|
ظاهرة النوارس وسط مدينة طنجة
النورس طائر بحري يعيش في البحر الذي يقتات منه، ويعتاش عليه، ويجعل من جباله موطنا لحياته وتزاوجه، ومرصدا لمراقبة البحر.
هذا الطائر طائر مقيم دائما وأبدا عند البحر، ولا تراه إلا محلقا فوقه يتربص بسمكة تصعد إلى سطح البحر، أو أخرى منطرحة فوق مياهه، فليس من طبيعته الغطس في مياه البحر ليصطاد سمكة، وإذا رأيته على رمال الشاطئ فهو يبحث فيها عما يرمي به البحر عند جزره ليقتات على أي شيء رمى به البحر من الرخويات والقشريات والأسماك.. وعند جزره تخرج السلطعونات والسرطانات، وتظهر قنافذ البحر ونجماته في مياهه الضحلة وسط البرك، وكذلك أنواع كثيرة من الأسماك التي فقست لتوها من البيض، أو مضى عليها بعض الوقت تنتظر نمو جسمها لتدخل البحر وتغوص في أعماقه..
هذا النورس يعيش على هذه الحالة لأنه من غير الطيور المهاجرة كاللقالق التي تتخذ من صومعات المساجد وقمم الفيلات أعشاشا لها، ثم تهاجر بعد أن ينمو أبناؤها مصطحبة إياهم إلى مواطن أخرى، وكذلك طائر الوَرْوَرْ (بليامون) الذي يقدم إلينا هو الآخر وغيره من الطيور المهاجرة..
واليوم بتنا نرى النورس وسط المدينة ولا نراه في البحر إلا نادرا، وحديثي بهذا الصدد عن شواطئ طنجة في المحيط الأطلسي والأبيض المتوسط، ترى لماذا؟
هل أصبح طائر النورس يعتاش على غير ما كان يعتاش عليه سابقا؟
الجواب نعم.
لقد تم تجويع طيور النورس ففقدت طعامها في البحر وشرعت تنافس الجرذان والقطط والكلاب في القمامة، أصبحنا نرى النوارس تحلق فوق فندق شالة بشارع لافاييط، وحين تتبعناها وجدنا أنها تحلق فوق قمامة الفندق، ثم تنزل لتقتات على زبالته، وأصبحنا نراها محلقة فوق المركز الجهوري عند شارع مولاي عبد العزيز باحثة عن مخلفات المركز من مصارين الدجاج ورءوس السمك لتقتات عليها، أصبحنا نراها في شارع العشاق تحلق في السماء فوق حاويات الزبالة، ثم تهبط إليها وتنافس القطط والكلاب والجرذان على طعامها، نراها مع طيور البقر الجائعة هي الأخرى تنتظر فراغ السوق الأسبوعي في وادي اليهود لتتنافس على مخلفات باعة الدجاج والسمك فيه.
هذه ظاهرة لا يلتفت إليها أحد، أو قلما يلتفت إليها أحد، والسؤال لماذا جاعت طيور النورس حتى أصبحت تحلق فوق وسط المدينة وتتخذ من بعض بناياتها موطنا للراحة كالمحكمة الابتدائية وفندق شاله وغيرهما.
لقد تم تجويع النوارس من طرف المجالس البلدية المتعاقبة على مدينة طنجة، وكذلك عمالها وولاتها وعُمَدُها ومهندسوها، والشيء الذي طفح به الكيل؛ الطريق الالتفافية حديثا من ميناء طنجة إلى شاطئ مرقالة، تلك الطريق عُبدت فوق رزق النوارس ورزق أنواع كثيرة من الأسماك بحيث كانت البيئة البحرية على طول امتداد تلك الطريق بيئة مثالية للسمك ولكثير من الرخويات والصدفيات والقشريات.. فقد كانت مليئة بالمرجان والمحار والبزاق البحري وجراد البحر والكمبري والربيان والسمك الصغير إضافة إلى العوالق والديدان وكائنات بحرية عديدة متنوعة، فكانت موطنا مثاليا كما قلت، وكان السمك يبيض فيها فكانت الحياة فيها رائعة، وكنا نهبط من دورنا إليها لنبحث عن الطعم لصيد السمك، وكنا نصادف فيها صغار الإخطبوط والمراي (المرينة) والحنكليس (الغْرونْكْ) والكَوْكاوْ والأحجال وعقارب البحر (الشقرقور).. وحين عبدت الطريق فوقها دمرت تلك البيئة وجمدت الحياة فيها فلم يعد هناك موطن لمثل تلك البيئة على طول تلك الطريق، بل ومن مرقالة في اتجاه رأس سبارطل عبر الساحل البحري أيضا لأن المكان فيها عميق، ونادرا ما تجد مكانا صالحا لخلق مثل بيئة مرقالة وللاجميلة والحافة وبوقنادل..
ترى هل نحن أما أغبياء حقيقيين ممن هم مسئولون عن هذه المدينة؟
ترى هل نحن أمام ظاهرة طبيعية أم أمام ظاهرة من صنع الإنسان؟
إن انعدام المسؤولية في جميع المسئولين كائنة، وهم بها قد ساهموا في تخريب البيئة البحرية، وساهموا في تجويع طيور النورس فأصبحت تحلق فوق زبالتنا منافسة الجرذان والقطط والكلاب.
أما في مسئولي المدينة ومستشاريها وعُمَدها رجل رشيد؟
كيف نحن مع هؤلاء، وكيف هي الحياة البحرية معهم؟
لقد عبدوا الطريق الالتفافية ودمروا البيئة البحرية وجوعوا طيور النورس، وأزالوا الحياة من شواطئنا، فبات الصياد بالقصبة أو الشص (الكوريديرا) طول ليله يرمي بخيطه في البحر ولا يجد مرايا أو حنكليسا أو عقربا بحريا.. وهذه الأسماك مما كنا نرفضها لأنها كانت هي الأولى دائما حين نبدأ في رمي مقدمات الصيد (المراغة) إذ كنا ننتظر سمكة الذئب (الحرش) أو الشارغو أو غيرهما من السمك الذي انقرض أو كاد من مرقالة وللاجميلة وبوقنادل والحافة..
إن العاقل من المسئولين صاحب الإحساس المرهف والناظر إلى المستقبل بعين رشيدة يأبى إلا أن يعيد تلك البيئة البحرية إلى سابق عهدها، فما على المسئولين إلا أن يعملوا على إزالة عشرات الأمتار من الطريق الالتفافية خصوصا في للاجميلة وبوقنادل والحافة حيث كانت الحياة خصبة، ويعملوا على استبدالها بالقناطر داخل البحر حتى تعود الحياة إلى تلك البيئة المثالية ويعود طائر النورس إلى موطنه.
ولا ننسى عشرات الأمتار من الطريق التي اقتطعت من رمال شاطئ مرقالة، حتى هي يجب أن تعود إلى الشاطئ، وما على المسئولين إلا أن يعبدوا الطريق وسط جبل الأحجار الثلاثة، أو فوقه، ويحولوا مجرى الوادي إلى الأحجار الثلاثة والعَدْوِيّينْ كما كان، وقد عبده الاستعمار وهو يراعي حق الساكنة، فجاء مسئولونا وأزالوا ما فعله الاستعمار، أزالوه لا ليفعلوا خيرا منه وأحسن، بل ليسيئوا إلى الساكنة بتحريف الوادي وجعله يصب في وسط مرقالة، وهو واد تجري فيه المياه الحارة، ولنا وقفة أخرى مثل باقي الوقفات مع الشركة التي عبدت الطريق فوق رمال شاطئ مرقالة المشهور عالميا، وأمنديس التي أجرت المياه الحارة في وسط الشاطئ محتقرة الساكنة بتواطؤ مع المسئولين من قاض بيده ملف مرقالة البيئي الذي لا يزال يراوح مكانه في المحكمة الابتدائية وهو عبارة عن دعوى قضائية من جمعية الجيرة للتفاعل الثقافي مرفوعا ضد شركة فيوليا أمنديس بسبب فضيحتها في وادي اليهود ومرقالة، إلى والي المدينة وعمدتها ومستشاريها ومهندسيها..
.............
محمد محمد البقاش
طنجة في: 11 أبريل 2011 mohammed_bakkach_(at)_hotmail.com
|