

الغاسق : لا أذكر عددهم، ولكن ما أكثرهم.

مقداد   : كيف أنت في عليائك ؟

ـ متواضع لا أخلف ميعادا، ولا أبغي غير نفع البشرية وخدمة المخلوقات.

ـ هل تحمل حقدا لأحد؟

ـ الحقد والكراهية وسائر صفات القبح ليست في قاموسي.

ـ أتحب أن تكون مخلوقا آدميا ؟

ـ وأنت : هل تحب أن تكون مخلوقا غير آدمي ؟

ـ بالطبع لا.

ـ وأنا أيضا.

ـ لم لا تفضح أعداء البشرية وتنشر أخبارهم وتكشف عوراتهم ؟

ـ ما لذلك خلقت .

ـ هل دنستك أقدام الذين نزلوا على سطحك، أم سررت لذلك ؟

ـ لا أعرف السرور ولا أعرف نقيضه، وما يضيرني ما ذكرت ما دمت وسائر ما في الكون مسخر للبشرية.

ـ متى تنشقّ ؟

ـ لقد صرح الروّاد الذين داسوا هباءاتي عندما رأوا آثار الالتحام بين جزأي، أن القمر قد انشق في يوم من الأيام، فقد قاله القرآن من قبل، وذكره محمد في معجزته، وصدقا.

ـ ومتى ينشق البشر ليميز الله الخبيث من الطيب ؟

ـ هم ينشقون حتى على أنفسهم.

ـ كيف ذلك ؟

ـ بسبب مجانبتهم السير وفق قوانينهم وسننهم.

ـ وهل لهم قوانين وسنن ؟

ـ لهم ذلك من جهتين: جهة هم مرغمون في الخضوع لها، فلا يقوى أحد منهم على التحكم في قلبه بإيقاف نبضاته واستئنافها، ولا يستطيعون الاستغناء عن استنشاق الأكسيجين، ولا يقوون على تغيير ألوانهم وألوان عيونهم والزيادة في طولهم.. ومن جهة أخرى: هي الحقيقة التي ’خلقوا لها، فسيرهم في تبادل العلاقات والمصالح يجب أن تضبطه قوانين، وهي موجودة فعلا، ولكن ليس كل ما ينظم العلاقات من قوانين يعتبر مرغوبا فيه من قبل الله تعالى خالقهم، بل المعتبر هو ما أراده لهم والمتمثل في أوامره ونواهيه لأنه أدرى بما يصلح لمخلوقاته كدرايتنا نحن بما يصلح لبعض أو معظم مخترعاتنا.

ـ هل أصابك العياء في سيرك الدقيق طول هذه المدة ؟ وهلاّ تقلقك سرعة ثمانية عشر كيلومترا في الثانية التي تسير بها ؟

ـ كما عيي قلبك من الخفقان.

ـ لا، لم يعي قلبي بعد، لا يزال ينبض، وإذا عيي فمعناه التوقف، ولن يكون إلا بانتهاء أجلي.

ـ ,أنا أيضا لم أعي ولن أتوقف حتى أوقف عند موتي في جمعي بالشمس.

ـ هل تعرف ضالتي ؟

ـ بلى.

ـ وما هي ؟

ـ البحر.

ـ كيف علمت ؟

ـ لا يوجد إلا بحران، بحر السعادة وبحر الشقاء.

ـ ضالتي البحر الأحمر.

ـ وما أنت فاعل فيه، أو به ؟

ـ أريد أن أنفذ منه إلى ما بعده حيث أتوهم سيادة العدل والإنصاف.

ـ وبلادك ؟

ـ العدل والإنصاف منعدمان فيها.

ـ وهل علمت بوجودهما في مكان ما على الأرض ؟

ـ لا، ولكن ربما يكون.

ـ لقد كانا موجودين.

ـ والآن ؟

ـ إن كنت تبحث عنهما في الحياة الاجتماعية فهذا يعجزك؛ لأنه لا وجود لهما، وإن كنت تريدهما لمجرد إحساسك بالميل الفطري إليهما فهذا يتطلب منك السعي لتحقيقهما.

ـ أريدهما فعلا كما يريدهما معي كل الناس.

ـ إنك أنت ومن يردهما العدل والإنصاف.

ـ كيف ؟

ـ مادام الإنسان يميل فطريا إلى العدل وينفر من الظلم فلتعلم أن ذلك لا يتأتى إلا بربط الأسباب بالمسببات، فخذ بها تجد ضالتك.

ـ هل أقف إلى جانب جبهة تحرير إريتريا ؟

ـ إنهم يحاربون الماركسية والنظام الشيوعي الدخيل بيد روح مريم.

ـ وهل ما كان قبله مشروعا ؟ وهل ما يأتي بعده يكون مشروعا أيضا ؟

ـ ولم لا ما دامت الماركسية لم يتضمنها تراث المنطقة الثقافي والتشريعي والحضاري ؟

ـ وهل تضمّن تراثها الثقافي والتشريعي والحضاري النظام الديمقراطي الرأسمالي ؟

ـ بالطبع لا، لأنه دخيل هو الآخر على المنطقة شأنه شأن النظام الماركسي.

ـ ما هكذا ’ينظر إلى الأمور ؟

ـ وكيف يكون النظر إذن ؟

ـ ليس مجرد نعت إثيوبيا بالشيوعية كاف للدلالة على كون نظامها نظاما شيوعيا حتى ’يحكم عليها بالشيوعية أو التبعية لروسيا أو كوبا أو الصين.. فإثيوبيا ما كانت قط عميلة لروسيا ولا لكوبا، ولا هي بالعميلة لهما الآن، ولا تنس ركوب أمريكا موجة الاشتراكية منذ عزمها على ضرب الاشتراكية بالاشتراكية؛ وذلك بخلق أنظمة اشتراكية اسما تعادينا علنا وتدعمها خفية، ولا تنس ركوبها أيضا موجة الإسلام منذ الإتيان بالثورة الإيرانية من أجل ضرب الإسلام بالإسلام.

ـ هل أفهم أن إثيوبيا ليس شيوعية ؟

ـ وهل يحق لك فهم أن الجزائر واليمن الجنوبي وليبيا ومصر عبد الناصر وغيرها دول اشتراكية ؟

ـ إذا كانت قد طبقت الاشتراكية، أو تطبقها حاليا فهي دول اشتراكية.

ـ وهل كانت في يوم من الأيام اشتراكية الدولة اشتراكية حقيقية ؟ إنها غير قابلة  حتى للتطبيق، لقد كانت موضة وقتها وانتهت بانتهاء ظرفها ولم يعد لها غير الدعاية.

ـ هل تستطيع إفهامي معنى الشيوعية وكيف تكون ؟

ـ أرأيت معاناة الشعب اللبناني ؟ أرأيت معاناة أهل الصحراء بجنوب المغرب ؟ أرأيت معاناة أهل جنوب السودان ؟ أرأيت معاناة الشعب الفلسطيني ؟ أرأيت معاناة أهل أغادين وإريتريا ؟ أرأيت معاناة كثير من الشعوب التي تشكل أمة واحدة ؟

ـ أجل.

ـ هل يكون عزل الشعوب عن بعضها البعض والتي تحمل وجهة نظر واحدة وتؤمن بنظام واحد للحياة الاجتماعية عدلا ومشروعا ؟

ـ هو رأي دولي تسهر عليه هيأة الأمم المتحدة فيما ’عرف بحق تقرير المصير.

ـ وهل هيأة الأمم المتحدة وصيّة على البشرية و’مفوّضة من لدن هذه الشعوب ؟

ـ أجل، وذلك بوجود ممثلين لها بهذه الهيئة.

ـ وهل صدقت ذلك ؟ وهل صحت عندك أحقية التمثيل ؟

ـ إن لم أصدِّق أنا فإن الملايين يصدِّقون.

ـ أنسيت افتخار ناحوم سوكولوف رئيس الجمعية التنفيذية في المؤتمر الصهيوني المنعقد يوم ثمانية وعشرين آب سنة ألف وتسعمائة واثنين وخمسين ميلادية بقوله : (( إن عصبة الأمم فكرة يهودية )).

ـ آه، صحيح، ولكننا الآن بصدد الحديث عن هيئة الأمم المتحدة وليس عن عصبة الأمم التي ماتت.

ـ لعلك مخدوع، أو مغفل، إن هيئة الأمم المتحدة استمرار لعصبة الأمم وامتداد لها.

ـ عجبا، فهل ما تطرحه من حلول لكثير من قضايا العالم ليس مشروعا؛ علينا رفضه ؟

ـ اسمع، لا حل للبنان إلا بإلحاقه بأصله سوريا. ولا حل لمشكلة الصحراء بجنوب المغرب إلا بعدم الالتفات إلى ادعاءات هيئة الأمم فيما أسمته حق تقرير المصير أو إجراء استفتاء هنالك؛ والضرب بيد من حديد والدخول في حرب حقيقية مع البوليساريو ومع كل من يدعمه. ولا حل لجنوب السودان إلا بعدم السماح باستقلاله ثم ضم السودان كلها وإلحاقها بأصلها مصر. ولا حل لفلسطين إلا بالدخول في حرب حقيقية مع اليهود وجهادهم وقتالهم حتى يخرجوا، وما الاقتصار على الضفة الغربية وقطاع غزة أو على الأراضي التي احتلت بعد سنة ألف وتسعمائة وسبعة وستين إلا خيانة لله ورسوله والشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية قاطبة، ثم إلحاق فلسطين بما فيها الأردن بسوريا. ولا حل لأغاديين وإريتريا إلا بضمهما وضم سائر بلاد إثيوبيا إلى الصومال. ولا حل لأصحاب وجهة نظر واحدة ومشاعر واحدة ونظام واحد إلا بقيادة سياسية واحدة تنصبها الأمة التي تجمع هذه الشعوب وتقودها إلى التحرر الحقيقي حتى يعود لها دورها الطلائعي في قيادة العالم.

ـ لقد جئت شيئا غريبا.

ـ استغفر ربك. فهل كنت صاحب مصلحة في تكريس ما قلته أو عدم تكريسه ؟ على كل حال لا تندفع إلى طرف دون آخر لمجرد أن يوافق ذلك هواك، غلِّب عقلك على مشاعرك، وانظر إلى جدوى أعمالك وأعمال غيرك قبل القيام بها حتى لا تندم أو تظلم نفسك وغيرك، احرص على أن يكون مقياس نظرك إلى الأمور فكر لم ينتجه عقل بشر، فوداعا وداعا.

ـ لا، لا، لازلت محتاجا لآرائك وأفكارك، إصبر قليلا أرجوك لا ترحل عني، نوِّرني أكثر.

كان الغاسق يميل إلى الغروب، وكان مقداد يميل ميلا شديدا إلى النوم، بدأت تأخذه سنة تلو أخرى من النوم حتى أحس من نفسه التعب والحاجة الملحة إلى الراحة ليأخذ نفسا جديدا ويريح عقله الذي أرقه السمر ومناجاة القمر، كان ذلك في الهزيع الأخير من اليل فما كان منه إلا أن توقف بسيارته واختار مكانا يليق لراحته وتخفيه، ثم استسلم للنوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

 

قضى مقداد ما تبقى من اليل وقسما من النهار نائما، ثم استيقظ على لدغات الشمس المحرقة، وبعد فترة أدار محرك سيارته وانطلق يريد ميناء مصوع، يسير إليه ما بين طوكر وأسمرة من جهة البحر الأحمر الذي لاح لناظره، يحاول أن لا يصطدم بالثوار الإريتريين، يتحاشى الاقتراب من أسمرة ما استطاع لأنها عاصمة إريتريا المطروقة والمتنازع عليها، ولما اقترب من البحر توقف عن القيادة ونزل سيارته يجوب المنطقة، يتحرك راجلا ذهابا وإيابا من وإلى السيارة التي جعلها محورا لتحركاته، ففيها حياته، يبحث عن ملجإ يليق بها، فقد قرر الاستغناء عنها، لقد ضغطت على روعه تحذِّره من كينونتها القادمة، ستكون سببا لمشاكل قريبة، لمصاعب جمة إن ’كشفت و’عثر عليها، وقف على مراده فقاد سيارته إلى مخدعها، نكّر لها شكلها، ثم تجرّد من سلاحه وسار متجها إلى الشاطئ نحو ميناء مصوع، وما أن طوى ما طوى من مسافات حتى بدأت عينه تستأنس برؤية الناس؛ إذ ظهر له أفراد متناثرون هنا وهناك على الصخور وعلى الرمال الجالدة، منهم من يصطاد السمك، ومنهم من يستمتع بالحمام الشمسي، اقترب منهم في حذر يمشي في تؤدة، يهتم كثيرا ولا يُظهر اهتمامه خشية أن يلفت انتباههم، يسير ولا يحفل بمن حوله، وبمن عن يمينه أو عن يساره، لا تبدو عليه جدية وكأنه أحدهم، يمعن في تخلل الصخور والأحجار حتى مثل بين يدي صياد قد علقت في صنارته سمكة المراي، حياه بتحية الإسلام، أدار الصياد ظهره لاستطلاع المحيي ففزع لرؤيته، تلعثم في الرد عليه، لم يدرك مقداد سببا لانزعاجه، لم يدرك مبعث تلعثمه، أو سرّ ارتباكه، لقد نسي، يرتدي بذلة عسكرية، وهذه البذلة سبب ما حدث، ثم بادره مقداد مرة ثانية يحييه ويسلم عليه، ولكن هذه المرة باللغة الأمهرية ظنّا منه أنه لا يعرف العربية فرد عليه الصياد باللغة العربية، لغتان مزدوجتان متداولتان في إثيوبيا، فاطمئن مقداد وطمع في نصحه فسأله:

(( هل تصحبني في رحلتي وتدلني على ميناء مصوع مقابل أجرة ليست مالا وإنما هي عبارة عن ألبسة وأمتعة وأغذية؟ )).

يريد مقداد أن يتخذه مطية في رحلته حتى لا يلفت انتباه أحد من الناس، وحتى يأنس به كل من سوف يلقاه فلا يستغرب له، فرد عليه:

(( نعم يا حضرة الضابط )).

هزت عبارة الصياد كيان مقداد كما لو كانت صدمة كهربائية، لم ينتبه لحالته التي هو عليها في مظهره، فهيئته وشكل هندامه يبعثان على الاستغراب والدهشة، تنبه بفضل إشارة الصياد، ثم بادره : (( هل يوجد من الصيادين من يبادلني لباسي هذا بلباس غيره ؟ )). فقال الصياد: (( أنا أبادلك، أنا أول من يفعل )). فرد مقداد: (( لا، إن لك عندي ما تحب، لك عندي خير منه وأجمل، أريد أحدا غيرك )). فقال: (( حسن )).

ذهب في منحدر يريد صيادا من أقربائه أو جيرانه، رام ابن عمه وجاره فتقدم منهما وكانا فوق صخرة بساق ثبت في مكانه ملايين السنين، اقترح عليهما ما طلبه مقداد ، فبادرا إلى الاستجابة، الصياد يريد أحدهما وليس كليهما، يريد لباسا واحدا ليس غير حسب رغبة مقداد. كادا يتخاصمان على الأحقية لولا مبادرة الصياد في حملهما على الذهاب معه إلى حيث مقداد ليختار لنفسه، ولما مثلوا بين يديه وكان نظره متسمرا لم يتزحزح حتى أن أشفا ره لم تطرف، اختار ما يليق بهيئته ويتناسب مع قياسه من جار مقداد، رفض لباس ابن عمه لقصره، ولكي لا يثير حفيظته، أو يحرك دواخله طمأنه ومنحه بعض متاعه وبذلة عسكرية، وطالب من جار الصياد أن يتستر فيخلع ثيابه ويستبدلها بالتي منحت له.

استعجل مقداد نحو ميناء مصوع لعله يحظى بمصاحبة صاحب زورق يقذف به في شاطئ القنفدة أو شاطئ الحديدة، يختار كإنسان ما دام في مجال اختياره يسيطر على حيزه ويتصرف مختارا فيه.

أصر الصيادون الثلاثة على مصاحبة مقداد بعدما علموا استئجاره صديقهم ، ولكن مقدادا لا يريد ممن يلبس لباسا عسكريا أن يصطحبه في رحلته، كما يتمنى أن لا يلفت انتباه أحد، وأن يظل في المحيط الذي وجده فيه. أصروا على ذلك وطفقوا يتشاجرون، ولكي يعالج مقداد موضوعهم رفض اثنان منهم هما اللذين قدم بهما الصياد الذي لقيه أول الأمر، أراد من خلال الرفض أن لا يثير حفيظة الثالث إن هو وافق على صحبة اثنين منهما، أراد أن يبعد عن مصاحبته من يلبس اللباس العسكري، فتركاهما ينطلقان بعدما حسم الأمر بالشكل الذي أراده. 

حين كان المساء رجع الصيادون كعادتهم إلى منازلهم بما فيهم اللذين اتصلا بمقداد، وأثناء حديثهم عما استجد في عالم البحر كانوا يتبارون في مهاراتهم في صيد السمك، مهارات تجلب سمكا طريا غنيا  بالبروتين، ذاك ديدنهم كلما عادوا في المساء، وفي هذه المرة أضيفت إلى أحاديثهم حديث الغريب الذي قابلوه حين استقدمه رفيقهم نعيم، صحبه بعدد أن استبدل مقداد لباسه بلباس سليم، كان لمثل هذه الأحاديث وقع كبير على أهل المنطقة خصوصا أهل الساحل، فحديث الثوار والمتمردين والجنود الأثيوبيين تشكل هاجسا قويا لهم يبعثهم على الاهتمام بكل ما جد في عالم الحرب.

 شاعت أخبار مقداد في وسطهم وتلقفها المبالي واللامبالي، فما كان من المبالين إلا أن اصطحبوا صديق نعيم وهرعوا لإعلام الثوار، جدوا حتى وصلوا وقابلوهم وجرى بينهم حديث طويل ابتدأه رأس بارز من الثوار يدعى سهيلا قال: (( ما هذا اللباس العسكري الذي ترتديه ؟ )) يوجه كلاهم لسليم. فرد عليه : (( لقد كانت بيني وبين رجل غريب مقايضة استبدلته بلباسه هذا لباسي الذي ارتداه ورحل )).

ـ متى  كان ذلك ؟

ـ اليوم في الصباح على الشاطئ.

ـ أين ذهبا ؟

ـ نحو ميناء مصوّرع.

ـ هيا نطلبهما، ليحمل كل منكم سلاحه فما أظن الرجل إلا تابعا لروح مريم .

انطلقوا يتبعون أثر مقداد ويجدّون في طلبه. يسيرون على مطايا عِجال لا تستبطئها حاجة. أوشك الليل على أخذ مقعده.

سار مقداد نهارا واخترق ليلته يقطعها ومعه مثبِّط لا يريد الاستمرار، يطالبه بأخذ قسط من حق بيولوجي، ورغم محاولة مقداد ثنيه على طلبه لم يحظ باستجابة، يرغِّبه في المضي قدما تحت أجنحة النور من الدوَّار حول كوكب الماء دون جدوى، استسلم لطلبه، ثم حطا عند أشجار تقف مستعطية للماء، تشكو الموت البطيء ليخضورها، وعند صخور مجوفَّة ليست كهفا ولا جحرا مزارا، تستطيع استضافة جرمين اثنين لا ثالث لهما، ركنا إليها يتقيان البرد. شرع مقداد يطلع رفيقه على مكان السيارة، يكشف له ما بها وما بحوزتها من أمتعة، بها ألبسة عسكرية وأسلحة وأغطية. استسلم نعيم للنوم، غلبه كما لو كان مزار ذبابة التسي التسي.

ألقى إليه بنيته الصامتة، ثم تحرك حذرا  يتجنب إيقاظ نعيم، يسير مسترشدا ببوصلة ’ركِّبت من حروف وكلمات وجمل كان مقداد يصنعها قبل نوم نعيم، تصوِّر الطريق تصورا سليما، عرف أوصافها، ثم تسلل متعمقا في محيط هبائي، تركه لأحلامه وانطلق وحده.

عاد الثوار من دون حصيلة، لم يظفروا بأي منهما، ولكنهم صمموا على البحث كلما افتقدوهما، وحتى إن لم يظفروا بمقداد يتمنون الظفر بنعيم، سبيلهم الوحيد إلى مقداد، ودليلهم عليه، ولكن أين نعيم ؟

احتفظوا في حجز بالصيادين الذين اصطحبوهما للبحث عن مقداد، يعرفان مقدادا، يعرفان لونه وشكله وقسمات وجهه، تنكره في لباس مدني وتلبسه بحالة الصيادين والبؤساء قد يخفيه عنهم ويحجبه عن فطنتهم، ولكنه لن يفعل ذلك مع الصيادين.

في الصباح الباكر على إثر مصرع ليل بهيم أضحوا يطلبون ميناء مصوع، فهو وجهة مقداد، معهم الصيادان.

في نفس الصبيحة نهض نعيم بعدما أيقظته الرياح العاتية، بدأت تهب من الشرق، التفت عن يمينه، ثم عن يساره يتفقد مقدادا فافتقده، أدار وجهه، أطلق نظره لعله يرمقه وهو يظن أنه إنما غادره لقضاء حاجته، لا يزال يعتقد بقربه منه، وفي صحبته، طال عليه الانتظار فتحرك يطلبه، يبتعد أمتارا، ثم يعود، تحرك يطلبه، يبتعد أمتارا، ثم يعود إلى المكان الذي باتا فيه، أتخذه محورا لدورانه، كرر ذلك حتى بات يائسا على صوت اعتقاد طنّ في أذنه طنين النحل، فاستقر على معتقد أرغمه على مسايرته في رحيل مقداد عن قصد ، أدرك رفضه مصاحبته، فانطلق يفكر في هذا الصديق الغريب الذي استأجره لقيادته إلى ميناء مصوع، ثم يغادره وهو لا يعرف الطريق إليه، بينما يمشي مشية البدين وقد خاب ظنه في مقداد، وندم على تصديقه إياه؛ إذ به يتذكر حديث مقداد معه حول مكان سيارة الجيب وإخباره عما تحمله من أسلحة وأمتعة وأغذية.. عندها أعاد الاستبشار بمقداد، وغلب على ظنه صدق معاشرته له في تلك الفترة القليلة، ولكن ليس قبل العثور على ما صرح له به، راح يطلب السيارة ويطلب أجرته المتفق عليها بينهما.

ظل مقداد يسير طول اليل حتى وصل ميناء مصوع، ثم اختلط بالناس واختلط بالصيادين والبطالين الذين ينتظرون جرَّ الشباك بسواعدهم مقابل حفنة أو حفنتين من السمك، لم يستغربه أحد، أو يتنكر له مستنكر ، دخل في روعهم أنه أسمري أو مصوعي.. طفق يحاول ملك ما يلزمه لصيد السمك دون خوض البحر، يرى الابتعاد قليلا عن الناس والتوغل في أماكن غير مأهولة أو مطروقة يتعيش فيها على السمك ، ولما تمكن مما يريد ابتعد قليلا عن الميناء من الجهة اليمنى على الساحل وكأنه يقصد جيبوتي أو القرن الإفريقي، يفعل ذلك استجابة لفراسته التي تأمره وتنهاه، تملي عليه أن الثوار لا بد وأن يطلبوه إذا عثروا على الصيادين، فالأمر ليس هينا خصوصا إذا ظفروا بالسيارة لأن كل ما فيها يدل على أنه ممن يناصبونهم العداء، ويحاربونهم من أجل استقلال إقليمهم الإريتري، لم ينس ما تحمله السيارة من شعار المطرقة والمنجل الذي يترجم توجهات أصحابه الشيوعية ولو ظاهرا، لذلك استقر رأيه على أن يتخفى عن الأنظار مؤقتا ولبعض الأيام ولا ضير حتى من تجاوز شهر أو شهرين إن لزم الأمر حتى يحصل اليأس من طلبه.

 كان له ما أراد. استقر على الشاطئ بعيدا عن ميناء مصوع يصيد السمك ويشويه أو ينضجه بحرارة الشمس، يغلي مياه البحر لتحليته من أجل شرابه..

ظل الثوار يبحثون كل يوم عن مقداد ونعيم، معهم الصيادان دون جدوى، وعند طفوِّ اليأس في كأس الغيظ ارتأوا تعذيبهم لاستنطاقهم باعتقادهم فيهم الكذب؛ وإلا فما مصداقية صدقهما في غياب العثور على مقداد ونعيم الذين يسيران معا أو يقبعان في مكان ما معا ؟

لم يفلحوا والنتيجة تعذيب الصيادين لاستخلاص اعترافات، فهما الوحيدان اللذين يعرفان نعيما ومقدادا.

عذبوهما دون الظفر بأكثر مما أبلغاه من أخبار صادقة عن نعيم ومقداد، استمروا على حال التعذيب موازاة مع البحث في كل الجهات بميناء مصور والطرق المؤدية إليه، ولما لم يعثروا عليهما، ولما لم يطمئنوا أو يصدقوا ما أخبراهم به بشأن الطريدين أساءوا الظن حتى بعائلتيهما، أساءوا الظن بأهلهما وذويهما وظنوهم جميعا عملاء اشترتهم واستمالتهم المخابرات الإثيوبية، اعتقدوا أنهم إنما يكتمون أسرارا عديدة لفائدة الجهة التي ينتمون إليها، وإلا فما معنى وجود الزي العسكري ؟ وما معنى غياب نعيم ؟

اعتقلوا جميع من ينتمي إليهما لاستنطاقهم، عذبوا الجميع دون جدوى مطلوبة، لم يظفروا بشيء، ما كانوا يتوقعونه لم يظفروا به، ولم يكن له أيّ منفذ للفأل حتى يستوطن رؤوسهم، فالأهل والأقارب وذووا المعتقلين لا يعرفون أكثر مما يعرف الصادان، لم يسمعوا عن الغريب شيئا، ولم يروا شيئا، لا ذكر وسط الناس عن شيء من هذا القبيل إلا بين من يستأنسون بهم أو يثقون فيهم، عصفت الحيرة بألبابهم، سكن الغموض أذهانهم، واستقل الوهم رؤوسهم وكاد يتحول إلى واقع لولا قدوم نعيم.

قدم نعيم بمعية سلاحه ومتاعه. قدم فرحا يركب سذاجته، مستبشرا يحمل رشاشا ويرتدي بذلة عسكرية، لا يقود سيارة الجيب لجهله بفن القيادة، اقترب من ميناء مصوع وتسابق مع خبره إلى الميناء فسبقه وهو لا يدري، وما أن وصل حتى أطلقت عليه نيران كثيفة تجدّ’ في عشوائيتها لإصابة من تشتبه فيه، سقط فراحوا يطلبونه بحذر، وقفوا على جثة تسيل منها دماء غزيرة، ينزف متخبطا في دمائه ولا يفصله عن الموت إلا نوم أبديّ لجذع مخه، حظي برصاص لا يعشق القلوب والمخاخ والأحشاء والمعد والصدور.. عشاقة للأفخاذ، لم يصب إلا في فخذيه، وجدوه حيا  فاعتقلوه، ثم اقتادوه إلى حيث يريدون. كاد يغمى عليه، وكاد يقضي بنزيفه ولا مبالاتهم لولا إسعافه متأخرا، يحققون معه وهو يشكوا الإصابات، يطلب منهم مساعدته على نزع الرصاص من فخذيه والتخفيف من آلامه، لم يكترثوا لكل ما يقول، يركزون فقط على ما يقوله ويخبرهم به في عجلة تتلوها عجلة، يسرع نعيم في الرد على أسئلتهم ويصدقهم القول بغية إسعافه، لم تكن لترضيهم أقواله، ولم تكن لتطمئنهم اعترافاته، ولم تكن لتركب رواياته، لا يملك من الأخبار إلا تلك التي تقرع آذانهم وتهز مسامعهم، لو كانت معه أخبار أخرى لما بخل بها عليهم، يبحثون عن أخبار ترضيهم، ولكنها ليست في حوزته، لم يضمر شيئا يقوله، أو ينس شيئا يرويه، يرجو تخليص نفسه من الإصابات وآلامها الكاوية، يستعطفهم ويسترفقهم، يخبرهم بعائلته ومكان إقامتها ظنا منه أنهم لا يعرفون ذلك، يفصح لهم كونه إريتريا.

أودعوه السجن مهملين إصاباته، كلما أخرجوه من زنزانته واستنطقوه أعاد أقواله بصدق لهجة وصفاء طوية، يئسوا منه فلم يستقروا إلا على صدق رواياته، اطمأنوا إليه، ثم عرضوه على طبيب يفحص جراحه ويعالجها، نزع عنه الرصاص الذي ما فتأ يغطس متعمقا لانهيار جدران الأنسجة والخلايا، انغرز في فخذيه وطاب له المقام، انتزعها الطبيب، ولكن جراحه فسدت، فسدت الخلايا المصابة فلم تنتج جراثيم وميكروبات وبكتيريا فحسب، بل صارت خلايا سرطانية.

عمد الثوار إلى إطلاق سراح جميع من اعتقلوهم بما فيهم الصيادين ونعيما، اشترطوا عليه وعلى صديقيه عدم مغادرة المنطقة إلى أبعد من ثلاثة كيلومترات وبإذن منهم، أوحوا إليهم برغبتهم في استدعائهم كلما جدَّ جديد.

انتشرت عيون الثوار في كل مكان وطفقوا يبذلون قصارى جهدهم دون ملل أو كلل، يطلبون مقدادا، وكلما انتشروا أخذوا معهم الصيادين، الوحيدان اللذان يعرفان مقدادا، وأما الطريح نعيم فلا فائدة منه مادام مقعدا مصابا بالمرض الخبيث، يستمر الوضع هكذا، ثم ينقطع بين حين وآخر، ظلوا على حالهم من غير سئم ولا ضجر حتى أضحى ذلك روتينا لا طلاق منه، وتمضي الأيام بعدد دقات قلب جنين في الدقيقة الواحدة، وتمر الأسابيع والشهور بعدد عيون النحل واليأس يتكور على نفسه يرفض التعاظم فلا شكوى من خواء الرأي، بل نجوى لسماء مصوع واستعطاء سرها بشأن ملاحقة مقداد.

صار مقداد جارا لبحر يصطاد فيه السمك ويتعيش عليه، يوقظ النار لشوائه، ويغلي الماء لتحليته، قضى أشهرا كاملة وأياما بعدد قتلى بدر من أصدقاء مصعب فقرر التوجه نحو ميناء مصوع ، فقد غلب على ظنه أن أمره قد نسي، وأن طلبه قد استيئس منه، تحرك نحو الميناء، وطئه وتخلل الناس فيه ، يصادقهم ويعاشرهم، أنسوا به ولم يستغربوه، صار يعاون البحارة دون مقابل إلا من لقيمات يزدردها، أو سميكات يشويها. يسترضيهم حتى يقبلوا به في قلب زورقهم، يستهدف مصاحبتهم للصيد أولا، ثم الطلب منهم تهجيره إلى الصفة الأخرى للبحر الأحمر، لا يجرؤ على قول ذلك لنحافة الفرص وشكاواها من بدانة الظلم والقهر: سأفعل بعد حين، هذا قوله، و: سيحملونني أخيرا، وهذه تثنية وفي جعبته تثليثة وتربيعة وتخميسة.. يحمل فؤادا بحريا وعقلا سماويا، ينتظر وينتظر مؤقتا، وكم مرة قدم الثوار كعادتهم إلى مصوع، معهم الدليلان، يتخللون الناس ويتفحصونهم، يحذِّقون في عيونهم تحديق البومة لحركة تسافلها وتظنها وليمة، لم يكترثوا له ولمن هم على شاكلته، ظنوه محتفظا بهيئته ومظهره، ظنوه أنيقا كما عهدوه، لبقا كما حكي عنه، صار حمّالا يحمل عن الناس سلعهم، وجرّارا يجر لهم شباكهم، لم يخطر ببالهم أن يصير مقداد كذلك.

تنبه لهم مقداد، عرفهم من خلال رفيقي نعيم، عرف من حركتهما أنهما مرشدان للثوار، يصطحبونهم في رفقة تامة. توارى عن الأنظار في يوم بئيس ولم يعد إلى الميناء، عاد إلى سكنه العاري بعيدا عن مصوع.

بات دماغه مشغولا، فمصوع لا يكاد يرى فيها صلاحية لما عزم عليه، بدأ يفكر في جيبوتي ويساءل نفسه عن صلاحيتها للنفاذ عبرها إلى باب المندب أو تعز أو عدن، وفي اليوم التالي تفقده الصيادون وقد تعودوا رؤيته وسِخريته، يساعدهم مع حوارات ناقلة مرفرفة، سألوا عنه فلم يحصلوا على جواب، الثوار كديدنهم موجودون لا تغيب عنهم غائبة أو تخفى عنهم خبيئة، أخبار البحر والصيد والصيادين وانشغالات الناس تحضر أذهانهم حضورا مرتبا، وما أن سمعوا بقصة الرجل الذي حضر، ثم غاب، قارف الناس، ثم اعتزلهم حتى أقبلوا على الناس يزفّون، يستفسرونهم فضج الميناء باستفساراتهم وعلق فيه خبر مقداد وجدية الثوار، ثم ’علم أن الذي ’جنّ في ليله وتوارى في ظله ضالة الثوار. انتشروا في جميع الأمكنة يطلبونه، انتشروا في المنطقة كلها؛ منهم من اتجه إلى يمين مصوع، ومنهم من اتجه إلى شماله، اعتقدوا أنه لن يجرؤ على التوجه إلى جهة أسمرة، ظلوا يطلبونه دون أن يفوِّتوا فرصة، لن يعدلوا عن بحثهم، تتواصل الدقائق والساعات كأنها حلقات في سلسلة توضع على رقاب الناس، أدركهم اليل فدخلوا يفتحون فيه قدرا يتبع قدرا حتى عثروا على مقداد  وهو لا يزال نائما.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن 

 

فوجئ مقداد بحركة مزعجة أيقظته مذعورا ليجد نفسه في قبضة الثوار. يسبونه ويلطمونه، يشبعونه رفسا وصفعا، قيدوه من يديه ورجليه تاركين له القدرة على السير في خطى وئيدة، واقتادوه قيادة الشرطة للمجرمين.

أدخلوه على قيادة الثورة الإريترية، فأمرهم القادة بنزع قيوده وتحريره، ثم بادره ماعص أحد قادتهم قائلا: (( سوف أسألك أسئلة محددة، فإن أجبت عليها في صدق وأمانة نجوت، وإلا هلكت )). فرد عليه :

ـ أعلم مسبقا أنك ستكذبني.

ـ كيف ؟

ـ لأنك تضع مقدمة خاطئة، فلا بد أن تكون النتيجة خاطئة كمقدمات المنطق تماما، تجرَّدْ من سائر الخلفيات، ثم سلني عما بدا لك.

ـ هناك أمارات إن اعتمدت عليها لما شككت في انتسابك إلى روح مريم.

فاجأه خلاّد وهو قائد آخر تحت إمرة ماعص قائلا: (( هل هناك مقدمة أصدق مما جئت به ؟ فالأسلحة والأمتعة والألبسة العسكرية وسيارة الجيب بشعارها تؤكد أنك عدونا ؟.

مقداد : لا، لست عدوك يا سيدي. أرأيت إن لم أجد غير لباس الرهبان أرتديه لأستر به عورتي، ثم لبسته في غفلة عن إتلاف معالم الرهبنة فيه؛ أتراني راهبا ؟ أتراني رجل دين ؟ إنك تستند على فرضية.

خلاد : إن الفرضية توضع حين غياب الواقع، فواقعك وواقع ما جئت به محسوس تبنى عليه النتائج.

مقداد : هل أنت مسلم ؟

خلاد : لم هذا السؤال ؟

مقداد : لا تقلق يا سيدي. وهل القرآن واقع محسوس ؟

ـ وهذا أيضا ؟

ـ هل هو كلام الله ؟

ـ يقينا.

ـ أليس مركبا من حروف ؟

ـ بلى.

ـ أليست حروفه مرتَّبة ومتعاقبة في الوجود ؟

ـ صحيح.

ـ ألا يكون كل كلام يأخذ هذا المسار حادثا ؟

ـ أجل.

ـ إذن فالقرآن حادث فهو مخلوق.

ـ لقد سبقك إليه المعتزلة، صحيح هو مخلوق.

ـ ونفس القرآن أليس كلام الله ؟

ـ لا داعي للإطناب، إنه لكذلك يقينا.

ـ أليس كلامه صفة له.

ـ نعم.

ـ أليس صفات الله كالعلم والقدرة والكلام .. صفات قديمة ؟

ـ ماذا تريد أن تقول ؟

ـ نعم صفات الله صفات قديمة؛ لأنه متكلم في القدم، ومادام القرآن كلام الله والكلام صفة له، فهو قديم، فيكون غير مخلوق.

ـ أتتلاعب بعقلي ؟ أتحسبني غبيا ؟

ـ كلا، فقط أريد تنبيهك إلى التناقض الذي صرنا إليه باعتماد المنطق في قضية واحدة، ولذلك فترتيب القضايا يجب أن يكون سليما، فالمعقولات وترتيبها على معقولات، ثم استنتاج معقولات أخرى منها؛ يحصل في المنطق كما ترى، ولكنه يؤدي إلى الخطأ في أغلب الأحيان إن لم يكن في كل الأحيان، و’يظهر النتائج في تناقضات ظاهرة.

ـ إن كانت معقولات فهي محسوسات أيضا.

ـ لا، لا، ليست كلها محسوسات، فاللجوء إلى ترتيب محسوسات على محسوسات مقدمة هادفة، ولكن لا بد لها من شرطين اثنين.

ـ وما هما ؟

ـ الأولى أن ينتهي إلى الحس في القضايا. والثاني أن ينتهي إلى الحس في النتيجة.

ـ وهل هذان الشرطان كفيلان بضمان النتيجة ؟

ـ أجل، يجعلان النتيجة صحيحة ويضمانها؛ بخلاف ترتيب القضايا على المعقولات، فنتيجتها غير مضمونة، ويؤدي إلى الانزلاق والخطأ حتى وإن أوصل إلى استرسال في سلاسل من القضايا والنتائج المعقولة؛ لأن معقوليتها تنحصر في الفرض والتقدير ولا تتعداه إلى الوجود في الواقع، وهنا الوهم والسقوط.

ـ أتريد بهذا أن تتبرأ من تهمة الانتماء إلى روح مريم ؟

أثناء محاورة مقداد لخلاد كان ماعص مشدودا إلى الاستماع ومأخوذا به، وكلما هم بمقاطعتهما انعقد لسانه، ولا ندري ما إذا كان رغبة في الاستفادة، أم قصد تحليل شخصية هذا الرجل الذي مثل بين يديه ليحقق معه، قد تكون عملية سبر تعتمدها الرؤى النفسية، وربما لا تكون، وما أن هم مقداد بالرد على خلاد حتى قطع حديثهما بتدخله قائلا : (( ممن تكون ؟ وما شأن الأسلحة والأمتعة وسيارة الجيب ؟ )) بدا غاضبا، يسأله بلهجة عالية

ما أن تلقى مقداد هذا السؤال وبهذا الانفعال حتى راح يقلب أفكاره في رأسه، لا يرغب في الكذب، يربأ بنفسه عنه ويعتبره حصن الجبناء، ولا يريد كشف كل شيء تعرَّض له في مسيرته التي قادته إلى الوقوع أسيرا بين يدي أناس لهم حسابات مع غيرهم، يرغب في بتر شرائط من قصته وينتخب في ذهنه ما يمكن أن ترضي الثوار وتجنبه التعذيب والقتل.

كشف لهم أن وراءه سيارة جيب أخرى، وتوقع أن يحملوه على طلبها، وإذا طلبوها ربما افتقدوها وعندها تحل الكارثة، ويثبت في حقه الكذب عليهم، بينما هو على حاله من تقليب أفكاره في دماغه ولم يشعر بالوقت الذي مر بادره ماعص مرة ثانية في غضب:

(( ما لك لا تجيب ؟ أما سمعت ؟ )). (( بل سمعت يا سيدي، فقصتي ليست بالحجم الذي تتصوره لها، فلست شيوعيا، بل مسلم، وكل ما هناك أنني غنمت سيارة الجيب والأسلحة والأمتعة من دورية عسكرية هاجمتنا، هاجمتني )). واسترسل في كلامه بعد سحب صيغة الجمع من كلامه حتى لا يشكل مأخذا جديدا عليه، أو يكون سببا في بدانة الشك حول شخصه.

يقص عليهم قصته انطلاقا من مهاجمته من طرف دورية عسكرية حتى أتمها.. فبادره ماعص:

(( واسمك ؟ )).

ـ مقداد.

ـ وجنسيتك ؟

ـ تقصد مكان ولادتي.

ـ وطنك.

 ألقى إليه قوله بغضب شديد.

ـ كل البلاد الإسلامية وطني بما فيها إريتريا، أما مكان ولادتي ف..

قاطعه ماعص وقد اشتد عليه غضبه لما في إجابة مقداد وتماطله عن الجواب الصريح من تعريض لا يقبل به.

ـ أما تعرف أن سكان الأندلس حاليا ليسوا مسلمين، فكيف تكون بلادهم بلاد إسلامية ؟

ـ يا سيدي : قد يكون في قضية ما حكم ظاهره صحيح، وواقعه خطأ فيتوهم صحة النتيجة مثل ما ذكرت آنفا، فالبحث في البلدان من وجهة النظر الإسلامية لمعرفة ما إذا كانت إسلامية أم غير ذلك يُنظر إليه من خلال حكمها بالإسلام، فإذا حوكمت بالإسلام ولو انحسر ذلك في الماضي البعيد أو القريب فهي بلاد إسلامية، وتظل إسلامية يستوجب عودها إلى حظيرة الإسلام كالأندلس وأذربيجان وغيرهما.

ـ على الرغم من وجود أقلية مسلمة أو انعدامها يكون البلد إسلاميا.

ـ إن ملاحظة جمهرة أهل البلد واشتراط أن يكونوا مسلمين غير صحيح، إذ قد تكون الأقلية مسلمة، وقد لا يوجد بها مسلمون، ولكن اقتصر فيها على الذين يخضعون في تبادل علاقاتهم إلى نفس ما تتبنون من مفاهيم وأنظمة، وبذلك تكون بلاد إسلامية.

ـ إذن لست شيوعيا رغم قدومك بما يثبت أنك شيوعي.

ـ أرأيت إلى الأسلحة التي تستعملونها لضرب النظام الإثيوبي؛ هل تثبت في حقكم أنكمم أمريكيون، أو فرنسيون أو إنجليز..؟ بل هل يثبت في حقكم أنكم لستم مسلمين ؟

ـ أتتطاول علي ؟ أتستهزئ بي ؟

ـ كلا يا سيدي.

ـ غيبوه عني، اقتلوه شرّ قتلة.

وجه كلامه للجنود وهو متأهب للنهوض والشرر يتطاير من عينيه الغائرتين، في هذه الأثناء وقبل انتصابه دخل عليهم ومعهم نعيم محمولا يصطحبه بعض الثوار أحد أبرز القادة، كان ذا عرجة في رجله اليسرى، لا يقوى على السير أو الوقوف إلا قليلا، وما إن دخل حتى ساد الصمت، وغمر التقدير والإجلال رؤوسا تجلّه وتبجّله، شرعوا يحيونه، أراد أحد أعوان ماعص إخراج مقداد لتنفيذ حكم الإعدام فيه حتى يفسح المجال للجلوس الهادئ مع القائد لمناقشة ما استجد من أحداث وما استشراف من مستقبل الثورة، ولكن خواتا لم يقدم إلا لعلمه بالخبر، فبادرهم:

(( إلى أين ؟ مكانكم جميعا، وأنت يا نعيم أتبرئ هذا الفتى؟

ـ لا أعلم عنه إلا ما قد أخبرتك به، وأخشى إن برئته وكان غير بريء من حمل وزره فاعفني يا سيدي.

نشلهما مقداد من حوارهما لا يبالي ولا يكترث لحاله الذي آل إليه وهو ’مقْدم على الذبح فقال مخاطبا نعيما:

(( منذ فترة كنت صحيحا معافى، والآن صرت مقعدا فما السبب ؟

ـ إيه، لقد كادوا يقتلونني بسبب بذلتك العسكرية وسيارة الجيب، تكسرت عظام فخذي وتهشمت بالرصاص فتعفنت جروحي ولم تندمل فأصِبتُ بداء السرطان.

ـ داء السرطان ؟ كيف عرفت أنه سرطان ؟

ـ هذا ما قيل لي، فجروحي عمَّرت في قعدتها، والعفن عشش فيها، والجراثيم والميكروبات بظلمها ’جنَّت لها خلاياي.

ـ ليس كل جرح طال التئامه يكون سرطانا، كما أنه قد يكون فعلا، فلا بد من التثبت، وإن عاينت جروحك وكانت سرطانا ونجوت’ من القتل صنعت’ لك دواء ينفعك بإذن الله تعالى؛ وإلا وصفته لك قبل أن أسير إلى حتفي.

الجو يبعث على الدهشة حيث لم يكن مقداد في وضعية المستجدي والمستعطف، الخوف والرهبة لا يعرفان سبيلا إلى قلبه، أخذ بألبابهم حتى ما كاد أحد منهم يوقفه عن كلامه، أو يقطعه عنه وهو يحاور مسترسلا رفيق رحلته الفاشلة حتى انتهي منه. أثناء محادثة مقداد لصديقه كان خوات مهتما أكثر من غيره ما عدا نعيم حيث كان هو الآخر مصابا بالداء الخبيث الذي سبب له تلك العرجة التي تعوق سيره واستقامته، وقف بين مصدق ومكذب، احتار في |أمر هذا الفتى، ولكنه ميّال إلى تصديقه أكثر من ميله إلى تكذيبه، رقّ له قلبه، ودار في خاطره الرفق واللين، ألحّت عليه نفسه في التجريب، يناجي نفسه بشأن تجريب ما أبداه مقداد لعل ذلك يكون مجديا وناجعا، لم يخرجه عن تفكيره هذا إلا ماعص حيث بادره:

(( لقد أخذنا منه ما يجب، ولا نفع فيه، ولا أمل في كلامه وقد أمرتُ بقتله)).

مقداد : يا سيدي لا ’يقتل المرء بالشبهة، فدينك يحرِّم عليك ذلك، يحرم عليك قتل نفس بغير نفس.

ماعص :أتعلمني ديني ؟

مقداد : سيد المعلمين يا سيدي يقول:

(( كل يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله فلا بورك لي في مطلع شمس ذلك اليوم ))، فلعلك نسيت أو غفلت حتى قرّرت ما يتناقض مع دينك، والتعلم فضيلة وما كان قط رذيلة.

ماعص : لولا سيدي خوات لكنت ميتا منذ زمن، لقد زاد من عمرك وأطال حياتك.

مقداد : العمر لا يزيد أو ينقص، وإن زاد أو نقص فلن يعلم به أحد غير مدوِّن الأعمار في لوحه المحفوظ، فهو الوحيد الذي يقدر على محو ما يشاء وإثبات ما يريد، وحين يفعل ذلك لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول، ولذلك فالعمر مربوط بالأجل المضروب في عالم الغيب، والموت لا يكون ولن يكون إلا بانتهاء الأجل.

ماعص : إنك لا تستحق القتل فحسب، بل والحرق بالنار.

مقداد : سامحك الله، بالله عليك، ألسنا في شهر أيار ( مايو ) من سنة 1984 ميلادية ؟ في هذه الساعات يوجد من يستحق القتل غيري.

خوات : ومن يستحقه ؟

مقداد : كأنكم إنما خلقتم للاهتمام والتفكير في إريتريا وأثيوبيا.

خوات : ماذا تقصد ؟

مقداد : منذ ما يقرب من سنة وفي شهر يوليو ( تموز ) من السنة الفارطة وفي مقاطعة " ميجي " عند قرية " بولو " غرب كمبالا بمسافة خمسة عشر ميلا عن عاصمة أوغندا اجتمع المسلمون لتأدية صلاة عيد الفطر، فدخل المسجد رجال يرتدون الزي العسكري..

قاطعه ماعص قائلا :

(( دعنا من هذا ؟ ))

فرد مقداد لا يبالي:

(( أتدري ماذا فعلوا بالمصلين ؟ )).

ماعص : قلت لك دعنا من سخافاتك.

خوات : دعه يكمل.

ماعص : يكاد يأخذ يلبك يا سيدي.

مقداد : أتدرون ماذا فعلوا ( موجها كلامه للحضور كله )، لقد سحبوا إمام المسجد وخمسة من المصلين.

ماعص : ربما اقتادوهم لاستنطاقهم والتحقيق معهم في شأن كلام صدر عنهم.

مقداد : لا، وإن كان هذا ديدن الديكتاتوريات، لم يقتادوهم، بل أبقوهم داخل المسجد، ولكن ذبحوهم جميعا.

خوات مستغربا : ذبحوهم، ولماذا ؟

مقداد : سحبوا " عباس  كاتمبو " و " محمد سيجرين " و " سلمان ربوا " و " موسى كونكيزي " و " محمد روينكيزا " والشيخ " كاتامجيرا " ثم ذبحوهم أمام المصلين، وبعدما فرغوا عادوا إلى عرباتهم، فمن يستحق القتل أنا أم هم ؟

ماعص : وما شأننا بهم ؟

مقداد : أليسوا إخوانك في الدين والإنسانية ؟ ألا يستحقون نصرتكم ؟

خوات : إنهم فعلا أنذال لا يرجى غير قتلهم بهم.

مقداد : والشهر الذي نحن بصدده، أتدري يا سيدي ماذا حصل ؟

خوات : ماذا ؟

مقداد : في الثاني والعشرين من شهرنا هذا أيار ( مايو) لسنة ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين ميلادية وفي مدينة صغيرة شمال كمبالا تبعد عنها بأربعة وعشرين كيلومترا وتدعى " ناموكونو " ’قتل الطلاب في الإرسالية الإنجيلية، و’قتل المسؤول عنها، و’دمِّرت البيوت المحيطة بالإرسالية، ’قتل الناس ومواشيهم بالفؤوس.

خوات : بالفؤوس ؟

مقداد : أجل بالفؤوس.

خوات : من هم أولئك الأنذال المجرمون ؟

مقداد : إنهم جماعة عسكرية من الجيش الأوغندي.

خوات : جارتنا تفعل ذلك ؟

مقداد : ليس هذا فحسب.

خوات : ثم ماذا ؟

مقداد : اتجهوا صوب قرية " كيرو : إلى مسجدها، وكان الناس ساعتها يؤدون صلاة الظهر فأطلقوا النار عليهم وقتلوا إمام المسجد الشيخ " يوسف مولو " وثلاثة وتسعين من المصلين، وأضرموا النار في المسجد الصغير، وقاموا بذبح خنزير بداخله، وشووه، ثم تناولوه مستعملين صفحات من القرآن بدلا من أواني الطعام.

ما كاد مقداد ينهي كلامه حتى رقّ قلب ماعص وقلب خوات وكل المستمعين وتأسفوا كثيرا لما حصل من ظلم هنالك بإخوانهم على يد جيرانهم الأوغاد، لم يكن لهم علم، استفزهم مقداد، عزف على وتر الإيمان والجيرة والحمية، ثم بادرهم:

(( لئن كنتم ترغبون في الانتقام لإخوانكم لكنت أول من يسعى معكم )).

خوات : لا، لا، لن يكون هذا، إن لنا ما يشغلنا عنه ولا يقل أهمية عما ذكرته، إننا نحارب الشيوعية، وسنظل نحاربها حتى تسقط، ونأخذ استقلالنا، ونحكم بلادنا بأنفسنا.

مقداد : يا سيدي ما هكذا يجب أن يكون تفكيركم.

خوات : لا تحاول ثنينا عن مكافحة نظام أثيوبيا.

مقداد : سقوط نظام روح مريم، واستقلال إقليمكم وحكمكم له لن يفيد إلا في تكريس مبدأ الانفصال بينكم وبين الشعوب التي تشترك معكم في وجهة نظركم، فنظركم ضيق، ومبدأكم ينهاكم عنه، ويوجب عليكم كما يوجب على غيركم من معتنقي نفس عقيدتكم العيش تحت سلطانه في دولة واحدة غير تابعة لأية جهة.

خوات : دعنا من هذا الآن، فهيا انهض واصطحبني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل التاسع

 

انطلقوا يطلبون مقر قيادة الثورة ومعهم مقداد في استغناء عن الصيادين بعد اكتمال مهمتهم، بينما هم سائرون كان خوات في صراع مع نفسه؛ مترددا في مفاتحة مقداد بشأن ما سمعه منه عابرا وهو يحاور نعيم، لا يجرؤ على مفاتحته لأنه بين مصدق ومكذب لما سمع، يميل أكثر إلى تصديقه وأخيرا فاتحه بقوله: (( هل أنت صادق في قولك بمعرفة دواء السرطان ؟ )).أطلقوا النار عليهم، وقتلوا إمام المسجد ا

ـ نعم صادق.

ـ وكيف ذلك ؟

ـ إن لي وصفة دواء له، وهو دواء تقليدي أثبتت التجربة أنه نافع للقضاء على السرطان الخارجي.

ـ ماذا تقصد بالسرطان الخارجي ؟

ـ أقصد سرطان الثدي والفخذ والعنق والظهر والصدر والكتف وجميع البدن ما لم يكن السرطان قد اخترق جهة ما مصابة به من جسم المريض لأني أخشى من تسرب الدواء إلى الأعضاء الداخلية للجسم، وينفع أكثر إذا كان السرطان في بداية استيطانه لجسم المريض وفي مراحله الأولى.

ظل خوات في حديث مع نفسه يدير في ذهنه ما يقوله مقداد فلا يقوى على نعته بالدجال ، فقال له :

ـ لم تقول عنه إنه دواء تقليدي ؟

ـ لأنه أولا يصنع بأدوات تقليدية وكيفية تقليدية، كما أنه يحتاج إلى تطوير حتى يصير على شكل أقراص أو بومادا POMADA، أو ما شاكل ذلك، أو تتعرض بعض مواده للتعصير والتقطير حتى يصير سائلا ومائعا، أو على شكل حقن.

ـ هل تصف لي المواد التي يتركب منها الدواء ؟

ـ ليس كل المواد طبعا.

ـ ولو بعضا منها.

ـ إن الدواء يتركب من ثلاثة عشر عنصرا، يتركب من المواد الكيماوية كتابريك TABRIQ  ومن أوراق شجيرة دلاف DALAF ، ومن بعض السموم لبعض الحشرات كنوع معين من آرب AARB، ونوع معين من د’دِوال DODIOUAL.

ـ وهل جميع العناصر ملازمة دائما لتركيبة الدواء ؟

ـ كل العناصر مهمة جدا إلا أن الدواء يوصف بحسب حالة المريض ونوعية السرطان، فقد يكتفى من تركيبته بخمسة عناصر فقط لا تنقص وإنما تزيد إلى أن تصل إلى الثلاثة عشر عنصرا.

ـ ولماذا ؟

ـ لأنه إن توقفت خلايا السرطان عن النمو، أو الانتشار بفضل دنارب DANARD  التي تشبه في مفعولها ما يحدثه العلاج بالأشعة، يكتفى بالعناصر الخمسة المذكورة، وإذا لم تتوقف أضيفت إلى التركيبة الأولى عناصر جديدة عنصرا عنصرا حتى تستعلن فعالية الدواء، وحين تظهر فعاليته يكتفى بما شكل تركيبة أبدت قدرتها على إيقاف الخلايا السرطانية عن النمو بشرط أن تظهر بوادر الالتئام والانسجام في الخلايا المسرطنة أو تباد من قبل الخلايا السليمة التي تأخذ موقعها في موضع المرض.

ـ هل يخضع تركيب الدواء لمقاييس معينة ؟

ـ بالطبع، فلا بد أن يؤخذ من كل عنصر مقدار معين، فدلاف DALAF مثلا يؤخذ بمقدار خمسة وعشرين غراما الخ.

ـ ولماذا لا يصلح دواؤك لأنواع أخرى من السرطانات كسرطان الأمعاء والكبد والطحال والدم وكل ما هو سرطان داخلي في جسم الإنسان ؟

ـ لا أستطيع الإجابة على سؤالك هذا لأنه لم يجرب بعد على هذه الأنواع من السرطانات، ويا حبذا لو زرع مرض السرطان في الأكباد والأمعاء والدماء .. لبعض الحيوانات كالأرانب والفئران والكلاب والقردة.. بعد تطوير الدواء حتى يصير عقاقير أو حقنا، ثم يلقى لها وتحقن به، وبعد ذلك يحرص على ملاحظة ما دق أو غلظ، خفي أو استعلن بالتزام تام بالتجربة العلمية واستنتاج النتائج حتى يمكن التصرف وفقها، فإن كانت النتائج مشجعة كان بها، وإن لم تكن أعيدت التجارب المرة تلو الأخرى مع تعديلات في الدواء؛ إما بالاستغناء عن بعض مواده أو الزيادة في كميته ومقاديره أو التحقق من جدوى بعضه أو كله حتى يكتشف دواء لجميع هذه الأمراض السرطانية الداخلية.

ـ هل هناك   نصائح تنصح بها مريضك ؟

ـ أجل، وهي نصائح لا بد من الأخذ بها حتى يبدأ التماثل للشفاء، وهي صالحة حتى لمن لا يعتمد دوائي.

ـ وما هي ؟

ـ أولا : أن يمتنع عن تناول لحوم البقر وحليب البقرة وجميع مشتقاته.

ثانيا : أن يمتنع عن تناول الحوت الأزرق والسمك الأزرق كالتونة والقرش والسردين.

ثالثا : أن يمتنع عن أكل الحراريات كالتوابل وشرب الكحول.

رابعا : أن يمتنع عن أكل الحوامض كالليمون واللبن.

خامسا : أن يمتنع عن تناول الأكل الذي مضى على طهيه أو إنضاجه ست ساعات ولو كان محفوظا في الفريجيدير وكذلك المعلبات والمصبرات.

سادسا : أن يحرص على عدم تعريض المرض أو المنطقة المصابة للماء وإن كان ولا بد فلا مندوحة أن يكون الماء قد غلي لمدة خمسة عشرة دقيقة، ثم تبرديه لاستعماله.

سابعا : أن يعلم أن التماثل للشفاء يحتاج إلى وقت لا يقل عن ثمانية أشهر.

ثامنا : أن يواظب على استعمال الدواء ولا ينقطع عنه وعن تواقيته تماما، ويبدأ باستعماله مرة واحدة في ظرف أربعة وعشرين ساعة، وبعد فترة تزيد عن شهر واحد أو تنقص يستعمل الدواء مرتين في ظرف أربع وعشرين ساعة إن كان يستطيع تحمل آلام الدواء وهي آلام لا تطول كثيرا، ثم يستعمله ثلاث مرات في ظرف أربع وعشرين ساعة بعد مضي أربعة أشهر على الأقل وخصوصا إذا لم يعد يحس بالآلام الشديدة، وعلى كل حال يطول الكلام وها قد أشرفنا على الوصول.

ـ لا عليك، بعد وصولنا سوف أدعك تعاين مرضي الذي برجلي لترى رأيك فيه.

دخلوا مقر قيادة الثورة واعتزل خوات مقدادا وكشف له عن ساقه، ثم تبين له أنه مصاب بالمرض الخبيث، فنصحه باستعمال الدواء الذي ينوي تركيبه له فحظي بموافقته.

في الصبا ح الباكر خرج مقداد يحرسه ثوريان مسلحان يطلب بعض ما يحتاج إليه، وكان قد طلب من  خوات إحضار البعض الآخر، وحين رجع ووجد ما طالبه به موجودا أضاف إليه ما جلبه من الصحراء وانكب على صنع الدواء وشرع يركب محتوياته حتى فرغ منه، ثم خرج يطلب خواتا على موعد مضروب له معه، ولما مثل بين يديه اعتزله،   ثم تأهب لتلقي الدواء فألقاه له.

غادر مقداد إلى مكانه المحروس المخصص له كمستقر لنومه، غادر إلى إقامته الجبرية. داعبته آمال عديدة، يتفاءل معها كثيرا حتى رجح لديه أنه بعمله هذا وهو صادق فيه يستطيع التخلص من قبضتهم، أو يحظي بموافقتهم على نقله إلى الساحل الشرقي للبحر الأحمر، فعزم على الإفصاح عن نيته وأصر على إظهار طلبه، وما أن أفصح عن ذلك حتى خاب ظنه ويئس وكاد يموت في ذهنه الأمل.

لا يريد خوات لمقداد أن يغادرهم حتى يطمئن على صحة النتيجة بنجاعة دوائه المزعوم، أمل أيضا أن يحمله على القتال معهم حتى لا يبدو أنه إنما يبقيه لعلاجه فقط دفعا للمزات وهعمزان جنوده، لا يريد من أحد أن يستشرف نيته بأمارات تظهر عليه، تملَّك مقداد العجب، حاول ثنيه عن ذلك فلم يفلح، صار يستعطفهم، يستجديهم لمساعدته أو تركه يمضي إلى حال سبيله دون تقديم أية مساعدة له، حاول وكرر المحاولات فلم يحظ إلا بالرفض وعدم الاستجابة.

صار مقداد جنديا متمردا على النظام الإثيوبي، ثائرا عليه، مقاتلا في صفوف الثوار رغما عنه, عملوا على تدريبه على كثير من الأسلحة، ألفوه كفؤا للقتال، بارعا في استخدام الأسلحة، كلما خططوا لعمل عسكري وأرادوا تنفيذه حملوه معهم، يدفعون به إلى الصفوف الأولى، لفت انتباههم لمقدرته على المناورة، وضربته السديدة، صار سائرا وفق إرادتهم لا يقبلوا منه طلبا يتعلق بإمكانية مغادرته لهم أو بعده عنهم، فلا غنى لهم عنه، ولا كلام إلا في موضوع هدفهم المنشود. أضحى مقداد يسعى إلى غير هدفه، يقاتل بغير إرادته، ’يقحم في المعارك الطاحنة إقحاما تحتِّم عليه القتال فيستجيب متحمِّلا الصعاب، ينوء بالمشقة وهم عنه راضون يستبشرون يه خيرا.

عكف مقداد على الدرس والتحصيل والمطالعة كلما وجد إلى ذلك سبيلا. يستغل الأوقات  الفارغة في سجنه لأغراض قيّمة وسامية، وحين يصاب بالملل يعبث بعدة أشياء، هكذا يظنهم بنه.. يعبث بالرصاص والأسلاك المعدنية والكهرباء وجميع ما لامسته يده، أو أدركته عينه، قم تحول إلى لتفكير فيها وفيما يتعلق بها، استطاع أن يبني عدة تصورات، فكر كثيرا في البطاريات الجافة التي تحتوي على طاقة كهربائية تدفئ مذياعه إلى أجل لا تتعداه، وبطاريات السيارات التي تختزن كهرباء ويتساءل عن كيفية ذلك ؟ ولماذا لا يحصل خزن أكبر طاقة ممكنة من الكهرباء داخ البطاريات حتى يستغنى بذلك عن الدينامو ؟ يزيد من تساؤلاته المحيرة قائلا : " إذا كانت البطاريات تحتفظ بالطاقة الكهربائية لمدة معينة وبقوة ضعيفة تختلف باختلاف حجم البطاريات ألا يمكن خزن الطاقة الكهربائية في بطاريات تصغر أو تكبر ولكن لمدة أطول وبقوة أكبر تسع إنارة قرية بأكملها أو مدينة صغيرة دون أي دافع لتوليدها ؟ ألا يمكن أن يحمل الإنسان معه كهرباء مخزونا في بطاريات صغيرة الحجم يسعها جيبه ولكنها بقوة فظيعة جدا؟ هل تلهمه معرفته بطاقة عظم من عظامه بحجم علبة كبريت وطاقة تحمله في حدود تسعة أطنان ؟

صارت هذه التساؤلات تدور  بخلده وتشغل باله كلما وجد إلى ملامسة الأسلاك والبطاريات والمواد سبيلا.

ذات أمسية بينما مقداد في مقر إقامته زاره خوات مصحوبا بأحد أعوانه لطلب وصفته الدوائية لحاجته إليها كما يفعل عادة كلما تم، أو عدمه، ومـا أن سمع ضياح ذلك حتى انخرط في قهقهة، يضحك ساخرا وقال لخوات : " أو صدقت ذلك ؟ "

ـ أميل إلى تصديقه أكثر من ميلي إلى تكذيبه، فهو صاحب لهجة صادقة، وناصية غير كاذبة.

ـ إن كبار المتخصصين، وكبار المعاهد العالمية المهتمة بموضوع السرطان لم يتوصلوا بعد إلى اكتشاف دواء ناجع للسرطان رغم عملهم الدءوب، ورغم النفقات العالية على البحوث، فكيف انطلت عليك اللعبة ؟ لعل الرجل يريد النجاة لنفسه من القتل فاحتال عليك بهذه الخديعة.

مقداد : يا سيدي النبيه ليست لدي خبيئة حتى تنعتها بالخديعة، فهل تصدق أن الإنسانية سوف تصل إلى اكتشاف عقار عبارة عن دواء وظيفته المحافظة على ما لا يضر بصحة الإنسان كالاحتفاظ بميكروبات وجراثيم دخلت الجسم في حدود معلومة، وبتعبير آخر دواء يشبه اللقاح، أو هو كذلك؛ لمعظم الأمراض مع الاحتفاظ بالبعض الآخر والتي لا يشكل خطورة على صحة المريض ؟

ضياح : يمكن ذلك، ولكن لن تكون أنت.

مقداد : ولكنه الإنسان وأنا من نفس الجنس أليس كذلك ؟

خوات : ولكننا نسمع عن التداوي بالأعشاب، وقد أثنى عليها كثير من العلماء والأطباء والباحثين حتى طلع علينا ما يسمى بالأعشاب الطبية تباع في الصيدليات..

ضياح : صحيح، ولكن ليس إلى هذه الدرجة.

مقداد : يا سيدي، إذا كان العلم هو ما ’عبِّر عنه بالتجربة والملاحظة والاستنتاج، فأين تضع وصفتي الدوائية لداء السرطان ؟

ضياح : أضعها في علوم الأدب مثلا كالخواطر والأحلام العلمية والروايات الخيالية.

مقداد : وهل كان الأدب في يوم من الأيام علما ؟

ضياح : ماذا تقول ؟

مقداد : الناس تستعمل كلمة العلم ولا تميز بين علم ومعرفة أو ثقافة، ألا تسمع بعلم المعاني والبديع؟ ألا تسمع بعلم النفس والاجتماع ؟ ألا تسمع بعلم أصول الفقه والحديث ؟ إنها جميعها ليست علوما بالمعنى الصحيح لكلمة العلم، وإذا جاز نعتها بالعلوم فلا بد من التنبيه إلى أنها ليست علوما تجريبية، والأولى أن يطلق عليها كلمة معرفة أو ثقافة، فنقول مثلا: معارف النفس ومعارف الاجتماع، ومعارف المعاني والبديع، ومعارف الفقه وأصول الفقه والحديث ومصطلح الحديث الخ.

خوات : ولم لا تكون علوما والأقدمون والمحدثون يصفونها بالعلوم ؟

مقداد : لأن العلم يعتمد التجربة، والمعرفة لا تشترطها إذ تكتفي بالملاحظة والاستنتاج.

ضياح : وعلم النفس ألا يخضع للتجربة ؟

مقداد : بالطبع لا، لأن التجربة هي إخضاع المادة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الطبيعية، وأما إذا أخذت طفلا مراهقا لا يعرف عن الجنس اللطيف شيئا وأدخلته غرفة، ثم أدخلت عليه امرأة عارية تماما وشرعت تلاحظ ردود فعله من خجل وحياء وارتباك واضطراب وانفعال واستنتجت ما ظهر لك، ثم طلعت علينا بتلك النتيجة وطبقتها على المراهقين وقلت عنه أنه تجربة تكون مخطئا في خلطك هذا إلا إذا استطعت أن ’تخضع الإنسان للتجربة، وهو محال، بالإضافة أنما يحصل لطفلك ومع طفلك ليس محتما أن يحصل مع غيره من الأطفال وهنا الخطأ الكبير.

ضياح : غريب لم يقل بهذا أحد على حد علمي.

مقداد : لقد قال به كثيرون.

خوات : إذن هناك فرق بين العلوم التجريبية، وبين غيرها من المعارف الإنسانية.

مقداد : بالطبع، فإذا كانت العلوم التجريبية تشترط  التجربة وتكرار التجربة، ثم تصل من خلال ذلك إلى معرفة القوانين المتحكمة في المادة أو استنتاجها، ألا يصح ذلك في حق هذا الدواء وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من التجارب ومزيد من البحوث حتى تحل مشكلة داء السرطان بشكل نهائي ؟

ضياح : هل ’جرِّب سابقا وحصل الشفاء ؟

مقداد : أجل.

ضيااح : لا، لا ، لا تقل ذلك.

مقداد : ليكن في علمك أنك لا تعرف كثيرا من أنواع من الأدوية التقليدية أثبتت التجربة صحتها وأفضليتها على بديلاتها من مخترعات العلم الحديث، وإن علمت فسوف تكذب معظم ما سوف تسمعه، ولا أزعم أن كل ما يقال بشأن التداوي على غير الطريقة العصرية باطل، كما لا أزعم العكس، إذ الأمر يحتاج إلى تكرار التجارب وتنويعها، وقد أنشئت معاهد بهذا الشأن وطلعت بكثير من الآراء العلمية المستنتجة من خلال التجارب صادفت تقدم الطب التقليدي على الطب العصري في عدة مجالات، فالأمر الهام هو أن يسير الطب التقليدي جنبا إلى جنب مع الطب العصري حتى يتعصرن، ولا بد من الاستفادة منه ففيه العجب.

خوات : إن الدواء التقليدي يعاب عليه أنه تقليدي.

مقداد : وهل هذه حجة؟ العيب ليس في كونه تقليديا، بل العيب في عدم الاهتمام به وتطويره وتكرار التجارب العديدة والمتنوعة على الفئران والقردة والأرانب.. وذلك بزرع داء السرطان في الكبد والأمعاء والطحال والدم، ثم إلقاء الدواء أو تجريبه عليها بعد أن يتم تطويره حتى يصير على  شكل عقاقير طبية، أو حقن يحقن بها المريض، ولي أمل كبير إن حصل هذا في إنهاء الداء اللعنة. وأما السرطان الخارجي كسرطان الثدي والعنق والفخذ والإلية فليست هناك صعوبة في القضاء عليه نهائيا، وكذلك سرطان العظام لليدين والرجلين.. ولا يحتاج الأمر إلا إلى تكرار التجارب على هذا الدواء مادام قد أثبت فعاليته في إيقاف نمو الخلايا السرطانية خصوصا إذا كان الداء في مراحله الأولى.

ـ ضياح : لا أكاد أصدق ما أسمع ؟

ـ مقداد : لقد استبعد الإنسان في الماضي الطيران وكذّبه فحصل. ولم يتصور أن يطأ الإنسان القمر فوطئه. وكُذِّب توماس مور في ادعائه أن المراكب البحرية سوف تعتمد على غير المجاديف مستقبلا وإنما على شيء غريب لم يستطع تصوره فظهر البخار، فكم من أمراض لم يكن دواؤها معروفا فعرف وقضي عليها، بل وتلقح الإنسان  منها، فلا تستغرب، وإن أصررت على الاستغراب فانتظر الغرب حتى يطلع عليك باكتشاف دواء السرطان والسيدا.. هذا ديدن المتخلفين.

ضياح : ثكلتك أمك، أنت المتخلف.

مقداد : صحيح أنا المتخِّلف المنحطّ، ولست سوى ذلك العاكس لواقع أمته المنحطة المتخلفة، فنهوضها هو نهوضي، وانعتاقها هو انعتاقي.

بدأ نسيم اليل يلفح الوجوه، وتأهب مقداد للتوجه نحو مقر إقامته ليحضر الدواء لخوات كما وعده ليقدمه إليه صبيحة اليوم التالي، وكان وقتها مشغول البال، فتحرك نحوه وما إن وصل بيته حتى انكب على تحضير الدواء بسرعة تحت نور القمر إلى أن انتهى من تحضيره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل العاشر

 

انتقل مقداد إلى عمل ما هو متصور في دماغه منذ فترة، فنصب أسلاكا معدنية من النحاس هنا وهناك، وكان قد حصل على مصابيح وضعها على بيته وشد إليها تلك الأسلاك، وشرع يصل بعضها ببعض ويصل سائر الأسلاك بسلكين معدنيين نحاسيين غليظين، ثم جرهما إلى شيء أسماه المِنشط وهو عبارة عن بطارية تشبه الصندوق أو العلبة، وقد ظهرت في جانب من جوانبها ثقبتان تسعان حجم السلكين النحاسيين وسمكهما، ثم نصبهما على منشطه في انتظار غرزهما في الثقبتين، وما أن وضعهما داخل الثقبتين ولامس السلكان المنشط حتى انفجرت المصابيح مخلفة دويا كأنه طلقات الرصاص وانتشر الضوء كالبرق اللامع، ووجد مقداد نفسه مرميا على بعد بعض الأمتار عن منشطه وقلبه يخفق بسرعة  كأنه في عدو سريع وصراع مستميت على الصف الأول مع بطل عالمي في ألعاب القوى.

سمع دوي الانفجار من مسافات بعيدة، وشوهد لمعان الضوء القوي ذي الإنارة الشديدة من مكان بعيد، فهرع الناس بمن فيهم خوات وضياح نحو مصدر الضوء، وما إن وصلوا حتى اندهشوا لما رأوا، وفوجئوا بمقداد ملقى على الأرض يلتقط أنفاسه وقد أخذته رعشة ظاهرة وصار كالمشلول، ثم طفقا ينهضانه فلم يقو على النهوض، ثم حملاه  لغاية إسعافه حتى هدأت أطرافه وأضربت جوارحه عن الارتعاش، ورجع إليه صوابه فتذبه ونهض يعدو نحو بيته وهما يناديانه فلم يأبه لندائهما فجريا خلفه بغية اللحاق به، ثم لحقوه وقد أشرف على مقر إقامته حيث الأسلاك منصوبة والمصابيح مبعثرة هنا وهناك وقد صارت زجاجا مهشما وفوجئوا به مرة أخرى يعيد الكرة فينصب الأسلاك ويصلها بالمصابيح كما حصل في السابق وهو يتمتم بكلام لا يفهم معناه والناس من حوله مندهشون، ولكنه هذه المرة عدل عن إيجاد منفذ للكهرباء لأنه علم أن منشطه يحتوي على أمبير عال جدا، وأن مصابيحه لا تتحمل شدة حرارتها، ثم أخذ الأسلاك كما فعل في الماضي وألصقها بالمنشط وغرزها في الثقبتين فانفجرت المصابيح مرة أخرى مخلفة ضوءا قويا دون دوي هذه المرة، ودون أن يلحقه من ذلك أذى، ثم أخذ مصابيح أخرى وأعاد الكرة المرة تلو الأخرى حتى نجح في تثبيت النور على المصابيح دون انفجارها والناس من حوله ينتظرون ويستغربون فأدار وجهه  نحوهم ونحو خوات وضياح وقال لهما : (( إنه الضوء من الكهرباء المخزن في هذا المنشط، وسيظل هكذا دون انطفاء لمدة طويلة، ومن الآن فصاعدا يجدر بنا إحصاء عدد الأيام التي يثبت فيها النور دون انقطاع قبل أن يخفت وينفذ الكهرباء من المنشط )).

ضياح : إنه فعلا نور.

مقداد : أريد جهازا لقياس قوة الفولط الذي يحتوي عليه المنشط.

ضياح: إن ما لديك بطارية، أليس كذلك ؟

مقداد : إنه يشبه البطارية، ولكنه المنشط يا سيدي.

خوات : لا شك أنك  خزنت فيه الكهرباء.

مقداد: أجل حتى أرى إمكانية الاستنارة به لمدة أطول.

ضياح : غريب ما صنعت يا مقداد.

مقداد :إن كان هذا غريب، فإني أتوق إلى ما هو أغرب منه، أتوق لرؤية المفاعلات الذرية، أتوق لأن أراها محمولة في الجيوب كعلب السجاير.

خوات : هل نستطيع استغلاله ؟

مقداد : أجل، لنضع الأسلاك المعدنية وننصبها بالمِنشط، ثم ننصب المصابيح للاستنارة.

خوات : هيا إذن.

مقداد: مهلا يا خوات من الأفضل الاقتصار على هذا الوضع حتى نحسب المدة التي يثبت فيها المنشط ويقوى على تزويدنا بالطاقة الكهربائية.

خوات : حسنا، ولكن هلا صنعت لنا غيره ؟

مقداد : إنها فكرة رائدة فلتساعدني عل ذلك.

ظل مقداد على حالته تلك بموازاة إبداء رغبته واستعلان طلبه القديم وتكرار ذلك كلما أحس من خوات شيئا من التقرب إليه والتودد معه فيفصح عن مراده ويبدي رغبته فيأتيه الرد كسابقه، كان يكره التوجه للقتال، ويكره البقاء في إيريتيريا ولكن  ماذا يفعل ؟ فخوات يربط مغادرته بشروط طويلة، وربما تعجيزية، ولكن في هذه المرة بحيث وبالرغم من قرب شفاء خوات من داء السرطان نظرا لأمارات ظهرت عليه تبشر بذالك، وبالرغم من ارتفاعه في نظرهم، وتقدريهم له، واحترامهم إياه لم يطلب منهم مغادرة إيريتيريا بحيث عدل عن قراره إلى أجل قريب بغية تمام ما وعدهم به من صنع المناشط الكهربائية ولكي يتفرغ لذلك طلب إعفاءه من الذهاب معهم لمقاتلة جنود روح مريم لأنه لا يرى فائدة من القتال وكان قد أطلعهم على آرائه بهذا الشأن دون جدوى حتى سنحت الفرصة بهذا الطارئ الجديد المتمثل في ابتكاره للمنشط الكهربائي فقبلا منه ذلك ووفروا له كل ما يلزم للقيام بتصنيعها.

أقام مقداد عندهم معززا مكرمنا لا يذهب إلى القتال، واستمر في نشاطه الدءوب على تطوير منشطه الكهربائي، وتفرغ أيضا لتطوير دواء السرطان حتى جعله سائلا يصلح للحقن، وجعل بعضه على شكل عقاقير تصلح للبلع ولم يعد يحتاج    دواؤه إلا إلى التجريب على الحيوانات من أجل رؤية نتائجه على الأعضاء الداخلية للأجسام المصابة بالسرطان، ومن أجل رؤية نتائجه على الصحة العامة للمصابين من الحيوانات التي تزرع لها الأورام السرطانية أو الخلايا المسرطِنة، وكلما فرغ من كل ذلك ولم تعد الحاجة إلا إلى ممارسة التجارب أضاف إلى نشاطاته تلك نشاطا في تعليم القراءة والكتابة لأبناء مصوع، وشرع يقاتل أمية الكبار منهم، استمر على وتيرته لعدة شهور، وبعد ذلك طلب منهم السماح له بمغادرتهم فما كان منهم إلا أن هيئوا له مركبا ظنا منهم أنه لا يزال يطلب ميناء مدينة مصوع، ظنوه ما يزال واكفا على رغبته في التوجه إلى البحر الأحمر إلى الجهة الشرقية منه، ولكنه أطلعهم أخيرا على رغبته في التوجه والعودة إلى السودان التي قدم منها منذ سنوات، وأفصح لهم عن مراده في طلب الشمال حيث الجياع، أو الجنوب حيث المتمردون، فخيروه في التوجه إلى أي منها، بل وطلبوا منه أن يرفقه أحد أو اثنان حتى يبلغ مراده، قدموا له سيارة الجيب التي طالما قاد مثيلاتها في أدغال إفريقيا، ولكنه رفضها، ورفض رفقة أي كان منهم، واكتفى بطلب حمله بسيارة الجيب إلى أن يشرف على القضاريف، ثم يخلّوا بينه وبين ما يطلب، أو يتركوه وشأنه، وفعلا وعدوه بذلك صبيحة الثلاثاء من الأسبوع القادم، وحين ركض اليوم الموعود يطوي الزمن طيا حضر مستعجلا فزودوه بكل ما يريده ويحتاج إليه في سفره، وحملوه مع اثنين منهم، وودعوه وداع الراغب في لقاء الأحبة وجوارهم لا الراغب عنهم وهو يطمئنهم ويعدهم بقرب عودته إليهم، ولكنه لم يضرب لهم موعدا.

بعدما ساروا بسيارتهم طويلا، وقطعوا مسافات عديدة وأشرفوا على مدينة القضاريف طلب مقداد من سائق السيارة التوقف عند مشارف المدينة التي لاحت لناظرهم من بعد قريب، ثم نزلها مقداد وشكر عَنْجَدة وصديقه ُمَليْل لما قدماه له من خدمات في رحلته هذه، وودعهما، ثم خطا في تؤدة نحو القضاريف وكان ذلك عند غروب شمس أنينة.

لم يستقر مقداد بالقضاريف طويلا؛ إذ سرعان ما غادرها متوجها نحو مدينة كسلا بغية ركوب القطار، وكان يهم بالتوجه في أقصر طرق إلى مدينة واد مدلى ليركب القطار من هناك، ولكن الذي منعه هو عدم وجود سكة حديدية توصل إليها ليتوجه من خلالها إلى مدينة الخرطوم التي يطلبها، وإذن فإن الرحلة سوف تطول كما يرى، غير أن أهم ما يراه فاضلا عن هذه هو معاناة الطريق، فطرح ما خالج نفسه جانيا، وركب القطار في اتجاه مدينة بور سودان وهو لا يطلبها، هكذا هي الطريق، وهكذا هي السكة الحديدية بحيث تصل مدينة كسلا بمدينة بور سودان وعند مفترق طرق القطار في سكته الحديدية توجد محطة له ينوي مقداد النزول بها في انتظار القطار القادم من بور سودان والمتوجه إلى مدينة عطبرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الحادي عشر

 

كانت رحلة مقداد هذه تتضمن تفكيرا جديا فيما عزم عليه، وآمالا طموحة تروم الإقدام وتتخذه ركابا، ونية في بذل قصارى جهده  لإنهاء ما يرى وجوبا لنهايته، وكلما مر بمدينة إلا وشغلته عن تفكيره وتأملاته لتمنحه واقعا يحتاج إلى نظر، وحركة من أبناء المدن تجذبه إليها بغية التعرف على انشغالات الناس واهتماماتهم، ثم تمنحه الهدوء المشوب باللاهدوء، والسكينة المشوبة باللاسكينة في تداخل مستمر، كما أنهما مخلوطان بهدير القطار العتيق الذي يستقله، وهكذا كلما مر على مدينة وغادرها إلى أخرى. ينزل في محطات القطار في طلب مقروء ما يشتريه للاطلاع والتعرف على قضايا الساعة مرورا بمدينة عطبرة ومدينة الدامر إلى مدينة الخرطوم حتى وصلها وحط رحاله فيها. قدم مقداد إليها بغية انخراطه في الجيش السوداني لغاية المساعدة في إنهاء مشكل الجنوب؛ إذ رغب في محاربة المتمردين وعلى رأسهم جون قرنق حتى لا يفصل جنوب السودان عن شماله، وحتى تظل لحمته متجانسة متآلفة كونها جزءا من البلاد السودانية، يندفع بانفعال إنساني يميل إلى الوحدة والاندماج، يضغط في الميل حتى لا يكون هناك تحقيق لما يسمى بالشمال والجنوب في انفصال بينهما.

تم له ما أراد فنشط نشاطا ملحوظا في صفوف المقاتلين الذين توجهوا إلى جنوب السودان لمقاتلة المتمردين. وتمضي الأيام والأسابيع والشهور فيكتشف أن حكومة السودان ليست جادة في إنهاء مشكل الجنوب، فيداخله اليأس ويصاب بالتذمر الشديد الذي ما فتئ يراوده، يضغط على ناصيته الندم على الانخراط في صفوف الجيش، ويزداد سخطه حين يرأى جعفر النميري يضع قضية الجنوب بيد أجنبية عدوة، فعلم أن جعفر النميري يعبث بمصير الجنود ويستخف بأرواحهم، فراح يثير الجيش ويحضه على الوقوف ضده وضد سياسته، ويكذِّب على مرأى ومسمع من الجنود ادعاء عثمان أبو عثمان في قوله : (( إن السودان سلة غذائية للوطن العربي.. ))، ويشرح لهم أن السودان لا يقوى على سد حاجيات ساكنته، فكيف يكون سلة غذائية للوطن العربي في الظروف الراهنة خصوصا وأن السياسة المتبعة وشروط صندوق النقد الدولي المفروضة عليه إنما تعمل على إبقاء السودان فقيرا معدما، وعالة على غيره بالرغم من كونه كفيلا بسد حاجيات سكانه، وكفيلا بسد حاجيات الوطن العربي كله؟ ولكن ذلك لن يتأتى إلا على ضوء سياسة تعمل على استصلاح أراضيه الشاسعة، واستغلالها استغلالا حقيقيا، ولإدراك كونه ليس سلة غذائية في الظروف الراهنة يلفت مقداد انتباههم إلى سيادة المجاعة وانتشارها وهو بلد عرف منذ القدم بأراضيه  الزراعية الشاسعة، وأن أكثر من سبعين في المائة من سكانه يعيشون عليها، ولكنها للأسف ليست مستغلة كما يجب لحاجة في نفس الدول الاستعمارية، وليس لحاجة في نفس يعقوب البريء,

وكلما حصلت مواجهة بين الجنود وبين المتمردين وحضرها مقداد إلا وأبلى فيها بلاء حسنا.

وحين سمع بتطبيق الشريعة الإسلامية على لسان جعفر النميري نشط في تكذيبه، وحذر من مغبة الانسياق وراء أكاذيبه لأن النميري إنما يريد إظهار أن الإسلام لا يصلح لهذا العصر، وإلا فما معنى تطبيق الحدود دون تطبيق سائر المعالجات الإسلامية في الاقتصاد والاجتماع والتعليم والقضاء والحكم وسائر مجالات الحياة ؟ زد على ذلك يقول مقداد أنه حتى وإن كانت الحدود أحكام شرعية يحرم تركها ويجب تطبيقها خلافا لما فعلته الدولة العثمانية في أواخر أيامها حين ألغت الحدود أو ما يسمى بقانون العقوبات واستبدلته بالقوانين الغربية المتخلفة، وبفتوى خطيرة وخاطئة من شيخ الإسلام؛ فإن تطبيقها لا يكون إلا بعد سيادة الإسلام في المجتمع، وتطبيقه كاملا غير منقوص ولو في جزئية واحدة من جزئياته، وأنه أيضا إن اضطر الجياع للسرقة، سرقة ما يحتاجون إليه لسد حاجاتهم العضوية، فإن الذنب ليس ذنبهم، والمسؤولية ليست على عاتقهم، بل على عاتق الدولة الإسلامية لأن الكًلّ العاجز؛ عليها، والرسول يقول : (( من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كَلاّ فعلينا )) وأنه قال أيضا : (( لا قطع في مجاعة مضطر )) ولم يقطع عمر بن الخطاب أيام المجاعة، فعلى الدولة بصفتها المسؤولة عن توفير الحاجيات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن.. لكل فرد فردا فردا، أن تعمل أولا على توفير ذلك، وتفتح المجال للتنافس في مجال الحاجات الكمالية، وحين تحصل خروقات واعتداءات على الملكية الخاصة تتمثل في السرقة مع أخذ النصاب بعين الاعتبار تقطع الأيدي كما تقطع الأرجل والأيدي لقطّاع الطرق، فهل حصل هذا في دولة السودان في عهد رئيسها جعفر النمير ؟ بالطبع لا، ولذلك فإن القطع الذي جاء به وابتدعه النميري هو أولى به من غيره، وأحصوا إن شئتم ممتلكاته، فما ذلك إلا عملا آخر يضاف إلى الأعمال الأخرى التي يحرص الاستعمار على تنفيذها على يد عملائه لإبعاد المسلمين عن الإسلام، وإظهاره بمظهر الهمجية حتى ينفر منه الناس بما فيهم أهله.

ويسقط النميري، ويقتعد موقعا له في مزبلة التاريخ، ويستلم الجيش السلطة، ويقود البلاد بمجيء سوار الذهب، ويتفاءل مقداد ويتابع نشاطاته باهتمام بالغ، ولكنه يفاجئ بشيء هم أقرب للاشيء، فيخيب ظنه. وتستجد أحداث، وتتخلل الأيام والشهور وقائع مثيرة خصوصا استفحال المجاعة في صفوف السودانيين، وتحصل تطورات عديدة، وأخيرا يسمع بمزاعم الجمعية التأسيسية ـ البرلمان السوداني ـ في انشغالاتها وانكبابها على إعداد مشاريع قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية تلبية لرغبة الشعب السوداني المسلم الطموح إلى التغيير، والتواق إلى سيادة الإسلام كما هو حال سائر الشعوب الإسلامية في جميع البلاد الإسلامية، ولكنه يقف مذهولا أمام ما طلعت به الجمعية التأسيسية، فينشط مقداد نشاطا قويا بصحبة صديقين له استطاع تكوينهما وجعلهما في مستوى النقد والتقويم بفضل الحلقات التي كان يعقدها لهما طوال مدة ليس كافية، ولكنها على الأقل مكّنت من إعداد ولو جزء بسيط من العقلية الإسلامية وهما : معتِّب والمجذِّر، فصار ينسق معهم.

يدعو إلى تجمعات تمكنه من إبداء آرائه واقتراحاته، وحدث أن احتشدت مجموعة من الناس وفيهم الضباط والجنود استعدادا للاستماع إلى كلمة مقداد التي ينوي تقديمها إلى الجمعية التأسيسية بعد عرضها عليهم، فجاء بنص كتابه المفتوح الموجه إلى الجمعية المذكورة، ثم اعتلى منصة أعدت له وشرع يلقي كلمته..

ولما فرغ من كتابه المفتوح قص شيئا من أيامه، وطوى جزءا من بساط عمره وهو ينتظر ما سيكون موقف البرلمان من كتابه، فكان لا شيء، وكانت البلاد تسير إلى الفوضى كما أخبر بذلك.. يسمع من قادة الجيش رغبتهم في حمل الدولة على تشكيل حكومة وحدة وطنية ليطالبها بقبول خطة السلام المعروضة لإنهاء حرب الجنوب، كان بمثابة إنذار سياسي موجه إلى الصادق المهدي، ثم قدموا له مذكراتهم السياسية الشهيرة، ولم ينته الأمر إلا باستلامهم السلطة، واستيلائهم عليها مرة أخرى بقيادة جديدة.

قامت القيادة العسكرية الجديدة بإلغاء الأحزاب، فأعجب بذاك مقداد لأنه يرى أنها أحزاب اسمية لا قيمة لها داخل السودان، ولكنه استاء كثيرا من تعميم ذلك على سائر الأحزاب؛ لأنه بنظره يوجد منها ما هو مخلص واع ومبدئي.

وتابع نشاط القيادة الجديدة، وراقبها، وأحصى عليها حركاتها، ثم فوجئ بقرار إعدام مهربي العملات الصعبة لأن ذلك يتنافى مع وجهة النظر الإسلامية التي يزعمون اعتمادها، فالإسلام في نظامه الاقتصادي يتعامل على أساس نظام الذهب والفضة. ويرى مقداد أنه للرجوع إلى تطبيق هذا الجزء من الإسلام دون أن يكون الرجوع كاملا في جميع مجالات الحياة خطر كبير على المسلمين، وأمر يحرمه الشرع على مستوى الجماعة الإسلامية. فالرجوع إلى قاعدة الذهب والفضة مطلوب تحققه، وليس إعدام الناس لمجرد أن تصرفوا في أموالهم ببيعها واستبدالها وإخراجها أو ما شاكل ذلك، ولحل هذه الإشكالية يرى مقداد الرجوع إلى قاعدة الذهب والفضة على النحو التالي:

أولا: إيقاف طبع النقود الورقية.

ثانيا: إعادة النقود الذهبية والفضية إلى التعامل.

ثالثا: إزالة الحواجز الجمركية من أمام الذهب والفضة وحيازتهما بيعا وشراء وتعاملا في العقود.

رابعا: إزالة القيود على تملك العملات الرئيسية في العالم، وجعل التنافس بينها حرا حتى تأخذ سعرا ثابتا بالنسبة لبعضها وبالنسبة للذهب من غير تدخل الدول بتخفيض عملاتها أو تعويمها.

واستمر مقداد يتحدث إلى الناس، ويبدي لهم حلولا لمشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والقضائية.. وكان ممن اطمئن إلى آراء مقداد واقتنع بها أفراد قليلون بينهم " كرز " و " كلفلة " و" خيثمة " كانوا يلازمونه إلى جانب " معتب " و " المجذر " صديقيه القديمين.

وفي أمسية هادئة جلس إليهم جميعا للمناقشة والاستفادة والنظر في شؤون البلاد فبادره أحددهم:

ـ لقد تم إلغاء التعامل بالذهب والفضة إلغاء كليا في 15 ـ 08 ـ 1979 على يد نيكسون، ومنذ ذلك الوقت والعالم لم يعد يتخذ الذهب والفضة عملة ونقدا، فكيف تسمح الولايات المتحدة الأمريكية بالرجوع إلى قاعدة الذهب والفضة وهي التي أزالته، وهي التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، والتجارة الدولية؟

مقداد: متى ما تركت الحرية للذهب فإنه سوف يكسب أسواقا مفتوحة في فترة زمنية قصيرة، وبالتالي فإن جميع العملات الدولية ستأخذ سعر صرف ثابت بالنسبة للذهب، وسيأخذ التعامل الدولي بالذهب طريقه إلى الوجود حيث سيجري دفع قيم العقود لسلع مقدرة قيمتها بالذهب.

ـ إن هذا يجب أن تفعله أمريكا، وليس غيرها.

ـ لا، ألست ترى معي أنه إذا قامت دولة واحدة بهذه الخطوة فسيتحقق اعتمادها على قاعدة الذهب ولو داخليا؟ ألا يكون هذا تشجيعا لغيرها من الدول على إتباعها مما يؤدي إلى التقدم نحو إعادة نظام الذهب مرة أخرى إلى العالم؟

ـ لا توجد هناك دولة أجدر من دولة متحررة فعلا وليس اسما للقيام بذلك، لأن العودة إلى قاعدة الذهب والفضة حكم عادل واجب الإتباع بالنسبة إليها، لأن العدالة عينت مسؤوليتها عن العالم، وهي مسؤولية هداية ورعاية.

مقداد: هذا صحيح، ولكن بالرغم من غياب دولة متحررة فعلا، فإن ذلك لا يمنع من تحقيق الرجوع إلى قاعدة الذهب والفضة.

ـ ولكن الدول الكبرى، والدول التي لها تأثير في التجارة الدولية سوف تظل على غير قاعدة الذهب والفضة.

ـ إيه نعم، فكيف يمكن أن يتحقق هذا؟

ـ لا رجوع إلى قاعدة الذهب والفضة في غياب الدولة المستهدفة.

ـ رويدكم، صحيح لا داعي لانتظار المبادرة من الدول الاستعمارية والدول الطامعة، ولكن إذا جدَّت دولة غيرها في تحقيق التحرر فسيمكنها الوصول، وذلك بنهج سياسة الاكتفاء الذاتي، والتقليل من الاستيراد، والعمل على تبادل السلع التي لا تستغني عن استيرادها بسلع موجودة عندها، لا بالذهب والفضة، والعمل على بيع السلع الموجودة عندها بسلع تحتاج إليها، أو بالذهب والفضة، أو بالعملة التي هي في حاجة إليها لاستيراد ما تحتاج إليه من سلع وخدمات، ثم أن تتجنب تحديد سعر ثابت بين وحدة الذهب، ووحدة الفضة، وعليها أن تترك سعر الصرف يتبع تقلب ا|لأسعار، لأن تحديد سعر صرف ثابت بين الوحدتين سيترتب عليه اختفاء الوحدة النقدية التي ترتفع قيمتها السوقية على قيمتها القانونية من التبادل وبقاء الوحدة النقدية الرخيصة، لأن النقد الرخيص يطرد النقد الجيد من التداول.

جمع مقداد أصدقاءه وخاطبهم بكلمة قصيرة:

(( سوف أترككم وأتوجه إلى الشمال، ورجائي الحار أن تستمروا في نشر المفاهيم الصحيحة لعل شعبنا يتبناها، أو يصير لها رأي عام منبثق عن وعي عام يمكِّن من توفير سلطان لها يعمل على إيجادها في معترك الحياة وحمايتها والمحافظة عليها، ثم حملها خارج البلد، فالظاهر أن لا فائدة من البرلمان السوداني، ولا ممن يقودون البلد حاليا )).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأخير

 

 فر مقداد من العسكرية وغادرها إلى المناطق المنكوبة، إلى المخيمات المكتظة بالجياع والتي عاش فيها فترة من الوقت مع أبويه وأخيه، حرص على الوصول إليها رغم الصعاب التي سيواجهها في تستره عن الأعين مرة أخرى لأنه يدرك ذك من خلال قانون ملاحقة  الفارين من الجندية، وإن قبض عليه، فلا بد من معاقبته، ويعلم الله مدى قسوة تلك العقوبة،، وربما أوصلته إلى الإعدام، ولن يكون أقل جرما من مهربي العملات الصعبة الذين ُسنّ في حقهم الإعدام ظلما وعدوانا.

صار يطلب الشمال، يجدّ في الوصول إليه حتى وطئته قدماه، حيز منكوب، ومخيمات أنينة، ثم بدأ يتخلل الناس وكأنه أحدهم بعد أن غير مظهره، ثم استقر هناك معهم فترة من الوقت لا يبدي فيها حراكا يمكن أن يلفت الانتباه، وكان خلالها يفكر في عمق هو أقرب إلى الاستنارة، يرسم مخططا سوف يعمل على تنفيذه إن استطاع.

صارت مخالطته للجياع مخالطة كلها إثارة، فبمجرد أن يسفر الصبح حتى يركض نحو الساحات الكبيرة والأفضية العارية ويقف فيها أو يقعد وينادي في الناس أن هلمّ إلى هنا، وحين يجتمعون إليه يشرع في استفزازهم، ويحرص على تبصيرهم بكثير من عيوب الساسة والحكام، ويبعث فيهم الأمل، ويحرك بقية من طاقة مدفونة في أعماقهم التي كادت تموت بتبلد الإحساس الذي غشيهم، يشجعهم على القيام ببعض الأعمال التي يعتبرها هادفة ويعتبرونها مستحيلة.

صارت مفاهيم الثورة والانتفاضة والتحرير ودفع شبح المجاعة والتمرد على الجوع؛ الشيطان الأقرع المخيف، حتى غدا مقداد رمزا لكل ذلك، وأضحى أحد المؤهلين لقيادتهم نحو التحرر من الجوع والبؤس أولا، ثم الاستعمار الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي ثانيا، أحبوه وطفقوا يسلمونه قيادتهم بشكل طبيعي بعد أن فرض نفسه عليهم من خلال صدق نصائحه، وقوة فكره، وصفاء لهجته، فلفت الأنظار إلى أن أريد به شرا، ولكنه كان في مناعة تامة، إذ كلما تقدم إليه أحد يريد اقتياده إلى مكان يعينه له كلما أدرك الكذب في لهجته من خلال تأمل ناصيته، ولم لا وهي الكاذبة الخاطئة؟ كان الجياع يتجمعون حوله، ويتحلقون به محاولين التقرب منه حرصا على إرضائه ولو بإشارة بسيطة منه، كانوا حصنه المنيع، والحائلين دون اقتياده بالقوة إن مورست من طرف الذين يرون معاقبته والقبض عليه، كان مقداد يهيئ لكل أمر مخرجا حين عرف ما ُيدبَّر له، وما يحاك ضده، فجعل الجياع سنده حتى استحال ملكة في خلية حصينة، استمر على حالته تلك في حرص تام على توسطهم.

شاهد المساعدات المقدمة من جهات عديدة لمحاولة احتواء نقمة الجياع، وعدم زحفهم المحتمل إلى مناطق أخرى غير التي اختيرت خصيصا لهم، وشاهد مرارا وتكرارا طوابير من الجياع يتناولون الأغذية والأغطية والخيام.. ورأى الشح الذي ما بعده شح في هذه المساعدات لأنها لم تقطع دابر الجوع، ولم تستأصل البؤس، ورأى الرغبة الملحة في حصر الجياع في انتظار رحمة البخلاء أو يهلكوا جوعا كعادتهم كل يوم، وشاهد طفلا يركض وراء شاحنة لعله يحظى بدفتر واحد يحتاج إليه لتعلم القراءة والكتابة..

لما أحس مقداد بصدق انقيادهم إليه طلب منهم الرحيل والهجرة في موعد حدد لهم إلى حيث إخوانهم وجيرانهم الجياع أمثالهم بإريتريا. ولما قدم اليوم الموعود مثخنا بالجراح بسبب الطعنات الغادرة، مليئا بالمعاناة التي تسبب فيها المحتل، شاكيا من الظلم للظالم؛ خرج مقداد على الناس كعادته، وعلا مرتفعا ، ثم خاطبهم قائلا:

(( إن الأرض كل الأرض مخلوقة للإنسان، وإننا ميتون رغم وجود سر الحياة فينا، ولذلك يجب أن نرحل من هذه الأرض إلى أرض أخرى يوجد بها من هم على شاكلتنا من الجوع والبؤس والحرمان، وبعد أن نصلهم ونضمهم إلينا نزحف كالجراد نحو البحر الأحمر لاجتيازه إلى أرض مباركة يكثر فيها الخير وُتؤمَّن فيها الحياة، ولا يموت فيها الإنسان جوعا أو عطشا، واعلموا أننا حين نتحرك سنكون فعلا كالجراد المنتشر، ولا بد من التعرض لنا، وبما أننا ميتون، فلن نستسلم أو نقبل بالرجوع إلى مخيماتنا مهما ُوعِدْنا، وحتى لو أطلقوا النار علينا لإرجاعنا أو لمجرد ترهيبنا وتخويفنا فمن الأفضل أن نموت بالرصاص على أن نموت جوعا، فالموت بالرصاص موت سريع مريح، والموت جوعا موت بطيء خبيث، ومن سقط منا بالرصاص دفناه في الحال ولا نتوقف عن الزحف، وليكن زحفنا بطيئا، ومن لم يقو على السير حملناه، ومن أجهده الجوع أكثر من غيره دفعنا له بالطعام القليل الذي نحمل لأنه أولى به من غيره، وهكذا إلى أن نصل ونطأ أرض الجياع أمثالنا، فهل أنتم ملبون؟)).

أجاب الناس على كلام مقداد دفعة واحدة، وبصوت واحد وصدى مختلط لا يكاد يبن، ولكنه لا يعني إلا الاستجابة، فطفقوا يجمعون الأغطية والخيام وبعض الأطعمة، ثم تقدمهم مقداد إلى جانب بعض الفتيان النبيهين حريش وعدي ومهجع وعاقل وجدرة ورفاعة وتحركوا في اتجاه إقليم إريتريا.

علم بعزمهم على الزحف نحو إريتريا فنشطت ووضعت حواجز لمنعهم من الدخول إليها، وأقامت معسكرات على طول الخط المرشح لاجتياحهم إليها عبره، كما طوقتهم جنود مدججة بالسلاح يخوفونهم ويحاولون ثنيهم عن قرارهم دون فائدة، ثم تسللت مجموعة من الجنود يقصدون مقدادا من أجل اعتقاله نظرا لكونه موتور هذا الزحف المرعب، وما إن اقتربوا من مقداد حتى حيل بينهم وبينه، وذلك كما يفعل النحل بالملكة، تحلق حوله الجياع حتى اختفى ولم يعد يظهر له ظل، غار فيهم وغاض كما يغيض الماء، أسقطوا قتلى وجرحى لعلهم بذلك يرهبونهم فيخلوا بينهم وبين مقداد دون حصيلة، فرجعوا خائبين ، ثم سمعت أصوات منطلقة من مكبرات الصوت تطلب من الجياع الهدوء والالتزام بقرار التوقف عن الزحف، ولكنهم لم يأبهوا لذلك، واكتفوا بالهمس وتحريك الشفاه بكلمات لا تفهم، ولكنها تؤكد انشغال قلوبهم، واحتفال أذهانهم بمن ربطوا صلتهم به.

كلما استمروا في الزحف سمع مقداد يحثهم على الانشغال بكلمات لقنها لهم، يتناجون بها حتى لا يفتنوا أو يرجعوا، ولما لم يفلح الجنود من إيقافهم، وكانوا منقسمين على أنفسهم، منهم من يرى قتلهم جميعا والتخلص منهم خصوصا الضابط قشير، ومنهم من يرى إسقاط مزيد منهم حتى يقفوا، ولكن لا خوف، ولا تراجع، شوهدت مروحيات تحلق فوق رؤوسهم وهم يشبهون الجراد المنتشر لعلهم يدخلوا في روعهم عدم جدوى الرحيل فتشل حركتهم، وبينما هم يزحفون، وعند طفو اليأس عن ثنيهم فوجئ الجياع بالطلقات النارية صوب السماء تهديدا ووعيدا، ولكنهم مصممون على المضي قدما نحو غايتهم، ثم أعيدت الطلقات النارية مرة أخرى دون أن تؤثلا في عزمهم، ودون أن تحدث شرخا في كلمتهم، ثم صوبت المسدسات والبنادق الرشاشة إلى نحورهم، ثم أطلقت النيران بكثافة فبدأ الجياع يسقطون، وكلما سقطت مجموعة إلا وحفر الجياع لها حفرا، ثم واروها التراب، وتكر ذلك، وحفرت حفر كبيرة لاستيعاب المزيد من القتلى ووضعها فيها، وظلت الطلقات متواصلة، والناس تسقط، والموت يحصد، سقط العشرات، ثم المآت، وعند هذه الأرقام طالبهم مقداد بالتخلي عن الحفر لدفن الموتى، وطلب منهم تركها للذين قتلوها ليواروها التراب لأنه يرى ذلك كنتيجة حتى لا تنتشر الروائح وتتهيأ الأوبئة لموسم القطف، طالبهم بالتوقف والتزام الهدوء ريثما يتفاوض مع الإريتريين ثم ينطلقوا من جديد، فتقدم مقداد نحو أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا  فعرفوه، وحين عرفوه واستفسروه عن أمره وعزمه شرعوا يعينونه ويساعدونه فانطلقت من جديد مسيرة الجياع يتقدمهم مقداد والفتيان السبعة، وانتخب الثوار رجلا منهم ووضعوه رهن إشارة مقداد مع وسائل نقل بما فيها الدواب، حملوه إلى الجياع الذين تكتظ بهم المخيمات بإقليم إريتريا لينضموا إلى بعضهم البعض حتى لا يبقى جائع واحد، ثم ينطلق بهم جميعا إلى حيث يريد.

لم تدم مدة نقلهم أكثر من شهر واحد، جاءوا بهم مترجلين وركبانا حتى تجمعوا بأكملهم، تجمع الجياع بالملايين، كان مشهدا رهيبا حقا، يثير الدهشة والاستغراب، وكان سيرهم هذه المرة سيرا لا ينظر إليه إلا كما ينظر لزحف الجراد، يتقدمهم مقداد والفتيان السبعة، على كل فرقة منهم أحد الفتيان، لم يمكثوا بالمخيمات طويلا إذ مجرد ما التحموا بإخوانهم بإريتريا وقضوا معهم وقتا واستكمل العدد تحركوا إلى الشواطئ الغربية للبحر الأحمر، قصدوا سواحله الغربية، ولما وصلوها توقفوا وحطوا رحالهم في انتظار ما سوف يأمر به مقداد.

نشط مقداد في طلب المراكب التي ستقلهم إلى السواحل الشرقية للبحر الذي ينوون خوضه، جلب عشرات المراكب، ولكنها لم تكن كافية، فكر في جلب غيرها من جيبوتي أو مصر أو أثيوبيا أو حتى الصومال وأوغندة، ولكنه عدل عن فكرته وتخلى عن إلحاح ذهنه وقرر نقلهم في المراكب الموجودة والمتوفرة لديه جماعة تلو جماعة..

كان الجياع يركبون في لهف شديد بمجرد أن أذن لهم مقداد، حرص على تنظيمهم وانتقاء الركاب فضاقت بهم المراكب، وصار يوجههم ويوصيهم بأخذ الهدوء والسكينة حتى يصلوا إلى الساحل الشرقي للبحر الأحمر فينزلوا شواطئه وسواحله ثم تعود المراكب إلى الساحل الغربي من أجل نقل الآخرين حتى لا يبقى أحد في أرض إريتريا.

ركب قسم كبير منهم، صعدوا مراكبهم فمخرت بهم وسواعدهم تدفعها بالمجاديف، ومنها ما تدفعه محركات، توغلوا في البحر، وساروا عقدا بحرية صارخة إلى أن اقتربوا من السواحل الشرقية وبدت تلوح لهم في الأفق أمارات البر، استمروا في سيرهم، وصودف أن كان البحر هادئا ذلا، والرياح معتدلة ساكنة، تهب من جهة المتوسط عبر الأحمر حتى خليج عدن، ولما اقتربوا أكثر ووضحت الرؤية شاهدوا على السواحل التي ينوون نزولها والاستقرار فيها قوات عديدة مدججة بالأسلحة، شاهدوا جنودا متأهبين متحفزين، شاهدوا مروحيات جاثمة على هضبات، وبينما هم في سعيهم بالمراكب المندفعة سمعوا أصواتا لم يتبينوها، ولما اقتربوا أكثر  تبينوا أنها أصوات تخرج مدوية من مكبرات الصوت فوعوها، كانت عبارة عن أوامر تصدر إليهم، كان إنذارا لهم وتحذيرا من مغبة الاقتراب من الشواطئ والسواحل، يتضمن الخطاب طلب التحول إلى جهة أخرى إن في عمق الجنوب إلى جهة جيبوتي وإما في عمق الشمال إلى جهة مصر، لم يأبهوا لكل ما سمعوا وظن أنهم لم يسمعوا أو يعوا الأوامر فحلقت فوقهم مروحيات تأمرهم هي أيضا بأوامر القادة العسكريين دون جدوى، ولما تبين أن الجياع لن يرجعوا أطلقوا عليهم النيران، قصفوهم بالمدفعيات والصواريخ، أحاطوهم بزوارق حربية وظللوهم بطوافات للحيلولة بينهم وبين ما يريدون، أصيب العديد منهم، وغرق من شدة الفزع الكثيرون، ضج الناس، واختلطت الأصوات، أصوات البكاء والصراخ بأصوات الرصاص وطلقات المدافع دُمِّرت بعض مراكبهم فألقت بحمولتها نحو القيعان، ثم استسلموا لهم وطلبوا العودة من حيث قدموا.

رجع ما تبقى منهم لا يلوون على شيء حتى وصلوا السواحل الغربية للبحر الأحمر، ثم نزلوا مراكبهم وقد خاب ظنهم وكادت تثبط عزائمهم، اقترب منهم مقداد ليستعلم منهم ما حصل، ولما علم حثهم على الصبر، وانتخب القادرين من الجياع لجلب الأخشاب والألواح وكل ما يصلح للسباحة أو يجعل الجثث تطفو على الماء، شرع يربط الألواح والأخشاب ويصلها بالمراكب، لم يترك وسيلة إلا اتخذها، ولا حيلة إلا ركبها، ولا أداة إلا استعملها، ثم أركب النساء والأطفال والشيوخ، وطالب ممن تبقى التعلق بما أعده لهم، ثم بدأوا في تحركهم مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحركات لم تترك جائعا واحدا متخلفا عن الملايين، ساروا كسيرهم الأول ليهلك من هلك عن ضعف، ويحيي من حيي عن قوة، وما إن اقتربوا من السواحل الشرقية للبحر الأحمر ليتطلعوا إلى الجنود والأسلحة كما كانوا متوقعين إذ بهم يفاجئون بخلو السواحل والشواطئ من أي جندي، وتشطيبه من أي سلاح، فدققوا النظر أكثر، وأمعنوا في التركيز غير مصدقين حتى لاح لهم شيء غريب، لاحت لهم أجسام ضخمة منتشرة على طول السواحل، بدت لهم جثث أجسام آدمية ليست عملاقة فحسب، بل فاقت في طولها وهي منتصبة جبالا الهيمالايا، تبينوا أن بطونها منتفخة وربما مجوفة تسع لاحتضان وهضم ضعف عددهم، لاحظوا حين رفعوا هاماتهم للنظر إلى رؤوسها خراطيم طويلة تشبه خراطيم الفيلة؛ كل خرطوم كأنه تورنا دو مدمر، وأما رؤوسها فلم يرتأوا غير نعتها بأنها رؤوس الشياطين.

على الرغم من هذا المشهد المرعب، كان الجياع في نشاط دءوب، وحيوية موصولة رغبة في النزول إلى البر والاستقرار بالسواحل، بدوا منتشرين على سطح البحر  تقلهم المراكب والألواح والأخشاب، نزل العديد منهم الجزر وهم يعبرون، نزلوا أرخبيل "حنيش الصغرى" و"حنيش الكبرى" وسقط العديد لأسباب عديدة، وبينما هم في نشاطهم وحيويتهم فجأة لمعت عيون الأجسام الضخمة حتى لكأنها البرق، وصدرت عنها أصوات منكرة، وانطلقت ريح شديدة كأنها إعصار يستنبت استنباتا، فتوقف الناس عن الحر كوة لهول ما رأوا، وحذقوا النظر إلى ما صدر عن الأجسام الضخمة ذات البطون المجوفة والرؤوس الخبيثة لا يتحركون ولا يفطنون إلى الاتجاهات التي بدأت تسير فيها مراكبهم في اندهاش وخوف وهلع، فأخذتهم حركة الأجسام العملاقة إذ انحت على مياه البحر كما تفعل الفيلة بغية الإرواء، ثم رفعت لرأسها لدقائق معدودة، لم يتنبه الجياع لشدة مصابهم، ثم انحت مرة ثانية وكأنها تريد الشراب فغرفت من مياه البحر غرفة أخرى انحسرت لها مياهه بضعة أمتار وكأن ساعتها ساعة جزر، ثم سمعت أصوات الزفير في تبين تام بخلاف الزفير الأول، فخرجت من أنوفها وخراطيمها الحيتان والأسماك والقشريات والرخويات وسائر ما اغترفته إلا المياه، ثم حصلت انحناءة ثالثة ورابعة، وتكرر ذلك مرات عديدة.

استمرت الأجسام الضخمة ذات الأبدان الآدمية، والوجوه البشعة، والرؤوس الشيطانية الجهنمية تغرف والمراكب تنزل إلى قاع البحر حتى استوت على قاعه وقد غطته الحيتان والأسماك وساكنة الأعماق فاستبشر الجياع خيرا، وظنوا أنها أرضهم الجديدة التي سيستقرون فيها، وبينما هم على حالتهم تلك من الفرحة، وبينما هم مشدودون إلى ما لاقوه وأحسوا الطمأنينة تداعب قلوبهم وتدفعهم إلى الحياة دفعا، وإلى ممارسة الإشباع بعد أن ملوها وسئموها، بينما هم كذلك إذ بهم يفزعون من جديد فزعة ليس لها ما بعدها إلا تلك التي تتربص للهيمنة عند الفزع الأكبر، عند يوم  يأمن فيه الآمنون، ويقلق فيه المجرمون، سمعوا من داخل كيانهم، ومن خلال وجدانهم بهدير مهول مرعب، إنه المحيط الهندي، لقد زمجر هو أيضا بعدما استفز فقدم إليهم في موج كالجبال حتى لكأنه الطوفان الجديد، قدم في دنيا الجياع من دون معية نوح يريد إعادة طوفانه، حتى السماء أوشكت على الإطباق، ثم ألقت بغيومها حتى لامست به رؤوس البؤساء، صنعت آفاقا أغرقتها في ظلام دامس، ثم نشرته على الجياع، غشيهم الظلام وامتد حتى مد بصرهم، ظن الناس أن قد عموا، لم يعودوا يرون غير الظلام، غاب تمييزهم للألوان ماعدا اللون الأسود، تذكروا دعوة الأعمى الخبيث الذي طلب من الله أن يكون الناس عمي مثله حتى يتساووا معه بعميه، داهمهم السواد، داهمهم لون الشقاء يعفس الأمل ويمرغه، لون الحرمان، لون الظلم والحيف، لون الجبروت والقهر، لون الضيم والإحباط..

أقبل المحيط الهندي يحمل ظلم الناس للناس، ولكنه يأبى رفع الشكاوى إلى الطغاة والظلمة، لا يؤمن بشكوى من ظالم ترفع إلى ظالم مثله، أقبل لا يبغي بغيا، ثم أطبق على الجياع، أطبق عليهم فأراح معدهم الجائعة، وأمعاءهم الملتوية كما أراح منهم الشبعانين.

 

.....................

 

بيانات عن صاحب الكتاب

 

محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي من مواليد طنجة سنة 1954.

عمل مدير ورئيس تحرير مجلة (الجيرة) التي كانت تصدر في طنجة، وتوقفت بسبب انشغالاتها في طباعة الكتب الثقافية التي تخرجها على شكل سلسلة.

عمل رئيسا للقسم الثقافي بمجلة (المهاجر)، و جريدة (صوت المهاجر) اللتين كانتا  تصدران في غرناطة بإسبانيا...

أستاذا محاضرا في المؤسسات الثقافية بغرناطة في المعهد الأوروعربي، والكليات منها محاضرة عن الإرهاب في كلية العلوم السياسية بغرناطة  بتاريخ: 14 / 12 / 2001 .

حاضر في المؤسسات الثقافية بطنجة منها محاضرة خاصة للأساتذة الإسبان الذين يقدمون من شتى المدن الإسبانية يتطوعون في جمعية الأمل المغربية لتعليم اللغة الإسبانية.. كانت المحاضرة عن الهجرة السرية في المعهد الوطني للعمل الاجتماعي  INAS بتاريخ: 13 غشت سنة 2008م بمناسبة صدور كتابه الهجرة السرية (مجموعة قصصية) مترجما إلى اللغة الإسبانية في نفس السنة.

ومحاضرة عن الأدب الممدري في غرفة التجارة والصناعة والخدمات بطنجة في: 13 مارس 2009.

عمل معدا ومقدما لبرنامج: دنيا المرأة، وبرنامج: أدبيات بإذاعة  مدي أنطر (إذاعة المنار اليوم) ببروكسيل سنة 1987 1988.

وأستاذا بالمدرسة العربية ببروكسيل  سنة 1987 1988 .

ومعلقا سياسيا بإذاعة ميدي 1 ببروكسيل سنة 1987 1988.

فاز بجائزة أحسن رسالة صحفية بجريدة الشرق الأوسط سنة 1988 .

فاز بجائزة المربد للقصة القصيرة سنة 2006.

فاز بجائزة ناجي نعمان للإبداع سنة 2007.

منحت له مطلع هذه السنة (سنة 2009) الدكتوراه الفخرية وهي درجة تمنحها الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب للشخصيات العربية التي قدمت إسهامات بارزة في ميادين الترجمة والعلوم اللغوية واللغة العربية والثقافة والإبداع، وذلك بهدف تكريم وإبراز الشخصيات الأكثر عطاءً وإبداعا وتأثيرا في حركة الثقافة العربية.

نشرت له أعمال بكل من جريدة الشرق الأوسط، والسياسة، والحياة الجديدة، وحق العودة، ومجلة الناقد، والمهاجر، والوعي، ومعظم الصحف المحلية والجهوية الصادرة في طنجة..

ـ يعمل حاليا مدير سلسلة الكتب الثقافية لمنشورات مجلة الجيرة.

ـ يعمل رئيس جمعية الجيرة للتفاعل الثقافي.

ـ مدير ورئيس تحرير طنجة الجزيرة ( جريدة إلكترونية ).

 

نشرت للمؤلف الكتب التالية

 

 

ـ1ـ تائية الانتفاضة. (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 2002.

ـ2ـ الكلام الذهبي. (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 1999.

ـ3ـ حكومة الجرذان . (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998.

ـ4ـ الديك المترشح. (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998.

ـ5ـ الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية سنة 2003 والنشرة الإلكترونية الأولى وقد صارت فيها المجموعة من الأدب المَمْدَري سنة: 2007 والطبعة الأولى بالإسبانية سنة:2008.

ـ6ـ انتفاضة الجياع (رواية) الطبعة الورقية الأولى سنة 1999، والنشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م، وقد صارت من الأدب المَمْدَري. 

ـ7ـ التفكير بالنصوص. (بحث أكاديمي) الطبعة الأولى سنـة: 1999.

ـ8ـ وجـه العـالم في القـرن الحادي والعشرين. (دراسة مستقبليـة للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999.

ـ9ـ الإعلام والطبيعة. (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001.

ـ10ـ الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002.

ـ11ـ الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008.

ـ12ـ ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب  المَمْدَري  للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009.

ـ13ـ طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري) الطبعة الورقية الأولى: 2009. 

وله أعمال جاهزة، تنتظر دورها في الطباعة مثل: النظرية المَمْدَرية (في الفكر والأدب والفلسفة..) والإعلام والطبيعة (الجزء الثاني).ونساء مستعملات (رواية مَمْدَرية) والألق المتمرد (شعر).

 

للاتصال بالمؤلف

 

 

العنوان بالمملكة المغربية:

 

 

محمد محمد البقاش

 

حي الزودية  ـ زنقة : 10 ـ رقم :  16 ـ طنجة  ـ المغرب.

 

Mohammed Mohammed Bakkach

Quartier: Zaoudia – Rue 10 - N: 16 Tanger – Maroc.

 

Site :

www.tanjaljazira.com

www.bakkach.c.la

www.aljyra.c.la               

 

Email:                                                       

 

mohammed_bakkach@hotmail.com

Asociacion.aljyra@hotmail.com  

 

الهاتف النقال:

 (+212)671046100

مؤلفات الكاتب

 

 

في الأعلى من اليمين إلى اليسار:

 

ـ الليالي العارية (أقصوصـات صحافيـة) ـ الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) ـ تائية الانتفاضة (ديوان شعر) ـ التفكير بالنصوص (بحث أكاديمي) ـ حكومة الجرذان (قصة بالكاريكاتير للأطفال) ـ الكلام الذهبي (مجموعة حكم) ـ الديك المترشح (قصة بالكاريكاتير للأطفال) ـ الهجرة السرية (مجموعة قصصية الطبعة الأولى) ـ الهجـرة السـرية (الطبعة الثانية) ـ الهجرة السرية مترجمة إلى اللغة الإسبانية Clandestina  La  Inmigracion ـ انتفاضة الجياع (رواية) ـ ظلال الطفولة (قصص مَمْدَري للصغار والكبار) ـ وجه العالم في القرن الحادي والعشرين (دراسة مستقبلية) ـ الإعلام والطبيعة (دراسة) ـ طنجة الجزيرة ( رواية ممدرية للصغار والكبار).

 

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl