|
قذارة شارلي إيبدو وحرية التعبير …
بقلم: الخمالي بدر الدين
إذا كانت حرية التعبير بلا حدود ، فالقذارة و الدناءة والانحطاط هي كذلك بلا حدود في عرف الساهرين على الصحيفة الفرنسية المسماة شارلي ايبدو ، وللمتأمل للموضوع الذي اختارته الصحيفة الصادرة هذا اليوم عنوانا لها وبالنظر إلى سياقه أن يستنتج بما لا مجال للشك فيه أن المسألة تتعدى بكثير مجرد السخرية من التيار الإسلامي ، خاصة عندما تتخذ من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعا لها بما تشمئز له نفس كل إنسان مسلم على وجه الأرض حتى ولو لم يكن متفقا مع التيارات الإسلامية في طروحاتها السياسية .
فإلى ماذا ترمي بخرجتها الدنيئة هاته في هذا التوقيت بالضبط ، إن لم تكن إثارة الفتنة في صفوف المسلمين القاطنين بفرنسا وأوربا أولا ثم في العالم الإسلامي وهو يحتفل بموسم الحج الأكبر وعيد الأضحى وتعكير الأجواء والدفع بالأمور نحو المأزق الصعب وتوسيع الهوة بين المسلمين و الغرب وثانيا الشحن بين العلمانيين و الاسلامين في الوطن العربي خاصة بعد الأحداث التي وقعت بمصر و تونس ، مما سيؤدي إلى تحويل الحراك العربي الشعبي عن مساراته نحو الديمقراطية إلى العنف الإيديولوجي المفضي إلى إجهاض الربيع العربي.
فإذا كانت أولى النتائج المباشرة والسريعة لهذه السخافة الممنهجة التي تتبعها شارلي ايبدو ومن وراءها ، حرق مقر الصحيفة بباريس من قبل مجهولين ، وهو الأمر الذي يثير الاستغراب والتساؤل في آن ، فإن ما سيتبعها سيكون مريعا لا قدر الله
مما يدل أن المنحى الذي اتخذته كان مثمرا جدا بالنسبة لها و أن الشهرة التي بحثت عنها قد أدركتها سريعا بعد أن تناقلت كل وسائل الإعلام الدولية الخبر ، هذا إن كان العمل عفويا ، أو أن الهدف المتوخى من الطرح هو هذا بالضبط لا غيره ، إن كان الأمر موجها من قبل من يريد أن يشعل الحرائق وينسبها للمسلمين و يتههم بالعنف و الإرهاب بعد أن اندثر صوت القاعدة وتم إخراسه بفعل الثورات العربية المتلاحقة وهو ما لا نستبعده من أناس انعدمت ذرة الأخلاق في نفوسهم .
حرية التعبير قيمة أخلاقية لا يمكن تصورها إلا في منظورها السامي ذي الحمولات الايجابيات التي تحترم الأخر و تتواصل معه وتنتقده برقي و احترام ، لا كما يفعل هؤلاء السوقيون ومن خلفهم لبث الحقد والكراهية و إشعال الفتن التي لن تحرق نيرانها سوى من أشعلها .
إن ما يثير حنق بعض التيارات الراديكالية في الغرب على العالم الإسلامي اليوم ، خاصة المصابين منهم بداء الاسلاموفوبيا هو هذه الإرادة الشعبية العارمة في التغيير المتعطشة للحرية و المشبعة بالقيم الإسلامية و بالهوية الحضارية الإسلامية التي تعبر عنها الشعوب العربية بكل ديمقراطية والعودة إليهما على المستوى السياسي ، كما حدث في تونس وليبيا .
فرغم تظاهرهم المنافق بالتعاطف مع حراك الشارع العربي فإن حرية التعبير العربية تخيفهم إلى حد الجنون لأنها تنفلت من عقالهم وتصوراتهم النمطية لها ، التي يجب أن تكون في نظرهم لائكية الهوى و في شتى الأحوال أي شيء إلا أن تكون إسلامية ، مهما بلغ درجة اعتدالها و انفتاحها على الأخر ، لأنها تعني في النهاية الاستقلال و تقرير المصير وترسيخ الهوية بمعزل عن الأنماط الاستعمارية المعدة مسبقة في غرف استخباراتهم المقيتة .
لذلك فالعمل الذي أقدمت عليه الصحيفة المذكورة لا يمكن أن يكون عملا صحفيا بأي حال من الأحول أو أنه يندرج في إطار حرية التعبير و الرأي ، بل هو بداية مخطط إجرامي يرمي من أقدموا عليه إلى توقيف مسلسل الثورات العربية التي لم تأتي بما تشتهيه سفنهم الغارقة في وحل الأزمة الاقتصادية و إدخال المنطقة برمتها في دوامة العنف اللامسؤل على الطريقة الجزائرية في العشرية السوداء ، الأمر الذي سيشرعن القمع مرة أخرى بحجة الحرب على الإرهاب وحماية المصالح الأجنبية من الاعتداءات .
مخطط قذر و منحط بدأت أولى خيوطه مع عرض قناة نسمة لفيلم (برسوبوليس) المجسد للذات الإلهية وما تلاه من أحداث ، وهاهي ربيبتها الكبرى شارلي ايبدو تثني بالإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم في حرب معلنة مكشوفة على القيم الإسلامية وعلى الإسلام والمسلمين.
|