|
طنجة تستدعي خبراء التفجير
========
لم تعرف طنجة منذ الخمسينيات من القرن الماضي إلى سنوات قليلة قبل نشوء الميناء المتوسطي ظلما أكبر مما عرفته ولم تزل إلى يومنا هذا، حتى إن تقسيم المغرب إلى مغرب نافع من نقطة التفتيش التي أقامها الاستعمار بعرباوة؛ إلى الجنوب، وغير نافع من عرباوة إلى الشمال لم يكن بمستوى الظلم الذي نبت مع تنامي الطمع والرغبة في الإثراء غير الشرعي بالأقاليم الشمالية.
لقد استبيحت طنجة من طرف كل متنفِّذ، وتمّ العبث بها حتى من طرف المرتبط بالسلطات الدنيا للبلاد ولو كان مرتبطا بريح الشحم في الساطور (الشاقور) كما في المثال العامي، ومن الأمثلة على ذلك قيام حومة ربع ساعة في طريق الجبل على مرأى ومسمع من القائد والمقدم والشيخ.. أقيمت الحومة معلقة في منطقة لا تصلح للبناء، ومثال آخر إقامة عمارة سكنية مكان عمارة تسبب الحفر من طرف شركة تريس كانتوس لإقامتها بانهيار أكثر من عشرين بناية سكنية في طريق مرقالة بحومة حسيسن
يوم الأحد 26 نوفمبر سنة 2006.، والآن تقام مكانها عمارة أخرى على مرأى ومسمع من السلطات المحلية وبترخيص غير مسئول لمسؤولين حاشى أن يكونوا ذوي ضمير.
لا الأراضي التي استقر عليها الأندلسيون في أنجرة منذ تهجيرهم قسرا من الأندلس سنة 1492 أضحت أراضيهم، ولا انتقالها إلى أيد غيرهم بحجة أو أخرى أفادهم وأنصفهم، ولا أهلها عملوا في المشاريع التي أنشئت عليها إلا في الإعلام المكذوب والدعاية الرخيصة..
وإذا انتقلت إلى المدينة وبحثت عن المناطق الخضراء، فإنك لن تجدها، لأنها قد ابتلعت من طرف أعداء البيئة والمتنفِّذين لدرجة أن بات يملكها كل من ينجح في ربط علاقة بوزير مناضل مثل الوزير الذي يقال عنه أنه شجاع، بطل، باسل، شديد، مقدام، جريء، فاتك، صارم، ثبيت، نجيد، هذا الوزير طالما انتفض في لقاءات جماهيرية وغازل ميكروفونات عديدة برذاذ ريقه وهو يعزف سيمفونية مقيتة ضد الإمبريالية والرأسمالية والرجعية وأحزاب السلطة والمخزن، فعل ذلك كثير من مناضلي التقدمية والاشتراكية كفتح الله ولعلو، ففي عهده رخص تحت فكرة الخصخصة لتجزئة القادرية بالجبل الكبير وغيرها ولا يهم الغطاء الغابوي الذي أزيل لإقامة التجزئة، ولا يهم لمن تعود تلك الأراضي وهي ملك للشعب بطبيعة الحال، كما لا يهم الضيم البيئي الذي ساهم فيه الوزير.
إن أراضي المغرب كلها أراض تتبع في حكمها واقع انتقالها إلى حكم الإسلام، فهي بلاد إسلامية رقبتها مملوكة للأمة تحافظ عليها الدولة لأنها هي المخولة، ولأنها أقدر من الفرد والجماعة على الحفاظ عليها، وإن من الأمة الشعب المغربي، وعليه فامتلاك قطع أرضية للسكن لا شيء فيه، وهو حق كل فرد لا يملك سكنا، ولكن أن تباد الغابات والمراعي، وتسرق أراض من أصحابها ليملكها غيرهم، وتباع المرافق العمومية كالأنهار والبحار والشواطئ والمضايق والبحيرات والساحات العامة.. فهو الظلم الصفيق.
لقد كانت طنجة خضراء وكم هي في الذاكرة مليحة جملية، ثم باتت اليوم ترتدي لباسا رذيئا مليئا بالأوساخ الإسمنتية، حتى الجبل الكبير المعروف بخضرته لم يسلم من مجرمي البيئة، وباتت غابة مديونة والرميلات والغابة الدبلوماسية وغيرها من المناطق الخضراء التي تعود ملكيتها للشعب في خبر كان.
ونحن هنا في طنجة لن نقبل بتقادم الحقوق لأنها بغير قابلية التقادم، فما كان ملكا للفرد وتم اغتصابه يعاد إليه عند إقامة الحق وتحقيق العدل مهما طرأ على ملكيته من تغييرات، وما كان ملكية للشعب وتم تدميره وتحويله إلى علب من الإسمنت، أو ملكه فرد أو جماعة يظل ملكا للشعب لا بد من إعادته إلى مالكه الأصلي، ولا بد من محاكمة كل من حوّله عن أصله لحسابات جشعة ظالمة.
ومن موقعها بين البحرين كعروس متوجة تنادي طنجة بأعلى صوتها مطالبة باستدعاء خبراء التفجير من البلاد الأوروبية أو غيرها مستثنية خبراء من الولايات المتحدة الأمريكية، لأنهم رغم سعة خبرتهم قتلة مجرمون لا يوثق بهم، وكيف يوثق بهم وهم من أسقط البرجين على رأس مواطنيهم بالمتفجرات وبالطائرتين الموجهتين عن بعد، لا نقبل إلا بغيرهم لتدمير كل عمارة أقيمت فوق كل منطقة خضراء هي ملك للشعب، وإزالة كل سكن أقيم في ملك الشعب، سنشهد عمارات تهوي أمام أعيننا لتتحول الأراضي التي أقيمت عليها إلى مناطق خضراء كما كانت في الأصل، وبهذه الغيرة نطالب أيضا جميع المجالس المنتخبة بصرف النظر عن عدم تمثيلها حقيقة للشعب، نطالبها ونطالب كل من يصله طلب الترخيص لإقامة عمارة أو تجزئة سكنية، نطالبهم ونطالب الوكالة الحضرية أن لا يمنحوا أي رخصة للبناء في أي أرض لا تزال بقية باقية من المناطق الخضراء وإلا كانوا شركاء في الجريمة البيئية المتواصلة على طنجة المستباحة، ولا نستثني من ذلك السلطات العمومية، فتقرير الوكالة الحضرية بطنجة يؤكد أنها سلمت 20 ألف رخصة بناء خلال سنة، وما بين أكتوبر 2008 وشتنبر 2009 بلغ حجم الاستثمار أكثر من 8 ملايين درهم، واعتبر التقرير أن: (( غياب الترخيص لإنشاء تجزئات جديدة يعود لرغبة السلطات العمومية في تشجيع بناء المجمعات السكنية على حساب تجزيء الأراضي للحد من البناء الذاتي وإنتاج أكبر عدد من الوحدات السكنية))، هذا يؤكد يد السلطات العمومية في تدمير البيئة وتخريب المناطق الخضراء، فبدل أن تمنع الرخص، وبدل أن تجمِّل طنجة التي لا تفتح العين على أتم منها حسنا، ولا يقع الطرف على أجمل منها صورة، وتحافظ على وجهها الصبيح، ورونقه المليح، وبريقه المأثور بتنا نشاهد فيلات تتهدم لتقام مقامها عمارات، وبدل أن تشجع البناء خارج المدار الحضري باتت تخلط الأصباغ لنصاب بعمى الألوان إلى درجة ما عدنا نعرف القائم فيها من القاعد ولا الرأس من القدم.
الاستثمار لحساب الخواص لا يكون في المرافق العمومية كالمناطق الخضراء التي تعتبر رئة طنجة تتنفس من خلالها لأن طبيعتها تمنع وقوعها في يد فرد أو شركة، وهي اليوم شبه منعدمة، وقد أقيمت على غيرها عمارات سكنية، بل يكون الاستثمار في غير المناطق الخضراء، وفي غير ملكية الشعب، وطنجة في الشمال الشرقي بأراض موات وأخرى شبه عارية، فلماذا لا يركز عليها ويبنى فوقها بدل التركيز على إتلاف الرميلات ومديونة والغابة الدبلوماسية..؟ لماذا تخصخص أراض ليس من طبيعتها الخصخصة أو الخوصصة وهي في ملكية للشعب؟
في أرشيف ولاية طنجة وفي ذاكرة أهلها وكتاباتهم وصورهم التذكارية ما يؤكد الغبن الذي وقع فيه أهل طنجة، وضيوف طنجة والغيورون على طنجة، فهل من منصف؟
======
محمد محمد البقاش
طنجة في: 09 يناير 2010
|