الرئيسية » مقالات



التجني الرخيص على القرآن والتاريخ والخلافة


يوسف الصديق مفكر تونسي كما يصفونه وليته يكون مفكرا حقا، يوسف الصديق لا يفهم الخلافة والدليل على ذلك أنه ينظر في أخطاء الخلفاء ويبني عليها علما بأن الخلافة تاج الأحكام الشرعية وهي رئاسة عامة لإقامة شرع الله، فإذا وجد من يسيء في تطبيق شرع الله فذلك لا يطعن في الخلافة لأنها أحكام شرعية جاءتنا من الله عزّ وجلّ وشرَّعها محمد صلى الله عليه وسلم في السنة التي هي أيضا وحي.

أما نعته بالكذب للتراث فهذا تجنّ، ذلك أن تراثنا هو أعظم ثروة معنوية نملكها، وقد وصلنا بأصح الطرق وهي طريق الرواية الصحيحة، فإذا وجد في بعض الروايات ضعف فمن الظلم بمكان أن يبني عليها الباحث كما يفعل هذا المفيكر الضحل.

أما قوله إن المصحف غير القرآن فذلك قول مُغْرض لا يقوله إلا خفيف العقل مُشَنْكل البصيرة، فالمصحف من الصحف، والصحف التي كتب فيها القرآن صيرت تلك الصحف قرآنا، حتى العظام وسعف النخل والحجارة كانت قرآنا حين كتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا نسخت بيدك كتاب الله عز وجل، ثم شرعت تقرأ فيه، فهل تقرأ القرآن أم تقرأ الصحف؟ إنك تقرأ القرآن في المصحف، أي تقرأ ما كتب في الصحف، وتقرأ ما كتب في العظام، وتقرأ ما كتب في الحجارة، وتقرأ ما كتب في سعف النخل، فإن كان المكتوب شعرا فأنت تقرأ الشعر، وإن كان المكتوب قرآنا فأنت تقرأ القرآن، هذا التفريق دل على قصر النظر لهذا المفيكر.

أما خوضه في ترتيب القرآن فقد دل على جهل، فالقرآن الكريم قد رُتِّب في زمن عثمان كما نعرفه الآن، وقد كان لعلي مثلا مصحف مترتب بحسب التنزيل، والسؤال الصافي غير المغرض هو: هل كان ما في مصحف علي هو عينه ما في مصحف عثمان؟ الجواب قطعا نعم، ولا داعي للالتفات إلى كذب الشيعة الاثني عشرية كالكليني والطوسي والقمي وغيرهم في إثباتهم الزيادة في مصحف علي بشأن الولاية، فالتلاوة للقرآن الكريم وقراءته مباحة من حيث الصعود والهبوط بين السور، ولكن السؤال الأكبر هو: هل كان القرآن المرتب بآياته في مصحف عثمان وعلي مثلا هو عينه الذي كان يقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم أم لا؟ الجوب قطعا نعم، ولذلك لا شيء في قراءة القرآن منكسا أم غير منكس ولكنك لن تقرأ القرآن الكريم إذا خلطت بين آياته، فلا يصح لك أن تقرأ من سورة المسد مثلا قوله تعالى: ((تبت يدا أبي لهب وتب)) ثم بعدها مباشرة تقرأ من سورة الإخلاص آية: ((ولم يكن له كفؤا أحد)) هذا لا يجوز، وهناك نقطة هامة غفل عنها هذا المدلِّس هي أنه يجهل كيفية جمع القرآن الكريم، فالقرآن الكريم حين جمعه عثمان وأجمع عليه الصحابة كان قد اعتمد على ما نسميه نحن النسخ، فقد تم جمعه بكيفية لا نظير لها من حيث التوثيق، إذ اعتمد على ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان العرض من طرف الصحابة الذين يحفظون القرآن ثم تمت العملية تماما بالنسخ الموثق فكان ما وصلنا هو عينه الذي كان يقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحيح أنه لم يجمع بحسب التنزيل وهذا لا شيء فيه، ولم يجمع مختلطا بعضه ببعض، بل جُمع بالترتيب التوقيفي للآيات وهذا هو الأصل، وهو الذي وثَّق القرآن ومنع الزيادة فيه والنقصان منه، أما ترتيبه بحسب السور فهذا لا بأس به، فإذا شئت أن تخالف المسلمين في ترتيب مصحف تنسخه لنفسك فلا شيء فيه، بمعنى إذا نسخت القرآن بأن جعلت سورة الناس مثلا هي أول سورة، ثم جعلت الثانية البقرة، ثم جعلت الثالثة النور، ثم الرابعة الكهف وهكذا فلا شيء في ذلك لأنك ستقرأ حين تقرأ كتاب الله عز وجل وليس غيره، ولكنها قراءة لن تكون صوابا أكثر من القراءة التي نقرأها نحن من المصحف العثماني لسبب بسيط هو أن المصحف العثماني قد أجمع عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وإجماعهم دليل شرعي، وللمزيد من التنوير في هذه المسألة ننصح بالذهاب إلى جرية طنجة الجزيرة الإلكترونية في باب كتب وإصدارات ففيها كتاب: الجهاز المناعي للقرآن الكريم (دراسة أسلوبية) www.tanjaljazira.com

أما قوله أن القرآن ليس مصحفا وأنه قد ضاع فأصبح بلاغة ففيه تجنٍ كبير وجهل مطبق، القرآن الذي نقرأ هو هذا الذي نسخ في المصاحف، وهو عينه القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوته هذه دعوة مفلس قد بارت سلعته، فالرجل جاهل تماما بكيفية جمع القرآن، لم يستطع التفريق بين ترتيب الآيات وترتيب السور، فترتيب الآيات توقيفي عن الله عزّ وجلّ، أما ترتيب السور فهذا من أجماع الصحابة، والسؤال الأكبر هو: هل القرآن الذي نقرأ هو عينه الذي كان يقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الجواب قطعا نعم، وما قيل عنه أنه قرآن ودافع عنه أصحابه ولم يسجل في المصحف لم يكن قرآنا من جهتين، أولا: جهة الثبوت القطعي اليقيني من أوثق الطرق وهي طريق الرواية المتواترة. ثانيا: ما قيل عنه أنه قرآن يختلف عن نظم القرآن وتأليفه الشيء الذي أثبت أسلوبين وهذا لن يكون، فأسلوب القرآن أسلوب متميز معجز وما زعم أنه قرأن مختلف تماما ومخِلّ بالنظم والتأليف للقرآن الشيء الذي يثبت قطعا أنه ليس منه، وكذلك كان ولذلك لم يدخل القرآن إذ لم يكن قرآنا وذلك مثل قولهم: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة))، ولا يقال أن هذه((الآية)) قد كانت من القرآن ثم نسخت، لا يقال ذلك لأن أسلوب نظمها وتأليفها لا يمت بصلة إلى أسلوب القرآن الكريم وهذا يحتاج إلى أرباب البلاغة والفصاحة والبيان لكشفه ووضع الإصبع عليه ولا يعني ذلك أن غيرهم يستحيل عليهم معرفته، كلا، فكل منا ببساطة وعن طريق سماعه للتلاوة وقراءته للآية يدرك مخالفتها لأسلوب نظم القرآن وتأليفه، والقول بالنسخ المزعوم ما كان ليقال لولا الخلط بين نسخ الحكم ونسخ التلاوة، فالقرآن الكريم كله خير سواء الناسخ أو المنسوخ ولذلك لا ينسخ المنسوخ تلاوة، بل ينسخ حكما ونحن نقرأ الناسخ والمنسوخ نتعبد به.  

أما قوله أن القراءة ند للنص فهذا قول يناقش فيه الأدباء، فإذا كان أديبا ناقشته ولكنني لا أعرف إلا أنه يحشر أنفه فيما لا يعلم.

أما عند خوضه في أسماء الله الحسنى وسوقه للطيف عند المرض والرزاق عند طلب الرزق فقد أعلن عن جهله بلفظ الجلالة، فلفظ الجلالة؛ الله تعالى اسم من أسماء الله الحسنى ولكنه اسم مختلف عن سائر أسمائه، انظر إلى أي اسم ستجد له مدلولا، وانظر إلى لفظ الجلالة فلن تجد له مدلولا ولكنه جامع لجميع صفات الكمال، فحين تقول يا ألله فأنت تقول يا لطيف إن كنت ترجو اللطف، وحين تقول يا ألله وأنت في معرض طلب الرزق فأنت تقول يا رزاق، وحين تقلو يا ألله وأنت في معرض طلب العون فأنت تقول يا معين لأن لفظ الجلالة جامع لجميع الصفات فأين أنت يا يوسف من العمق؟

أما جوابه عن كيفية التمييز بين الأحاديث النبوية فقد زعم تغييب شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وكان أحرى به أن يخوض في علم الرواية لمعرفة الثابت من غير الثابت من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا لن يخوضه لجهله أولا، وثانيا لطبيعة توريط مثل هؤلاء حين يخوضون بجهل في علم الرواية المتعلق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وحين يخوض في حمورابي الذي كان قبل الميلاد بسبعة عشرا قرنا كما زعم يثبت قائلا أن كل شيء عنه قد وصلنا بحسب زعمه، فكيف لم يصلنا شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأنا لن أخوض في هذا، ولكن أثبت أن أصح الوثائق التي صحت في البشرية هي وثائق المسلمين ككتب الحديث الشريف لأنها قد وصلتنا بأصح الطرق وهي طريق الرواية، أما القرآن الكريم فوِفْقا لما ادّعى يوسف الصديق يفتج الباب على مصراعيه لنفي أنه هو عينه الذي كان يقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا وثيقة تثبت صلته بالرسول فيكون الحديث الشريف أصح من القرآن لأن الحديث على الأقل قد وصل إلينا بوثائق هي كتب الصحيح ومسانيد الصحابة والتابعين وقد نسي أن هولاكو قد رمى في النيل تراثا ضخما من الوثائق الشيء الذي كان يمكن أن يقطع بإتلاف تراثنا، وهذا لم يحصل، والرجل جاهل بالإسلام، فالقرآن قد وصلنا عن طريق الحفظ، أما الكتابة فلم تكن ذات أهمية في القرون الأولى ومع ذلك كان القرآن مكتوبا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسخه عثمان في المصاحف التي سميت باسمه من صحف النبي التي كانت عظاما وحجارة وسعف النخل، والحديث كان هو الآخر مكتوبا عند بعض الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص، انظر إلى دين الله تعالى وكيف كان يحفظ من طرف الحفاظ، كان يحفظ القرآن ولم يزل إلى يومنا هذا، وكان يحفظ الحديث أيضا ولكنه قد نزل عن مستوى الحفظ الذي كان عليه ولكنه موثق في الكتب الأولى ومستنسخ بعد ذلك في جميع العصور خصوصا في عصرنا هذا.

أما خوضه في التاريخ واعتبار أبي هريرة أسطورة فقد دل ذلك على علم جمّ بأبي هريرة لدرجة أن اعتبره أسطورة، فلا يبقى إلا أن نسلم له، فهل بمجرد أن ينفخ النافخ في كفه للحصول على الدفء يكفي لنفي نتيجة النفخ الأخرى؟ أليس النافخ في كأس شاي ساخن يراد من نفخه الحصول على البرودة؟ هذا الرجل نافخ مجرد نافخ كالمنفاخ يخرج الريح ولا يعرف ما الذي يحدثه ريحه في مخرجه.

أبو هريرة يُذكر أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا زعمه، أليس حديث أبي هريرة عن النبي فيه ذكر للنبي؟ هل جمعَ أبو هريرة جميع أحاديث النبي فكان غيره ممن رووا عن النبي قد أخذوا عن أبي هريرة؟ أليس يهذي الرجل؟ أما يهرف بما لا يعرف؟

أما قوله الجازم أن القرآن فيه أشياء صالحة لكل زمان ومكان وفيه أشياء غير صالحة لكل زمان ومكان ويضرب لذلك مثلا بالإيماء اللائي يكرهن على البغاء فقول فيه قصر النظر، فثبوت أحكام العبيد والإيماء في القرآن الكريم لا يعني عدم صلاحية تلك الأحكام حين غياب العبيد والإيماء، بل يثبت وجود أحكام لهما في حالتما إذا عادا للوجود، والحروب واقع لا بد منها بين البشر، وفيها تنشأ العبودية، وإذا نشأت فهل نعالجها بأحكام جديدة نأتي بها وهي موجودة في كتاب الله عز وجل، وإذا كنا في القمر لمدة حضر فيها وقت الصلاة فهل نصلي أم نزعم أن الصلاة ليست لكل زمان ومكان؟ الصلاة تظل مفروضة كلما كان هنا سبب لوجودها كالشمس والشمس موجودة في القمر ولكنها لا تعطي نفس التوقيت الذي للأرض فهل نصلي تقديرا أو نترك الصلاة حتى نعود إلى الأرض؟ هل نرمي بالصلاة ونحكم أنها لزمن الأرض وليس لزمن القمر؟ ليس هكذا يستدل على أن القرآن فيه ما هو غير صالح لكل زمان ومكان، لقد أخفق الرجل في الاستدلال الشيء الذي جعله متسرعا في الأحكام لا يستفرغ وسعه في البحث.. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش

 

طنجة في: 22 فبراير 2020م

www.tanjaljazira.com

mohammed.bakkach@gmail.com

GSM : 0671046100

+212671046100

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم من منظور جديد
فيروس كورونا يسقط الحكومة المغربية والبرلمان
الأدب المَمْدَري محاضرة ألقاها الأديب المغربي : محمد محمد البقاش بطنجة بتاريخ: 03 مارس 2009

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl