الرئيسية » كتب وإصدارات



 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة منشورات الجيرة الورقية والإلكترونية (إصدار رقم: (28)

 

  ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كيف تكون عبقريا

 

(دراسة أكاديمية)

 

ـــــــــــ

 

المؤلف:

 

محمد محمد البقاش

ـــــــــــ

منشورات الجيرة

ـــــــــــــ

 

ـــ الكتاب: كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية).

ـــ المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحفي..

ـــ الحقوق المادية والمعنوية محفوظة للمؤلف.

ـــ النشرة الإلكترونية الأولى: ليلة الجمعة 20 رمضان سنة: 1440 هـ الموافق لـ: 25 مايو سنة: 2019م.

ـــ النشرة الورقية الأولى: لم يطبع الكتاب بعد.

ــ الإيداع القانوني لكتاب: كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية)

Dépôt Légal : 2019 MO 218

 

ISBN : 978 – 9920 – 37 – 828 – 4                                                                          

ISSN : 2665 – 8690

 

الإيداع القانوني لسلسلة كتب الجيرة:

Dépôt Légal : 98 – 462                                                                                                           

1114 – 8640    ISSN

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاتصال بالمؤلف:

 

محمد محمد البقاش

 

حي الزودية ـ زنقة: 10 ـ رقم: 16 ـ طنجة ـ المغرب.

 

أو:

 

حي الدرادب، زنقة المعدنوس، دار البقاش، طنجة، المغرب.

 

الهاتف المحمول:

 

 0671046100

 

(+212) 671046100

 

Mohammed Mohammed Bakkach

 

Quartier: Zaoudia – Rue 10 - N: 16 Tanger – Maroc.

 

Ou

 

Dradeb ; Rue du Persil ; maison bakkach ; Tanger ; Maroc.

 

Site :

 

www.tanjaljazira.com

 

Email :

 

  mohammed.bakkach@gmail.com

 

 

 

 

الفهرس:

 

ــ الفهرس

ــ توطئة

ــ لكي تكون عبقريا

ــ التفكيك وعلاقته بالمدرسة الغربية

ــ إبداع السوي المعتدل هدفا التفكيك والتركيب

ــ التفكير بالتفكيك والتفكير في التفكيك

ــ اختراع الغدد الإلكترونية والشموس الاصطناعية

ــ اختراع الكتابة بالصوت والعين

ــ تقنية تخيل الكُلِّيات وتقنية تخَيُّل تفكيكها ونيكولا تِسْلا نموذجا

........................ الماء مقاومة كهربائية ثابتة ومتغيرة

..........................الماء شبه محول كهربائي

........................ الماء ملف كهربائي

........................ الماء شبه موصل كهربائي

........................ الماء موصل وغير موصل للكهرباء، موصل جيد وغير جيد

ــ الماء يُخِلّ بقانون أوم وقانون الجهد للتيار الكهربائي

ــ كيفية بناء الفكر على الفكر

ــ قواعد بناء العبقرية والنبوغ في الإنسان

......................... قانون توسيع دائرة التثقيف والتعليم

......................... قانون وضع الأهداف

......................... قانون الوصول إلى الأهداف

ــ القراءة البادية للإبداع

ــ نداء حار إلى المخترعين أحرار العالم

ــ المدرسة المَمْدَرِية في النقد المَمْدَري

ــ البحور الشعرية الجديدة (البحر الرباعي والثلاثي والثنائي في الشعر العربي)

ــ كلمة أخيرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توطئة

 

بما أن البحث يحتاج إلى دقة، ويحتاج إلى اتفاق على المصطلحات تقرر لدي أن أُعْلم قارئي أنه لا بد من التفريق بين العلم والمعرفة، العلم هو العلم التجريبي، والمعرفة هي ذلك العلم الذي يؤخذ عن طريق الاستنباط والاستقراء والملاحظة والاستنتاج، صحيح أن المعارف هي الأخرى يطلق عليها اسم العلم كعلم الاجتماع وعلم النفس والفقه وأصول الفقه واللغة إلخ، فعَلِمَ لغة هي نفس عَرَفَ لغة، غير أنما ذُكر لا يَشْترط في البحث عنصر التجربة إذ يكتفي بالملاحظة والاستنتاج، بينما العلم التجريبي كالفيزياء والكيمياء وعلوم الكهرباء والإلكترونيات إلخ يحتاج إلى التجربة، فالأول هو الملاحظة والاستنتاج وطريقة أخذه الإخبار والتلقي والاستنباط.. (أي العلم غير التجريبي)، والثاني هو التجربة والملاحظة والاستنتاج، وطريقة أخذه هي إخضاع المادة للتجربة، إخضاعها لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الطبيعية، ثم استنتاج النتيجة، وبما أن بحثي عن العبقرية، والعبقرية قمة ما يطمح إليه الإنسان فإن البحث يشمل الكون والإنسان والحياة، والكون والإنسان والحياة يُبْحثون معرفيا وعلميا، ويستنتج من خلال بحثهم المعارف والعلوم (أي العلوم غير التجريبية، والعلوم التجريبية)، فالبحث في اللغة غير البحث في الكيمياء مثلا، والبحث في الكهرباء غير البحث في الفلسفة، ويلحق بالعلم التجريبي الحساب والهندسة وكل ما تحقق فيه أنه ليس خاصا بأمة أو شعب لأنه يكون للناس كافة ما دام ليست فيه خصوصية ثقافية وهكذا، وتشمل المعرفة الثقافة والأدب والتاريخ والفلسفة والفقه وأصول الفقه واللغة والتفسير وغير ذلك مما يؤخذ عن طريق الاستنباط وليس عن طريق التجربة، ومن هنا وجب أن أنبه قارئي إلى أنني حين أستعمل كلمة علم فإنما أعني بالعلم؛ العلم التجريبي، وإذا خرجتُ إلى غير العلم التجريبي فخروجي إلى ذلك لن يترك دون تحديد لأني أريد من قارئي أن يبحث معي ويكتب معي وينظِّر معي ويستنتج معي سواء في المعارف (أي العلوم غير التجريبية) أو العلوم التجريبية.

هذه الدراسة لا سبيل إلى تناولها بالسطحية، لأن السطحية لا حظّ لها من العمق، كما لا بأس من تناولها بالعمق ولكن شريطة أن يقطع الباحث طريق العمق حتى يصل إلى الاستنارة، ومما ننصح به لتحقيق الاستنارة؛ ضرورة استفراغ الوُسْع، والحذر من الشرود أثناء الدراسة والبحث، وللزيادة في الحرص على تحقيق ذلك أسوق استهلال كتاب لي منشور إلكترونيا بعنوان: جاهلية الشيعة وسخافة عقولهم (دراسة مقارناتية للدين الشيعي) ـــ النشرة الإلكترونية الأولى: الاثنين 14 مارس 2016م، وقد نشر في جريدة طنجة الجزيرة بتاريخ: 21 ــ 03 ــ 2016م في باب: كتب وإصدارات جاء فيه:

((البحث في الشيء يتطلب وجود شرطين اثنين، الأول في الباحث، والثاني في المبحوث عنه.

الشرط في الباحث أن يتأكد من استفراغ وسعه مع غياب الغفلة والشرود عند البحث.

الشرط في المبحوث عنه أن يكون مما يقع عليه الحِسّ أو يقع على أثره، وأما ما كان خيالا وتمّ تصوّره والتفكير فيه فإنه لا يُعيِّن بحثاً وإنما يعيِّن وهْماً، ولا يدل على العملية العقلية لأنه خيال وهو جميلٌ في الآداب ولسنا نقصده إلا ما كان خيالاً داخلاً في الممكن عقلاً لأن الممكن عقلاً ممكنٌ فعلاً)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكي تكون عبقريا

 

لكي تكون عبقريا مارِسْ تَخَيُّل الكُلِّيات، ومارِسْ تخيُّل تفكيكها، والكُلِّيات هي كل مادة وكل طاقة جمعت جزأين فما فوق، أو هي كل شيء يقع عليه الحس أو يقع على أثره، ولا يقال بهذا الصدد أن هذا التعريف يُدْخِل تحت طائلته الذات العَليّة للخالق جلّ وعلا، لا يقال ذلك لأن ذات الله تعالى ليست شيئا ولا طاقة حتى تكون بقابلية إخضاعها للبحث، أضف إلى ذلك أن وجود الله عزّ وجلّ وإن دل عليه أثر فعله في الكون والإنسان والحياة إلا أنه وإن كان لفعله أثر كالخلق وإدارة الكون ولوجوده أثر إلا أن ذلك لا يحمل ذاته العَلِيَّة على الخضوع للبحث لأنها بغير قابلية البحث بسبب أنها فوق العقل وفوق التصور، وبسبب أنها أولا وأخيرا يستحيل إدراكها بالعقل والخيال.

لكي تكون عبقريا مارِسْ تخيُّل الجزئيات ومارِسْ تخيُّل إيجادها مَبْدأً، ويأتي معها ممارسة تخيُّل إيجاد الكلّيات لعلمنا بإمكانية تخيُّل الصور الكلّية الموجودة إلا أنها لا تنبني إلا على أجزاء، ومن هنا كان تخيُّل الكُلّ الذي هو موجود؛ ليس ذلك التَّخيُّل الذي نقصد لأننا نروم تخيُّل غير الموجود لِنُبْدِعَه، لنوجده، أما تخيُّل الموجود غير المُدْرَك كُنْهُه وغير المعروفة حقيقته، فهو تَخَيُّل ولكنه ليس ذلك التَّخَيُّل الذي نريد، والمثال على ما نقول أسوق إدراك صوت في السماء بواسطة حاسة السمع السليمة، وحين نريد معرفة حقيقة وكُنْه ما صدر عنه الصوت أو من صدر عنه الصوت؛ عندها نبدأ بالتخيُّل في إطار الموجود، وهذا لا يوصلنا إلى الإبداع لأننا هنا نكون مكتشفين غير مبدعين، والاكتشاف غير الإبداع، فالإبداع هو إيجاد شيء جديد لا عهد للناس به كالاختراعات مثلا، أما الاكتشاف فهو التوصل لشيء موجود لم يكن معروفا تمت معرفته عن طريق الاكتشاف، وهذا الطريق لا بأس من خوضه كتوطئة بالنسبة للذين يغرفون من العلوم والمعارف بغية الارتواء حتى يتسنّى لهم خوض طريق العبقرية بنضج وحسن اختيار، فبمحاولتنا معرفة الصوت الذي في السماء قد نكتشف أن الصوت صوت طائرة الميراج الفرنسية، قد نكتشف أنه صوت الميج الروسية، قد نكتشف أنه صوت الفانتوم الأمريكية، قد نكتشف أنه صوت طائرة مدنية، قد نكتشف أنه صوت غير ما ذكرنا وهكذا، فاكتشاف الشيء، أو اكتشاف نظام الشيء يكون معرفة لما هو موجود لم يكن معروفا ولا مُدْرَكاً، وهذا ليس عبقرية، فإسحاق نيوتن (1642م ــ 1727م) مثلا حين اكتشف الجاذبية لم يكن عبقريا في اكتشافه هذا لأنه قد اكتشف شيئا كان موجودا قبل نشوء الحياة على كوكب الأرض، والاكتشاف في البخار ليس إبداعا إلا في باب المحرك الذي يعمل بالبخار، أو الآلة التي تعمل بالبخار، أو تعمل على توليد البخار، أما البخار بحدّ ذاته فقد عرفه الإنسان قديما حين رأى غطاء القِدْر يختبط عاليا سافلا ويفور ماؤها جراء البخار الذي نتج عن الماء المُغَلّى، فـ"توماس سافري  Thomas Savery (1650م ــ 1715م) و"توماس نيوكومين" (1663م ــ 1729م) Tomas Neohomyn و"جميس وات"  Jems Watt( 1736 م ــ 1849م) كانوا فعلا عباقرة، فـ"توماس سافري" حين اخترع المحرك البخاري وكان بدائيا نوعا ما، وزميله في الاختراع "توماس نيو كومين" الذي طوّر المحرك البخاري فكان ناجحا عن المحرك الذي اخترعه سلفه، و"جيمس وات" الذي كان الأنجح بتطويره للمحرك البخاري والذي دخل التاريخ في الثورة الصناعية واستمر لمدة معينة، هؤلاء في اختراعهم للمحرك الذي يعمل بالبخار أو تطويره كانوا عباقرة، أما البخار فقد عرفه الإنسان قديما كما سلف الذكر، هذا التخيل تخيُّلٌ للموجود وهو الذي عنيتُ أني لا أقصده، ولكن إذا قصده باحث فقد يفيده ويفتح له آفاقا يعتليها للانطلاق إلى ما هو أرقى منه، وإذا ظل في عالم الاكتشاف ولم يخض غمار الإبداع حتى يملك زمام العبقرية فَنِعِّما هو، لأن الاكتشاف والإبداع كلاهما مطلوب للتقدم العلمي والتقني والمعرفي.. فلم يصدر الصوت الذي تحدثنا عنه إلا عن شيء، والشيء الذي صدر عنه الصوت كُلِّيةٌ موجودة أو جزءٌ موجود؛ يبقى تصوُّر حقيقته، ومعرفة كُنْهِه، وهذا التصور لن يذهب بنا إلى الإبداع لأن الإبداع لا يكون لما هو موجود، بل يكون لما هو غير موجود، وللإشارة فإن تصوُّر الحقيقة لا يجعل منها حقيقةً إلا إذا صار التصوُّرُ مُطابقاً للواقع.

والعجز عن صنع شيء أو إبداعه لا يثبت إلا إذا وُجدت مادة صنعه، فإذا لم يُصْنع الشيء مع وجود مادة صنعه انفتح الأفُقُ عن أجيال ستحقِّقه، ولكن صنع الشيء وإبداع الشيء من لا شيء، صنع شيء من غير مادة صنعه، إبداع شيء من غير مادة إبداعه لا يثبت مطلقا، فإذا وُجد الشيء من اللاّ شيء، والإبداع من اللاّ إبداع كالكون مثلا دل ذلك على فعل خالق لا تدركه الأبصار، ولا يحيط به عقل، ويستحيل أن يشبه مخلوقاته..

انظروا إلى الكون الذي هو مجموع الأجرام السماوية، انظروا إلى الطبيعة التي هي مجموع الأشياء والأنظمة، انظروا إلى الانتظام الرائع الذي يحققانه مجتمعين، وانظروا إلى عدد مواده بطاقتها وشساعة وسعه؛ فالعقل يقوى على الإحاطة به مهما توسّعت طاقته وتعدّدت مادته، صحيح أنه لا يستطيع إحصاء مواده وجُزَيْئاته كالذرات ولكنه يقف قَطْعاً على محدوديتها عَقْلاً ويكاد يقف عليها حسا ولم لا؟ بينما الخالق جلّت قدرته فلا يمكن للعقل أن يجاريه أو أن يتصور ذاته العَلِيَّة ولو اجتمعت فيه قُدُرات جميع البشر للتخيُّل من آدم إلى آخر إنسان نظرا لعدم محدوديته، فالله، الله، ما أسعدني بك ربّاً غير محدود، وما أسعدني بعقل يقف عند حدّه لأنه يدرك محدوديته، والمحدود يستحيل أن يحيط بغير المحدود.

إن الجزء مكوِّنٌ للكُلّ، والكُلّ يحتوي الجزء، والكون والإنسان والحياة كُلٌّ وجُزْءٌ، فالذرة كُلٌّ، ومكوِّناتها من الإلكترون والبروتون والنواة أجزاء للذرة، والخلية كلٌّ ومكوناتها من النواة ومخزونها من المورثات والسيتوبلازم والغشاء الواقي وغير ذلك أجزاء للخلية، فلا شيء في الوجود لا يتركَّب إلا الذات العَلِيَّة لله عزّ وجلّ، فهو موجود ولكنه ليس كُلِّيّاً حتى يتركّب من أجزاء، وليس جُزْئِيّاً حتى يُشكِّل الكُلِّية، فلا هو كُلِّيّ ولا هو جُزْئِيّ فسبحانك ربّي ما أسعدني بك ربّا مرة أخرى ومرات لا تحصى لا تشبه شيئا ولا يشبهك شيء.

فالتفكير البشري له قُدُرات كبيرة على التخيُّل، وهذا التخيُّل مفيد في الإبداع والعبقرية سواء في العلوم والمعارف، أو الآداب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التفكيك وعلاقته بالمدرسة الغربية

 

وعلى ذكر الأدب خاصة لا يُفْهم من كلامي عن التفكيك ما جاء عن المدرسة التفكيكية الغربية، لا يفهم من كلامي ما جاء به مؤسس المدرسة التفكيكية في النقد " Jacques Derrida جاك دريدا" (1930م ــ  2004م) ، ففي بحوثي الأدبية عن النصّ والتناصّ والأجناس الأدبية والسَّرْد الظّليل (السرد الظليل قصة تستظل بظل الشعر الخاضع لعلم العروض) والسَّرْد الوجيه (السرد الوجيه قصة ذات وجهين وجه فصيح ووجه عامي والعامي يُؤْتى به من الأدب الشعبي ويُرفع من شأنه بالقصة الوجيهة فيكتب بالفصحى) وغير ذلك خالفت ُكثيرا ما هو موجود لديهم في دراساتهم ليس لمجرد الخلاف، بل لضرورة مخالفتهم لأن إنتاجهم الأدبي فيما يتصورون في كثير منه لا يسلم من كثرة القصور؛ وأحيانا السطحية، وقد توجّب عليّ عند هذه المحطّة التي تفرضها النظرية المَمْدَرِيّة؛ أن أخالفهم لأني قد ألزمتُ نفسي بالسير في بحوثي العلمية والمعرفية والأدبية؛ من الأدنى إلى الأعلى، أن ألتزم بالمحطة الواجب الوقوف عندها لأنها هي المحطة التي سيمر بها من يقلُّني إلى غايتي وليس المحطة التي كان يمر بها ثم غير محطته، وخذ مثالا واحدا على ذلك، فالمذهب النقدي التفكيكي يشك في أن للنص الأدبي معنى ثابتا بحيث يرى جاك دريدا أن النص الأدبي يمنع استقراره على معنى ثابت ومحدد، وهذا مخالف للواقع لأن النص الأدبي قد يستقر على نص ذي معنى ثابت وربما لا يستقر، هذا في النص ذاته من حيث البناء والتأليف اللغوي، أما في قراءة المتلقي وتذوُّقه للأدب فقد يثبت على معنى وربما لا يثبت، قد يثبت على معنى والنص لا يقتصر على ذلك المعنى، بل في تركيبه وبراعة صياغته معاني كثيرة، فعبارة: ((قعد أسفل رأسه فحار له الموضع واستغلق له الفهم)) رواية: نساء مستعملات، محمد محمد البقاش، صفحة: 15 منشورات الجيرة الطبعة الورقية الأولى: 2010م، هذه العبارة تحتوي على معاني كثيرة غير ثابتة إلا لمن أراد لها الثبات على معنى يصطفيه هو، وعليه فهي عبارة ثابتة على معنى وغير ثابتة على معنى، فقعد أسفل رأسه بمعنى أقام دونه لأن الرأس قمة، فإذا كان القعود دون الرأس في المال وكان الحديث عن الثروة كان الأعلى أغنى، وإذا كان القعود دون العالِم في العلْم وكان الحديث عن العلم كان الرأس أعلم، وإذا كان القعود دون المقدام في الشجاعة وكان الحديث عن الإقدام كان الرأس أشجع وهكذا اختر ما شئت من أشكال القعود، فقعد أسفل رأسه استحالت مثالا يُضرب للناس، فَــ: ((النص الأدبي لم يضعه الأديب إلا للاستمتاع واللذة، وهز المشاعر. وعند النظر إلى النصوص الأدبية وتأمُّلها، يتبيّن أنها تحتوي على معاني، غير أن هذه المعاني ليست هي القصد الأول عند الأديب، بل القصد الأول عنده في التركيز على الألفاظ والتراكيب. ولذلك يُعْنى الأديب بها أكثر من عنايته بالمعاني وإن كانت هذه الأخيرة لابد منها، وأنها لا تخلو من فائدة للعقل. فمعظم جهد الأديب مصبوب على الألفاظ والتراكيب ليؤدي بها المعاني المتصورة في ذهنه على شكل صورة بلاغية تتمثل في المعنى الجميل، في اللفظ الجميل، والتركيب الجميل.

فالنصوص الأدبية من جهة العبارات التي يصوغ بها الأديب فكره، ويخرج بها صور ذهنه، وعنايته بهذه الأخيرة، ثم اختياره للأفكار هي وجه التمييز فيها عن غيرها من النصوص غير الأدبية كالنصوص السياسية والتشريعية والفكرية)). التفكير بالنصوص (دراسة أكاديمية) المؤلف: محمد محمد البقاش الطبعة الورقية الأولى: يونيو 1999. السحب: مصلحة الطباعة Servise Grafic Tanger الإيداع القانوني: 462 ــ 98 ردمد 1114 – 8640   ISSN.

فما يأتي به التفكيكيون عند مخالفتهم لمدلول النص هو قراءة بادية للإبداع، أو هو قراءة ابْتِنائية على الإبداع، وهذا وذاك ليس ذلك، فالخلل الكبير في إدراك مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة لغة؛ سبب جوهري في ذلك، أما عدم الخضوع لسلطان اللغة العربية واحترام وضعها فحائل كبير ومانع شديد لاقتحام عالم الإبداع، وما يُترجَم من النصوص الأدبية الأعجمية إذا لم تخضع لسلطان اللغة العربية لا تصلح للبناء ولا تكون في مستوى القراءة البادية للإبداع ولا تستحيل إلى المادة الخام للإبداع لأن البناء يحتاج إلى لبنات واللبنات إن لم تكن من جنس الأساس ظهر الخلل في النصوص الأدبية وانكشف العيب في الإبداع، ولا يقال بهذا الصدد أن البناء الذي يقام خشبيا بأساس حجري ينقض مقالتك لأنه ليس من جنس القاعدة، لا يقال ذلك لأن اللبنات التي تكون من جنس الأساس، أي من جنس الإبداع، تتعلق بالإبداع من حيث إقامة البنيان وليس من حيث الاختلاف في القاعدة والبناء، فما أقيم من بنيان، أي ما ظهر من إبداع إذا كان باللغة العربية خضع لسلطان اللغة، وما خرج عن اللغة العربية بأن تُرْجِم الإبداع كانت الترجمة إبداعا آخر قد بُنِي على إبداع سابق استطاع المبدع قراءته في لغته الأصلية ثم حوّله إبداعيا إلى اللغة العربية، والترجمة هنا بالمعنى الحقيقي للترجمة لا تصلح، لأن الإبداع في الآداب لا يترجم، بل يكتب من جديد، أي يؤتى به قراءة بادية للإبداع، أو قراءة ابْتِنائية على الإبداع.

إن التفكيك الذي نقصد هو ذلك التفكيك الذي يغيِّب الصور الكلية ويذهب بها، ثم يعيدها إلى حالتها الأولى.

التفكيك بالنسبة لدراستنا هذه يحتم وجود الخبرة بالتفكيك والعلم بالتركيب، لأن الخبرة بالتفكيك لابد منها حتى لا نفسد الأجزاء ونتلفها، ولأن التركيب قد لا يكون لنفس الهيئة والشكل الذين كانا، بل قد يتم تركيب جديد لا يشبه القديم ولكن من نفس الأجزاء التي تم تفكيكها، وعليه فالتفكيك ينحو أولا نحو معرفة الجُزْئِيات والجُزَيْئات من أجل الوقوف على حقيقتها، ثم يأتي ثانيا التركيب، وهذا الأخير له هدف لابد من تصوره والعمل وفقه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إبداع السوي المعتدل

هدفا التفكيك والتركيب

الهدف من التركيب لما كان مفككا هو الإتيان بالشيء السويّ المعتدل، انظر إلى السيارة مثلا، فهي جميلة بالنظر البشري، ولكنك إذا فككتها، أو أزحت غطاءها عن هيكلها فستبدو لك قبيحة الشكل غير سوية القوام ولا معتدلة البناء وهذا لا بأس به لأن الإنسان حين يبدع يسعى إلى التجميل والإتقان لأنه ذوّاق، وانظر إلى الاستنساخ، وانظر إلى التصرف في جينات الإنسان والحيوان والنبات فما لم يكن له هدف الإتيان بالسوي المعتدل كان قبيحا تمجّه النفس البشرية ويرفضه العقل الإنساني، فالتصرف في الجينات لخلق إنسان مشوه أو حيوان مشوه ليس له ذلك الهدف الذي فرضناه على الدارس الذي يسعى إلى الإبداع لأنه قد فرّط في التسوية والاعتدال ورام تحسين القبيح وتقبيح الجميل، فكان إبداعه قبيحا، بل ليس ذلك من الإبداع في شيء لأنه عبث، وكيف لا يكون عبثا وقد جاء بقبيح عن جميل؟ فالحمار والقرد جميلان بشكلهما وهيئتهما فإذا تصرفنا في جيناتهما وظهر من خلال ذلك قرد وحمار ظهرا على غير الجمال والتسوية والاعتدال الذين كانا عليها، فهل هذا إبداع؟ هذا تقبيح للجميل، وتجميل للقبيح، ولقد ظهرت بيننا حيوانات تم التصرف في جيناتها، ظهرت مشوهة، فهذا كلب مشوه، وذاك نمر أو بَبْر مشوه وهكذا، انظر إلى الوردة فهل تحتاج منك إلى ثناء حتى تنعتها بالجمال؟ كلا، إنها جميلة في ذاتها، الْتَقِطْ لها صورة فوتوغرافية أو ارسمها بريشتك أو اطرزها على ثوب أو قماش بيدك وضع الجميع أمامك ثم اختر أيها أجمل فلن تتجاوز الوردة الحقيقية، افعل ذلك مع بنتك أو حفيدتك ثم اختر أيهما أجمل فلن تتجاوز ابنتك أو حفيدتك، ثم اسأل عن المبدع الذي لا يجارى في إبداعه فهل تتجاوز ربك؟

وانظر إلى الشباب فهل يحتاج منك إلى أن تنعته بالجمال؟ كلا، لأنه جميل في ذاته، انظر إلى الصحة والعافية فهل يحتاجان منك إلى أن تنعتهما بالجمال؟ كلا، وهكذا، فالجمال جمال في ذاته تم تقدير جماليته داخل ذات  الجمال وخارج ذات الجمال ومن مبدعه تحديدا، فالوردة جميلة في ذاتها، والسماء جميلة في ذاتها، وحكم الإنسان على جماليتهما حكم قَسْري قد فُرِض عليه فرضا وحُمِل عليه حَمْلا مثلما فُرِض عليه طوله ولون عينيه وشعره، ومثلما حُمل على الإتيان إلى دنيانا على غير إرادته وذهابه عنها على غير إرادته أيضا، بل إن انتخاب طول الإنسان ولون عينيه وشعره إن حصل كان الذي يُتصرَّف بجيناته لا علاقة له بما فُعل به، إذ لم يختر هو شيئا من ذلك، وعليه لا يستطيع الإنسان عكس الحكم ولو أنكر مبدعهما، لأن إنكاره هنا إن حصل وقد حصل فهو إنكار ضعاف العقول، وما يظهر من جمال خارج الذات إنما تم تقديره من داخل الذات وهو عائد للميول الفطرية كالنفور من الظلم والميل إلى الإنصاف رغم جهل الإنسان بحقيقة الظلم وحقيقة العدل، فما معرفته بهما إلا معرفة نسبية تحتاج إلى تأييد من خالق الكون والإنسان والحياة حتى يقف على حقيقتهما، وعائد أيضا لوجهات النظر، ووجهات النظر إذا لم يكن عليها طابع الألوهية وطابع النبوة كانت وجهات نظر موصوفة بنفس وصف من تضطره أمعاؤه للذهاب حيث نعلم جميعا، وما ذكرناه هو من نفس ما نقول، ومن جنس ما نفكر فيه، فلو أن الإنسان سار وفق ما عليه الكون والطبيعة والحياة لمجرد الاقتصار على الفطرة لكان أعقل من ذلك الذي يحسب نفسه مبدعا والإبداع منه براء، فالعبث وإن أتى بجديد لا يكون إبداعا مادام ليس له ذلك الهدف المسطّر في دراستنا هذه.

إن مبدع السيارة والطائرة يسعى جاهدا لجعلها على أحسن هيئة وأجمل منظر رغم بشاعتها حين يرفع عنها غطاؤها أو يُعَرّى هيكلها، فكذلك الإنسان المبدع الذي يسير إلى التسوية في الإبداع والاعتدال في التركيب، فإذا مال عن ذلك كان ظالما للبشرية ساعيا إلى الإفساد، والعالم الجليل محمد متولي الشعراوي رحمه الله يقول إذا لم تقدر على زيادة الجمال جمالا فعلى الأقل اتركه على حال جماله ولا تخرِّبه.

المهم أن التفكيك الذي نسوقه في دراستنا هذه نسوقه محاكاة لإبداع الخالق جلّ وعلا مع عدم المقارنة بطبيعة الحال بيننا وبين خالقنا، فالله خلق الإنسان على أحسن الهيئات وأجمل الأشكال وجعله منتصب القامة سويا معتدلا لا أحد يقدر على الإتيان بصورة أجمل من صورة الإنسان ولا صورة أجمل من صورة القرد والحمار والذبابة، فإذا كانت لدينا مسابقة في الرسم ثم وضعنا صور القرد والحمار والذبابة إلى جانب لوحات دافينشي وبيكاسو أو غيره من المبدعين فلن يحظيا بنسبة0,00   في المائة مقارنة بجمال القرد وجمال الحمار وجمال الذبابة، فما يقدر عليه الإنسان هو في حدود قدرته وهي دون قدرة الخالق وإبداع الخالق وتصوير الخالق ولا مجال للمقارنة كما قلت ولو في أحقر مخلوق  بحسب ما يراه الإنسان، وعليه لا علاقة لدراستنا بالمدرسة التفكيكية الغربية، فالنسيج يبدأ من نقطة أو جهة وينتهي إلى الأخيرة، وحين إرادة تفكيكه لابد من الخِبْرة إن أريد لمواد النسيج أن تحافظ على سلامتها من أجل التوظيف مرة أخرى، أو لإعادة سيرة النسيج التي كان عليها، فالتفكيك نأخذه على بساطته بحيث نفهمه دون تعقيد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التفكير بالتفكيك

والتفكير في التفكيك

إنه من خلال وجود القدرة على التخيُّل فإن على الذي يريد أن يكون عبقريا ومبدعا أن يصل إلى رؤية صور الكُلِّيات، أن يصل ولو إلى صورة واحدة مثلا ولكنها تكون كُلِّية عن الشيء المُركَّب الذي لا يعرف الإنسان أجزاء تركيبه، ولكنه سيحاول الوصول إلى معرفة تلك الأجزاء من خلال التفكير بالتفكيك والتفكير في التفكيك، وكلا التفكيرين لا يعني الآخر بتاتا.

فالتفكير بالتفكيك هو نفس معنى حرف الباء في اللغة العربية والذي يعني من ضمن ما يعني المصاحبة، فمصاحبة ما به تفكك الكليات هو عينه التفكير بالتفكيك، إنه يأخذ لنفسه أدوات ووسائل يستعملها للانتقال إلى التفكير في التفكيك.

أما التفكير في التفكيك فهو عينه السبر والغوص والحفر والدخول والولوج والاقتحام لكل شيء يقع عليه الحس أو يقع على أثره.

التفكير في التفكيك من أجل الوصول إلى وضع الإصبع على جزئيات الكُلِّيات؛ يحتاج إلى ممارسة، والممارسة لا تكون في الخيال، بل تكون في الواقع، والواقع هو الكون والإنسان والحياة، وعليه فإن التقنية التي من خلالها يمكنه الوصول إلى تلك الجزئيات لا بد منها، ومن هنا كان لا بد من إيجاد تقنيات لتفكيك الصور الكلية أو الصورة الكلية الواحدة، صحيح أن الباحث المفكر يستطيع تفكيك الكليات من خلال الخيال، ولكن الواقع هو الذي يحكم له أو عليه من حيث النجاح والفشل، فإذا استطاع تفكيك الصور الكلية عمليا بعد المرور على الخيال كان إبداعه مُدْرَكاً محسوساً ملموساً فكان به عبقريا فِعْلا، وإذا لم يكن كذلك ظل الأمر في عالم الخيال ولو أن يمارس بتقنيات عديدة محاولات الوصول إلى الواقع، وهنا، هنا بالذات يجب أن نقف كما وقفتُ من خلال تجاربي الكثيرة في هذا الميدان، فقد توصلتُ إلى خيال لم أعرف هل أخطأتُ أم أصبتُ في كونه ممكناً عقلاً، ولكنني أرجِّح أنه في الممكن عقلا، فالمُمْكِن عَقْلاً مُمْكنٌ فِعْلاً، ولكن حين مارست تقنيات عديدة للوصول إلى تجسيده في الواقع وإخراجه كإبداع لم أستطع، وهنا لابد لي أن أقف على نقطتين اثنتين هامتين وهما:

ــ إما أن يكون الذي حكمتُ له أنه ممكنٌ عقْلاً لم يكن ممكناً عقلاً.

ــ وإما أن يكون الذي حكمتُ له أنه ممكن عقلاً لم أستطع جعله مُمْكناً فِعْلاً بتلك التقنيات التي استخدمتُها.

وهنا يأتي الرشد والتوفيق والإلهام بحيث قد يبقى الإنسان في محاولاته الوصول إلى الواقع دون جدوى لأن الموضوع يكون من غير الممكن عَقْلاً وبالتالي لا يكون مُمْكِناً فِعْلاً، وإما أن يكون الواقع بتقنياته المُتَخَيَّلَة بعيد المنال من حيث تصوره التصور المفضي إلى الحس والواقع والعقلية الباحثة بقدراتها المحدودة غير مؤهّلة لمثل تلك التصورات الرائعة وبالتالي تكون غير ناضجة، أو على الأقل تكون غير مستوفية للشروط الضرورية من أجل تحقيق ذلك، ولا أدري بم أحكم، هل أُبْقي على التصوُّر وأبحث عن تقنيات أخرى؟ أم أترك التصوُّر وبالتالي أعزف عن محاولات إيجاد تقنيات غير التي وضعتها للوصول إلى ذلك التصور؟

والمثال على هذا الذي سقته؛ من "أديسون"، (1847م ــ 1931م) فــ"توماس أديسون" جرّب كَيْفِياتٍ عديدة تجاوزت بالعشرات تسعمائة محاولة للوصول إلى الكهرباء ولكنها لم توصله، بل أوصلته كيفية أخرى غير جميع الكيفيات التي خاض، فكانت تلك المحاولات لا تؤدي إلى الكهرباء كما قال، ومعنى ذلك أنه قد جرّب وجرّب، أي قام بإخضاع المادة والطاقة إلى تجارب وهي تصورات كانت أول الأمر خيالا في عقله لم تكن ممكنةً عقلاً، ولكنه ظل يبحث ويبحث معتقدا أن تصوره هو الممكن عقلا بينما كيفية الوصول إليه ليست ممكنة عقلا، أي لا تؤدي إلى الكهرباء؛ إلى أن نجح في إيجاد التيار الكهربائي المستمرDC، وهذا يعني أن الباحث يرى بعقله صورة لفكرته وهي خيال يسعى إلى إيجادها في الواقع وذلك بالتجريب، والتجريب مختلف ومتنوع وكثير إلى أن يصل، صحيح أنه قد يستغرق وقتا قصيرا بتجارب محدودة؛ ويصل، ولكن المطروق غير هذا، فليس سهلا على المفكر العبقري أن يأتي بالجديد، إذ لا بد له من مخاض عسير في شهور أو سنين أو عقود يستولد به أجِنّة فكرية لا تبقى حبيسة التصور، بل تظهر مُجسَّدة في واقع الحياة، وإذا لم يكن مُوَفَّقا في الوصول إلى الإبداع فعلى الأقل يكون قد وضع لبِنات هامة للباحث الذي يأتي من بعده، ومهّد له الطريق للوصول، وهذا دَيْدَنُ من يحمل المسؤولية عن العالم، ويسعى لخدمة الناس وما ينفعهم، ولا يقال بهذا الصدد أن من قضى وقتا طويلا في التجريب والمحاولات دون أن يصل قد ضيّع وقته، لا يقال ذلك لأن الاختراع طموح المبدعين، والإتيان بما يفيد الناس هاجس العظماء، وكنصيحة للباحثين أحيلكم على مقولة عبقريّ في المعارف تصلح في العلوم التجريبية، بل تستحق أن تكون أُسّاً للباحث في العلم التجريبي، وهي ضرورة أخذ الأمور من آخر ما انتهى إليه الباحثون، وقد وقعتُ شخصيا في هذا بحيث وجدْتُني أصل إلى نتائج قد سبقني إليها باحثون في ستينيات القرن الماضي، والسبب أنني لم أطّلع على تلك البحوث لقلة قراءاتي وقلة معرفتي في العلوم التجريبية فشرعت أبحث وأبحث إلى أن انتهيت إلى نتائج قد سبقني إليها غيري، وهذا لا يليق اليوم بالباحث الموسوعي، ولا بالباحث المثقف، ولا بالباحث الفطن وقد سهُل عليه اليوم الاطِّلاع على ما يريد في الشبكة العنكبوتية وهو كثير جدا وكاف وسيأتي عليه يوم يُسْحب من الشبكة العنكبوتية لما فيه من إمكانية المنافسة على التقدم العلمي والتقني وبالتالي اقتعاد مكانة مرموقة في الموقف الدولي بين الشعوب والأمم، فالإمبريالية والرأسمالية والاشتراكية والصهيونية والماسونية وإن فتحوا المجال للاطلاع على ذلك إلا أنهم بذلك كانوا جواسيس على كلّ من يستعمل الحواسيب والهواتف الذكية وغير الذكية على حد تعبيرهم (الذكاء لا ينسب إلى الميت وهو الجماد بل ينسب إلى الحي، ولا علاقة له بالمجاز إن تم إقحام وصف الذكاء للآلة لغياب العلاقة التي تُظْهِر المجاز)، وحين يتم لهم ما يريدون سيسحبون كل ما يؤدي إلى التحرر والوقوف بكرامة بين الشعوب والأمم الناهضة علميا وتكنلوجيا، بل إن من شأن الحضارة الإسلامية وهم يعرفون ذلك؛ أن تقتعد موقعا في النهضة الفكرية الراقية التي ليس لها مثيل بالإضافة إلى النهضة العلمية والتقنية، وهذا هو المخيف في حق من يرغب في الإبقاء على استغلال الناس واستعبادهم، لأنه يدرك أن الإسلام إذا ساد منع الظُّلْم وحارب الظَّلَمَة، فالاتِّكاء على آخر ما انتهى إليه الباحثون وأخذه دون ترجمة، أقول: دون ترجمة؛ لا بدّ منه حفاظا على الوقت والجهد، فجزى الله عنا صاحب المقولة، العبقري محمد متولي الشعراوي (1911م ــ 1998م) فقد قال:

((على الإنسان العاقل أن ينظر في تجارب من سبقه، وأن يأخذ التجارب بغايات ثمارها، حين يأخذ التجارب بغايات ثمارها لا يقوم بالتجريب مثل ما فعل المجربون، بل يأخذ الأمر من نهاية ما انتهوا إليه)).

العالم الجليل والمفكر العبقري: محمد متولي الشعراوي، مقولة الشعراوي رحمه الله في فيديو نقلا عن قناة ناشر الأمل، حديث للشعراوي تم تسجيله سنة: 1973م ولم ير النور إلا بعد مرور أربعين سنة على تسجليه.

والعالم الفذ والعبقري العظيم "نيكولا تسلا" (1856م ــ 1943م) له ما يزيد عن 700 براءة اختراع، هذا العبقري يلقبونه بالمهندس المعماري للقرن العشرين، وكيف لا يكون كذلك والعالم اليوم يحيا ويعيش على اختراعاته، فانتقال الكهرباء لاسلكيا من اختراعه، والمحرك الكهربائي من اختراعه، والراديو من اختراعه، والتلفاز والرادار والسونار وأجهزة التحكم عن بعد والمحركات التيرموديناميكية ومحطات الطاقة الكهرومائية والمصابيح التي تعمل بالشرر وموانع الصواعق وقياس الترددات وعدادات السرعة وملف تِسْلا والرنين المغناطيسي والمحولات وتكنولوجية الاتصال عبر الأقمار الصناعية ومصباح النيون ومصباح الفلوريسنت والأشعة السينية وغير ذلك كلها من اختراع هذا العبقري العظيم، ولولا المناخ الذي وفرته له دولة الخلافة؛ الدولة العثمانية وهو في قريته الصغيرة بصرْبيا يتلقى تعليما دينيا مكثفا في بيته لأن والده كان كاهنا؛ لما برز هذا العالم، ولما أفاد نظرا لعيشه في دولة تحضن رعاياها ولو كانوا أقلية وتدافع عنهم وتجعل لهم حقوقا مثلما لغيرهم رغم اختلاف عقائدهم ودياناتهم.

ومن الطريف في حق هذا العالم أنه يصف طريقة اختراعه دون تجارب كالآتي: ((إذا رغب أحد في بناء سيارة تصميمها مازال في مرحلته البدائية عند القيام بالتجارب سينحصر عقله في تفاصيل السيارة وسيفقد القدرة على رؤية المبادئ الأساسية)) التكنولوجيا نعمة من الله العبقرية المجهولة التي أثارتها الإمبراطورية العثمانية نيكولا تسلا، شريط فيديو به حقائق كالتي ذكرت وبه مغالطات فظيعة جعلت من المصريين القدامى أربابا للتقدم العلمي والتقني اليوم بحيث قد سبقوا العالم واستعملوا الكهرباء اللاسلكية وعرفوا الموصلات والمكثفات والبطاريات..

ويقول في مذكراته: ((براعتنا الفكرية تأتي من الله، من القوة الإلهية، عندما نركِّز تفكيرنا في هذه الحقيقة سوف نتواكب مع هذه القوة، مجالات اهتمامي ليست قطعا اختياري الأول، فأنا أؤمن كليا أنها منحة من الله بالقوة الإلهية، على عكس ما يُعتقد ليس لدينا حرية اختيار أفكارنا)).

ما يقوله تسلا عن مِنَح الله عز وجل صحيح ولكنه لم يكن يعي عليه، فهو عطاء الربوبية يشترك فيه الناس كل الناس بحسب استعدادهم لتقبُّل ذلك العطاء، فهناك عطاء في المقدور التصرف به، وهناك عطاء يحتاج إلى ارتفاع مستوى الإنسان حتى يصل إليه، والارتفاع في حق الإنسان يعود للإنسان ذاته، أما الله تعالى فقد جعل الناس سواسية في الإدراك والإحساس مع التفاوت فيهما كل بحسب قدرته على الإحساس من إحساس مرهف إلى إحساس ملبد، وبحسب قدرته على الإدراك من إدراك واسع إلى إدراك ضيق، وكل بحسب ما يملك من مقومات تساعده على ذلك كالعلم والمعرفة والثقافة والوسط البيئي.. فنيكولا تسلا تعلم الميكانيك والكهرباء، والعلم أساس لأنه معارف وعلوم يُبْنى عليها، وعليه كان هذا النوع من العطاء غير النوع الآخر الذي حرم تسلا نفسه منه، فقد اشتهر وأصبح حديث الناس والعلماء، وصار ذو فضل عليهم فيما اخترعه واكتشفه وهذا كله جزاء على فعله، وسيظل كذلك إلى أن تذهب الحياة من هذه الدنيا إلى غير رجعة، بينما عطاء الألوهية عطاء آخر لا يستلمه الإنسان إلا بإرادة الله عز وجل مع اختيار الإنسان له والاستعداد لذلك، فالله تعالى جعل الناس أول الأمر أمة واحدة على ملة واحدة إلى عهد نوح، ثم تفرقوا في معتقداتهم بحسب اختياراتهم وبحسب مضلِّلين غشّوهم وقادوهم إلى رفض عطاء الألوهية، والله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، ولا يعني ذلك أن شقاء الإنسان وكفره عائد إلى الله، كلا، فرحمة الله تعالى بابها مشرعٌ لغير الظَّلَمَة، مشرعٌ لكل من تخلى عن الظلم، فالظلم مانع قوي وحائل كبير إلى أن يتخلى عنه الإنسان ويرجع عنه،  عندها تلحقه رحمة الله، فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، والإنابة شرط أساسي للحصول على العطاء الإلاهي الذي هو في أصله عطاء الربوبية، وهذا العطاء لا يحصل إلا عند ارتفاع الإنسان بعقله إلى مستوى رفض الظلم وكراهيته، ومن أعظم الظلم الكفر بالله ورسله وعدم اتباع رسالاتهم، وعليه فالإنابة والرجوع والعودة إلى الله تعني التخلي عن الظلم، وإذا كان نيكولا تسلا مسيحيا وأبوه كاهنا قد نصَّره وقد شبّ الولد على المسيحية وكبر حتى صار عاقلا مكلفا يستطيع الاختيار، فهو بهذه العطاءات كان أجدر به أن يضيف إلى عطاء الربوبية عطاء الألوهية، فقد منحه الله تعالى ما قال وما صرح به وهذا صحيح مع وجود شروط، وحين لا توجد شروط يكون الأمر اصطفاء من الله عز وجل لا يُسأل عنه وليس هو من قبيل عطاء الربوبية ولا هو من قبيل عطاء الألوهية، بل هو عطاء متميز يشكر عليه صاحبه ويحمد ولا يلام عليه ولا هو هذا ولا هو ذاك، بل هو عطاء خاص به جلّ وعلا قد أكرم به عباده المُخْلَصين من الأنبياء والرسل حين اصطفاهم للتبليغ عنه.

إن عطاء الألوهية كان يجب أن يتوفر لدى نيكولا تسلا أيضا، والسبب في عدم توفره لديه هو أنه قد ظلم نفسه حين عقّ عيسى ولم يعمل بنصيحته اتباع صاحب آخر رسالة سماوية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا يعني هذا ألا نأخذ من نيكولا تسلا وأمثاله العلوم، لا، بل نأخذ العلوم التجريبية حتى من أعدائنا شرط الحذر من الغش والتدليس لأن العلم عالمي لا يختص بشعب دون آخر، ولا بأمة دون أخرى، فالذهاب إلى فلسطين من أجل تعلم العلوم التجريبية في جامعات "تل أبيب" مثلا لا يضيرنا، ولكنه إن حصل دل على اختيار خاطئ نظرا لطبيعة إسرائيل العدوانية مع المسلمين خاصة، ومع الأحرار عامة. 

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

تقنية تخيُّل الكلّيات وتقنية تخيُّل تفكيكها

ونيكولا تسلا نموذجا

 

إن تقنية تخيُّل الكلِّيات، ليست هي تقنية تخيُّل تفكيك الكُلِّيات.

فتقنية تخيّل الكلية الواحدة مثلا، أي صورة عن كلية واحدة كاملة أو ناقصة يقيمها العقل، أي تقام بالتفكير المنتج الذي يأخذ المعطيات الموجودة بين يدي الباحث، أو يوجِد معطيات غير موجودة ليبني عليها ما يريد التوصل إليه.

وتقنية تخيّل الكُلِّيات عمل العقل، ولكن ضمن الخيال الواقع في الممكن عقلا لأنه إن لم يكن مُمْكِنا ًعَقْلاً لا يمكن أن يكون ممكنا فعلا، ثم البحث لها عن جزئيات وتركيبها.

أما تقنية تخيّل تفكيك الكليات لنجعل منها أجزاء نستعملها فيما يفيد أو فيما يضر فلا يتأتّى إلا بالممارسة العملية للتفكيك، بالممارسة العملية لاستخلاص أجزاء الكلّ وجعلها بين يديْ الباحث، والممارسة العملية للتفكيك تكون بالوسائل والأدوات الموجودة، فإذا لم تكن موجودة؛ فتخيُّل أشكالها واستغلال مواد لإنتاجها هو ضمن المبحث الأول نعود إليه ولا ضيْر، ثم نستأنف العمل مادام لا يوجد ما يمكِّننا من استكمال البحث بسبب غياب أدوات ووسائل، فالعمل على إيجاد تلك الأدوات والوسائل من خلال المواد الموجودة داخلٌ ضمن المبحث الأول ولا بد منه للانتقال إلى المبحث الثاني، وعليه لا بد من السير جنْباً إلى جنْب، كُلِّيات تحتاج إلى تفكيك، أي تخيُّلٌ يحتاج إلى تخيُّلٍ يليه في الاشتراك من أجل الوصول إلى استغلال الكُلِّيات بعد إبداعها في الخيال، وأجزاء الكُلِّيات تُستخلص هي أيضا من الكُلِّيات من أجل إيجادها في واقع الحياة واستغلالها سواء كان الاستغلال لها دون تركيبها في كُلِّية، أو كان استغلالها وهي مُركَّبة في كُلِّية، ولا يقال بهذا الصدد أن الجزء الذي يتم توظيفه واستغلاله خارجا عن الكلية هو فيها، لا يقال ذلك لأن التنوُّع في استغلال المادة والطاقة ليس أسير المادة والطاقة، بل أسير العاقل الذي يسخِّرها، فقد يكون الجزء في الكُلِّية والكُلِّية تقوم بوظيفة خاصة لا يقوم بها الجزء بحيث يعزل عنها وظيفيا وهو في ركابها، والمثال على ذلك من الصمّام الثُّنائي، الديود Diode.

فالدارة الكهربائية التي بين أيدينا والتي تعود للمهندس وليد عيسى مأخوذة من فيديو دورة عملية في الإلكترونات مكوّنة من مقاومة، وثلاثة ديودات، ومصدر كهربائي 10 فولت من التيار المستمر، وكل ديود مصنوع من السيليكون يأخذ لنفسه ضريبة حسب تعبير المهندس وهي: 0,7 فولت، وقيمة الأخذ تنزل بالجهد إلى أقل من المصدر، أي تخصم قيمة ما يأخذ الديود من المصدر وهكذا سائر الديودات، ومعنى ذلك أن الديودات مع المقاومة والمصدر الكهربائي قد شكلوا دارة كهربائية، وهذه الدارة هي ما ننعته بالكُلّ لأنها جامعة لأجزاء، فهي دارة مكتملة تظهر عمليا، وأجزاؤها هي التي عرفناها: مصدر كهربائي، مقاومة، ثلاثة ديودات، فكانت العملية الحسابية كالتالي: 10 فولت، ناقص قيمة ثلاثة ديودات قادرة على تحمل التيار المار في المقاومة، مقسومة على قيمة المقاومة؛ تساوي التيار المار في المقاومة، ولكن إذا أخذنا جزءاً واحدا منها وهو الجزء الذي يقع بين المقاومة وأنود Anode الديود الأول نجده يساوي 2,1 فولت، وهذه القيمة تختلف عن القيمة التي توجد في الديود الثاني والثالث، ومعنى ذلك اختلاف الجهود المطبَّقة في الدارة الكهربائية، فإذا أردنا استغلال جهد 2,1 فولت مثلا كأن نغذي لِدّاً صغيرا يعمل بجهد: 2,1 فولت فلنا ذلك، وهنا نكون قد وضعنا دارة كهربائية عبارة عن كُلّية، أي عبارة عن أجزاء صارت كلية عند جمعها معا، ولكن حين انتزاع 2,1 فولت لتغذية لِدٍّ Led صغير خارج الدارة الكهربائية نكون قد استعملنا جُزْءاً داخلاً في الكُلّية ووظّفناه وظيفة ليست هي التي يقوم بها في كُلِّيته، وهنا تتحقّق وظيفة الجزء خارجاً وهو في ركاب الكُلِّية.

وهناك تخيُّلٌ آخر لا بأس أن نضيفه إلى بحثنا وهو تقنية إبداع الجزئيات، ثم جمعها أو جمع أجزاء منها لجعلها كُلِّيات، أي لإخراج كُلِّيات منها وجعلها في الواقع المدرك وهو عينه الإبداع والعبقرية.

إن تقنية إبداع الجزئيات، ثم جعلها كُلِّيات هو بمثابة بناء مَرْكَبة تظهر عند تمام البناء مستعملة وهي مُركَّبة من أجزاء، إذ كانت الأجزاء هي التي أوصلتنا إلى الكُلِّيات، فلولا الأجزاء لما ظهرت الكُلِّيات، ولولا الكُلِّيات لما ظهرت الأجزاء لأن كل شيء في الكون يبدو مُرَكَّباً، هذا إذا اشتغلنا على جزئيات موجودة بين أيدينا لنجعل منها كُلِّيات وهو كائن وقد تقدمنا فيه كثيرا، ولكنني هنا لا أقصد هذا المعنى، فقصدي من تقنية إبداع الجزئيات ليس هو من قبيل أخذ ما هو موجود مسبقا، لا، ليس قصدي أن أزرع جزئية واحدة هي حبة القمح مثلا ثم أنتظر نضوج الزرع لأحصد عند نضوجه كُلِّيات تظهر للعيان وهي السنابل الحاملة لحبات القمح، ليس قصدي أن أشترك بجزئية هي نطفتي مع زوجي التي لها جزئية أخرى هي البويضة، ثم أحصل من خلال اندماجهما ونموّهما في الرحم على كيان كُلّي هو الإنسان عينه، هو ذريتي، بل قصدي أن آتي بجزئية غير موجودة وبها أبني كُلِّية، فكما أن التخيُّل هو الذي أوصلني إلى تصوُّر كُلِّيات، ثم انتقلتُ إلى تقنية تخيُّل تفكيك الكليات، كذلك تقنية تخيُّل جزئية واحدة، ثم إيجاد تقنية تخيُّل بناء الكُلِّية منها..

ولا بأس من الوقوف على تجربة نيكولا تسلا في اختراعه للمحرك الكهربائي حتى ندرك تقنية تخيُّل الكليات وتقنية تفكيكها.

في مذكراته يقول نيكولا تسلا أنه حين كان يسير مع صديق له في حديقة ببودابست فجأة رأى صورة بعينيه، وهذه الصورة كانت لذلك الساحر الذي أشعل ثورة في الصناعة الكهربائية، كانت الصورة للمحرك الكهربائي، ويصف هذه الصورة بأنها حقيقية يمكنه لمسها بيده، وقد تحدث في سيرته الذاتية عن الجانب الفني للصورة فقال بأن الصورة الفنية للمحرك ظهرت هي الأخرى في ذهنه لحظة ظهور صورة المحرك، وفورا بدأ عمله برسم مبدئي على الرمال مستخدما غصن شجرة حتى لا ينسى.

لدينا في كلام العبقري نيكولا تسلا عدة جوانب مهمة تصلح للنقاش، وتفيد في الاستدلال على إبداع الصور الكلية وتخيلها، وإبداع الصور الجزئية وتخيلها أيضا.

فقد رأى المحرك الكهربائي على شكل صورة، ومعنى ذلك أنه قد تخيل صورة للمحرك وهو في اليقظة يسير مع صديق له، معنى ذلك أنه قد رأى صورة كلية، رآها بخياله وهو لم يعرف بعد المحرك الكهربائي، ولم يعرف بعد وظيفته، وعند النظر إلى إبداعه للمحرك نجد أنه مسبوق بتخيل الجزئيات، صحيح أنه قد رآه صورة كلية، ولكنها صورة غير واضحة في تركيبها، فالأجزاء المركبة منها يفتقد إلى معرفتها، ولكنه حين شرع في إبداع الأجزاء، في تخيل الجزئيات عندها شرع في عملية التركيب لتلك الأجزاء حتى صارت صورة كلية للمحرك الكهربائي، صارت صورة حقيقية من خلال بنائها وتركيبها لتصير كلية، وهو في إبداعه لم يجد في الواقع كلية، ولم يأت بتقنية تفكيكها لأنها غير موجودة في الواقع، صحيح أنها في خياله ولكن لكي تصير واقعا يحتاج الأمر إلى تركيبها، ولكن الأجزاء التي ستتركب منها هي الأخرى غير معروفة ولا هي موجودة يحتاج الأمر إلى إيجادها، وهنا، هنا بالذات انفتق ذهن العبقري عن جزئيات موجودة يتم توظيفها، أو غير موجودة يتم صنعها، هي الأسلاك النحاسية، هي الملفات، هي العضو الثابت؛ الستاتور STATOR هي العضو الدوار؛ الروتور ROTOR ، والتيار الكهربائي التي شرع يوظفها في التركيب حتى اكتملت الصورة الخيالية التي رآها أول الأمر، ثم صارت كلية بين يديه هي المحرك الكهربائي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختراع الغدد الإلكترونية

والشموس الاصطناعية

وحتى أسهِّل على القارئ المحترم ما ذهبت إليه أقول: إنه حين أصدرتُ بعض إبداعي الروائي والقصصي كان فيه شيء من الخيال العلمي، والخيال العلمي يدخل في التخيُّل لإيجاد الكُلِّيات وبنائها، أو التخيل لإيجاد الجزئيات من أجل تركيبها للحصول على الكلية، أو التخيل لكيفية تفكيك الكليات، فقد جاء في رواية: "انتفاضة الجياع" النشرة الورقية (الطبعة) الأولى سنة 1999م. النشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م. الإيداع القانوني: 462 ـ 98، ردمد  1114 – 8640 ISSN.

((ـ إن كبار المتخصصين، وكبار المعاهد العالمية المهتمة بموضوع السرطان لم يتوصلوا بعد إلى اكتشاف دواء ناجع للسرطان رغم عملهم الدؤوب، ورغم النفقات العالية على البحوث، فكيف انطلت عليك اللعبة؟ لعل الرجل يريد النجاة لنفسه من القتل فاحتال عليك بهذه الخديعة.

مقداد: يا سيدي النبيه ليست لدي خبيئة حتى تنعتها بالخديعة، فهل تصدق أن الإنسانية سوف تصل إلى اكتشاف عقار عبارة عن دواء وظيفته المحافظة على ما لا يضر بصحة الإنسان كالاحتفاظ بميكروبات وجراثيم دخلت الجسم في حدود معلومة، وبتعبير آخر دواء يشبه اللقاح، أو هو كذلك؛ لمعظم الأمراض مع الاحتفاظ بالبعض الآخر والتي لا تشكل خطورة على صحة المريض؟))

جاء في الرواية شيء مما تطرقت إليه وهو في باب التخيُّل لإيجاد جزئية نبني عليها كليات، أو نخدم بها كليات.

وبتاريخ 23 نوفمبر سنة: 2018م أعلنت قناة العربية أن الصين صنعت شمسا اصطناعية تفوق شمسنا في حرارتها وستستغني بها عن الإضاءة ليلا، والتوظيف للشمس الاصطناعية هو عينه التوظيف للشيء الذي أسميته المِنْشَط في روايتي: انتفاضة الجياع المطبوعة ورقيا سنة: 1999م، إذ ورد فيها أن البطل يتوق لصنع منشطه ووضعه على قمة جبل ليضيء المدينة أو القرية..

جاء في الرواية: ((يزيد من تساؤلاته المحيرة قائلا: "إذا كانت البطاريات تحتفظ بالطاقة الكهربائية لمدة معينة وبقوة ضعيفة تختلف باختلاف حجم البطاريات ألا يمكن خزن الطاقة الكهربائية في بطاريات تصغر أو تكبر ولكن لمدة أطول وبقوة أكبر تسع إنارة قرية بأكملها أو مدينة صغيرة دون أي دافع لتوليدها؟ ألا يمكن أن يحمل الإنسان معه كهرباء مخزونا في بطاريات صغيرة الحجم يسعها جيبه ولكنها بقوة فظيعة جدا؟ هل تلهمه معرفته بطاقة عظم من عظامه بحجم علبة كبريت وطاقة تحمُّله في حدود تسعة أطنان؟)).

 وجاء أيضا في رواية: طنجة الجزيرة أن الإنسان سيصل إلى اختراع جهاز يزرعه في جسمه يكون بمثابة طبيب للجسم بحيث يزوَّد بمعلومات كثيرة عن الجسم وأمراض الجسم وأعراض أمراض الجسم، فإذا اختلّت وظيفة لعضو ما مثلا نبّه الجهاز صاحبه في هاتفه المحمول أو في حاسوبه أو في أي شيء يتلقّى معلوماته فيهرع إلى العناية بجسمه قبل استفحال المرض، بل إن الجهاز يرسل إشارات يزوِّد من خلالها صاحبه بمعلومات عن نقص في البروتين والفيتامين والكلسيوم أو أي شيء آخر فيهرع الإنسان إلى تزويد جسمه بما يحتاج إليه، ولا بأس من اطلاعك حضرة القارئ المحترم على ما ورد بهذا الشأن في روايتي طنجة الجزيرة، فقد جاء فيها:

((أَسَرَّ لأبيهِ برَغْبَتِهِ في اخْتِراعِ جِهاز، يَرى في جهازهِ أَداةً لِلْقِياس وَحاسوباً.. يراهُ أقلَّ مِنْ حَجْم رُقاقَةٍ إِلِكْترونِيَّةٍ تُزْرَعُ تَحْتَ الجِلْدِ، أَوْ عِنْدَ قاعِدَةِ الدِّماغِ، تَخَيَّلَهُ غُدَّةً مُنَظِّمَةً مِنْ غَيْرِ الخَلايا، أَبْصَرَهُ غُدَّةً إِلِكْترونِيَّةً..

 لَمْ يَأْبَهْ والدُهُ لِتَصَوُّرِهِ، فَالرُّقاقاتُ الإلكترونيّةُ والبْلاسْتيكِيّةُ مَسْأَلَة مَطْروقَة عِلْمِيّاً وتِقْنِيّاً.. فالحواسب تَستعملُ الرُّقاقاتِ، ومنْعُ الحمْل يستعملُها بلاستيكيَّةً تَحْتَ الجِلْدِ..

 تَفَطَّنَ معاذ لأبيه وَهْوَ يَعْلَمُ حَماسَتَهُ لِكُلِّ جَديدٍ، أَدْرَكَ أَنَّ تَصَوُّرَهُ عَنْ جَديدِهِ لا جديدَ فيهِ لأنَّهُ مَسْبوقٌ، فَبادَرَهُ بِالقَوْلِ:

" لَمْ تَسْأَلْني عَنْ وَظيفَةِ الجِهازِ".

ـ اُلجِهازُ المُتَصَوَّرُ في ذِهْنِكَ يا بُنَيَّ لَيْسَ فيه إلاّ كوْنه في حَجْمِ رُقاقَةٍ إِلِكْترونيَّةٍ يَقومُ بِدَوْرِ الحاسوب أَوْ جِهازٍ لِلْقِيَاسِ..

ـ وَلَكِنَّ القياس المُتَوَخّى قياسٌ من نَوْعٍ خاصٍّ وَمُتَنَوِّعٍ.

ـ كَيْفَ؟

ـ هناك أجهزة لقياس التدفئة والتهويَّة والقَلَوِيَّةِ والحُموضَةِ وغيرها، فهل يمكن جَمْعُها في جهاز واحد؟

ـ إِنْ كُنْتَ تَقْصِدُ التِّرْموسْتاتْ الطَّبيعِيَّةَ فَالجِسْمُ البَشَريُّ يَمْتَلِكُها، وَهِيَ الَّتي تُنَظِّمُ الحَرارةَ، وهِيَ موجودة في جُزْءٍ مِنْ قاعدةِ الدِّماغِ تُسَمّى "الهيبوتْلاسْ"، وآلياتُ طَرْدِ الفائِض من الحرارة مَعْروفَة كالتَّنَفُّسِ وَالتَّعَرُّقِ والتَّحَرُّكِ، وَإِنْ كُنْتَ تُريدُ...

تَوَقَّفَ مُفَكِّراً سارحاً في اسْتِنْتاجاتِهِ، ثُمَّ عاوَدَ الحَديثَ يَقولُ:

" هَلْ تَقْصِدْ...؟".

ـ لا، بَلْ أَقْصِدُ جِهازاً لَيْسَ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، لا أَميلُ لِاسْتِغْلالِ الخَلايا الجِذْعِيَّةَ.

ـ كَيْفَ؟

ـ هناك أجهزة لمعرفة الأَعْدادِ والأَوْزانِ والأَطْوالِ، وأجهزة للحساب الذَّرّي وغيْرِ ذلكَ.

ـ نَعَمْ.

ـ فهل يمكن جمعها في جهاز واحد؟.

ـ مُمْكِن.

ـ وَلَكِنَّكَ لَم تسألني عن حاجتي لهذا الجهاز.

ـ وما هيَ؟

ـ أُريدُ لِجِهازي أَنْ يَقيسَ حاجَةَ الجِسْمِ مِنَ التَّدْفِئَةِ والتَّهْوِيَةِ.. من الأَغْذِيَّةِ البِنائِيَّةِ كَالبروتينِ والكالسيومِ.. والطّاقيّة كَالسُّكريّاتِ والدُّهْنِيّاتِ.. والوظيفيّةِ كالفيتاميناتِ والأَمْلاحِ المَعْدِنِيَّةِ وَالماءِ..

ـ لا أرى في جهازكَ إلا تِقْنِيَّةً تُعْنى بِضَغْطِ الموادِ والاِسْتِغْناءِ ما أَمْكَنَ عَنِ الأَحْجامِ الكَبيرَةِ.

ـ وإذا كان جهازي اللاّصقِ تَحْتَ الجِلْد، أَوْ مُثَبَتّاً كالغُدَّةِ بِمَثابَةِ أَخِصّائِيّينَ كُثُرٍ؛ وَأَجْهِزَةِ فَحْصٍ كَثيرةٍ، فَهَلْ يكون مُهِمّاً؟

ـ هَلْ تُريدُ أَنْ تَصِلَ إِلى مَعْرِفَةِ حاجَةِ الجِسْم من الطّاقة ومعرفة ما طرأ عليه مِمّا يسبِّبُ لَهُ الْعَطَبَ والمَرَضَ؟

ـ نعم، وأن يكون مُتَضَمِّناً وسيلةَ إشْعارٍ تُنَبِّه إلى تِلْك الحاجِياتِ فَيَقومُ الإنْسانُ بسدِّها، وإِلى مُسَبِّباتِ الأَعْطالِ والأَمْراضِ حَتّى يَتَفاداها، ألا تَرى إِلى الغُدَّةِ الدَّرقِيَّةِ؟ ألا تَضْبِطُ مُعَدَّلَ ما تَحْرِقُهُ الخلايا مِنْ غَذاءٍ، وما تُنْتِجُهُ من طاقَةٍ؟

ـ بَلى.

ـ والغدَّة النُّخامِيَّةُ مع إِنْتاجِها للهُرْموناتِ، ألا تُسَيِّرُ سائرَ الغُدَدِ الصَّمّاءِ؟

ـ بلى.

ـ لا أَطْمَعُ أَنْ يَقْتَصِرَ جهازي عَلى مَا ذَكَرْتُ لَكَ، أَرْغَبُ أن يراقب عمل الغدد والخلايا والعضلات والأعضاء.. أُحِبُّ أَنْ يُقَرِّر مُحْتَوى ما في الجِسْمِ مِنْ كارْبوهادريتْ ودُهونٍ وَأَمْلاحٍ مَعْدِنِيَّةٍ وَبْروتيناتٍ وفيتاميناتٍ وَماءٍ لِيُشيرَ إِلى الحاجَةِ منها فَتُقْضى، أَوْ يُشيرَ إلى عَدَمِها فَلا تُقْضى..

طار الوالد من مقعده واحتضن ولده وشرع يُقبِّلُهُ غابِطاً لِمَغْبوطٍ، يرى في الصّورةِ الذِّهنيَّة الّتي أبداها له فَتْحاً وأيَّ فَتْحٍ، يَتَرَضّى عليه ويضغط بشدَّة لا يبالي بالألم الذي يُحْدِثُهُ بِضَغْطِهِ، يَهيمُ مُنْتَشِياً بِبُنُوَّتِهِ، وَيَسْعَدُ نَشْوانَ بأُبُوَّتِهِ..

 انْكَبَّ معاذ على تَطْويعِ صورتهِ، شرع يُعَدِّلُها وَهْيَ تَتَمَنَّعُ عليه، يُراودها محاولا كَسْرَ كِبْرِيائها، تزْدادُ تَمَنُّعاً وَتَشْتَرِطُ عُلُوَّ هِمَّةٍ وَرُكُوبَ إِقْدامٍ، وَكُلَّما اسْتَسْلَمَ لِشَرْطٍ مِنْ شُروطِها تَناسَلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولوداً كَمَلِكَةِ النَّحْلِ. يَتْرُكُها مُعْتَكِفَةً في مِحْرابِها ويَسْتَنْبِتُ لَها في خياله مَرْصداً يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَيْها، يُعاوِدُ تَعْديلَها ولا يقفُ لبناءٍ بَعْدَ تفكيكٍ، ولا لِتفكيك بعْد بناء، يجْمع لها ويوسع في فَلَكها حتى تتحرر من الرَّتابَةِ، ثم تنطلق كالكوكب الدوّار في مجرَّةٍ أُفُقُيَّةٍ. ظلّ مقلِّباً لصورته يحسُب لدقائق الأمور ضعف عظام جسمه وعضلاته عدا عضلات الِابْتِسامِ والعَبوسِ ـ25ـ؛ حَتّى الطعامُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالعُصاراتِ المُتَدَفِّقَةِ مِنَ الكَبِدِ والبَنْكْرِياسْ Pancréas لِهَضْمِ الشُّحومِ والدُّهونِ والبْروتينْ والكارْبوهايْدريتْ؛ يريد أن لا يسمح بتناوله إن لم يكن حاجةً جِسْميَّةً، والبَكْتيرْيا المُساعِدَةِ عَلى الْهَضْمِ يطمع في حسابِها، والخمائرُ المُهَضِّمَةُ الّتي يَصْنَعُها المَعْيُ الصَّغيرُ يتوقُ لِقِياسِها، والخليَّةُ التي تَشْرَعُ في بِناءِ الأَوْرامِ سَواءً كانَتْ حميدةً أَوْ خَبيثَةً؛ يَسْتَشْعِرُها..

وَحَضَرَ أَوانُ نُضْجِها، نَضَجَتْ بِثِمارٍ بَهِيَّهْ، وَقِطافٍ دانِيَّهْ، بَدَتْ وَكَأَنَّها عَدْن من جَنّاتٍ عالِيَهْ "لا تَسْمَعُ فيها لاغِيَهْ".

خَرَجَتْ مِنْ خِدْرِها بائِعَة الهُيامِ، بَهِيَّة القَوامِ، عَروساً كَالبَدْرِ تَجُرُّ كِبْرِياءَها، عَريسُها يَنْتَظِر، والكَوْنُ مِنْ حَوْلِهِما يُغَنّي لِلْعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ..

ظَهَرَ جِهازُهُ غُدَّةً إِلِكْترونِيَّةً دَقيقَةً قابِلَةً للزَّرْعِ تَحْتَ الجِلْدِ وفي كلِّ مَكانٍ مِنَ الجِسْمِ.

يَقومُ الجِهازُ بِتَحْديدِ ما يَكونُ عَلَيْهِ الجِسْمُ في حينِهِ وَيَحْسُبُهُ بِدِقَّةٍ مُتَناهِيَّةٍ، وَإِذا حَصَلَ خَلَل في عُضْوٍ ما؛ نَبَّهَ المُؤَشِّرُ أُذُنَ صاحِبِهِ، أَوْ رَجَّ كِيانَهُ، وَعِنْدَ تَنْبيهِهِ يُسْرِعُ الإِنْسانُ إِلى قِراءَةِ الإِشاراتِ في جَوّالِهِ، أَوْ في حاسوبِهِ، يُقيمُ صِلَةً بَيْنَ الجِهازِ داخِلَ جِسْمِهِ والجِهازَ خارِجَ جِسْمِهِ عَلى بُعْدِ عَشَراتِ السِّنْتِمِتْراتِ، فَإِذا كانَتْ مُتَطَلَّباتٍ يَحْتاجُ إِليْها الجِسْمُ؛ يُحَدِّدُها مَوْصولَةً بِأَسْماءَ ما يَعوزُهُ فَلا يَبْقى إِلاّ إِحْضارُها وَإِلقاؤُها وتَناوُلُها، وَإِنْ كانَتْ إِنْذاراتٍ تَعامَلَ مَعَها المَرْءُ وِفْقَ ما يَلْزَمُ..

سَعِدَ معاذ لاِخْتِراعِهِ وَقَرَّرَ دَعْوَةَ أَصْدِقائِهِ لِحَفْلَةٍ شايٍ، اكْتَشَفَ لَهُمْ شايَ العَباقِرَةِ، ثُمَّ دَعاهُمْ إِلى بَيْتِهِ لِتَجْريبِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يَرْكَبُ إِلْهاماً ما فَتِئَ يَظْهَرُ؛ حَتىّ اجْتَبى النُّبَهاءَ، واصْطَفى النُّجَباءَ)).

المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي. الكتاب: طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري للصغار فوق الرابعة عشرة) .

الإيداع القانوني: 462 ـ 98  ردمد 1114 – 8640 ISSN  الحقوق: محفوظة للمؤلف. الطبعة الورقية الأولى: 2009. النشرة الإلكترونية الأولى: غشت 2009. القطع الموسيقية: من وضع المؤلف. الغلاف: للرسامة الإسبانية من أصل لبناني   فاطمة سعيد مغير 

   Fatima Said Moguir

C / Castillo Nº 40 Santa Cruz De Tenerife C. P. 38003 _ Telf. Mob: +34650484429      السحب: إفزارن للطباعة والنشر 94  شارع فاس، تجزئة صولار ـ ب ـ فينيتو رقم 3 ـ طنجة ـ  الهاتف  0539336909 / الفاكس: 3993713105 

هذا التخيُّل مني والذي أظهرته على لسان بطل رواية: طنجة الجزيرة هو تخيُّل جزئية واحدة غير موجودة وغير مبنية على جزئية أو كلية، وهو داخل في الباب الثالث الذي ورد ذكره في هذه الدراسة، وهو أيضا نفس السيناريو الذي أبداه لنا العبقري نيكولا تسلا في موضوع محركه الكهربائي، وبه أكون قد وضعت إصبعك حضرة القارئ المحترم على كيفية تخيُّل تقنية إيجاد جزئية من لا شيء ثم البحث لها عن الشيء الذي ستظهر به وهو الجهاز، فالفكرة أولا، وتخيُّلُها مع إمكانية رؤيتها في الممكن عقلا؛ لا بُدّ منه ثانيا، ثم الاشتغال عليها، ولا يقال بهذا الصدد أني قد زعمت المستحيل حين قلت أنه بالإمكان إيجاد الشيء من لا شيء، لا يقال ذلك لأن إيجاد الشيء من لا شيء غير مُمْكنٍ عقْلاً وبالتالي فهو غير ممكن فِعْلاً، إيجاد الشيء من لا شيء مستحيل إلا على الله عزّ وجلّ، فالكون عند العلماء قد ابتدأ تكوينه بمادة أو طاقة أقل ملايين المرات من الذرة في صغر حجمها، وهم هنا لم يكونوا عقلاء كلهم، فقد جانب الصواب كثير منهم وأنكر الحقيقة الناصعة بحيث كان من الأجدر لمنكر الحقيقة أن يتابع بحثه عن الطاقة التي تقل ملايين المرات عن الذرة إلى أن يصل في انضغاطها عَقْلاً حتى يصل إلى النهاية، وهذه النهاية معروفة لدى العقلاء وهي أنها قد بدأت من العدم، جاءت من عدم، أي جاء الشيء من لا شيء، وهذا لا يقدر عليه الكون ولا الطبيعة ولا الإنسان لأن عجزهم واستنادهم في وجودهم إلى غيرهم ظاهر عليهم الشي الذي يحتِّم وصفهم بالمحدودية وعدم الاستغناء وهما صفتا المخلوق لا الخالق، وأنا هنا لا أخرج عن الكون والإنسان والحياة، فالتفكير المنتج الذي يمكنه أن يتخيل جزئية غير موجودة، ثم يعمل على إيجادها؛ تفكير إنسان يستند في وجوده إلى غيره فيكون بهذا الاستناد غير مُسْتَغْنٍ، وهو بشرٌ عاجزٌ ناقصٌ محتاجٌ متأثرٌ بالبيئة التي يحيا فيها، وعليه لا داعي لسوق مثل هذا القول فهو غير معنيّ ببحثنا ودراستنا هذه، فالبشر لا يفكر ولا ينتج إلا استنادا على معلومات سابقة أو معارف ماضية، والمعلومات السابقة شرط أساسي لإحداث العملية العقلية والتي منها التَّخَيُّل، ومادام الأمر كذلك فالإنسان متعلمٌ، ومادام متعلماً فهناك سابقٌ عليه يقوم به وإليه يستند، فتكون النتيجة أن لا أحدَ غير الله تعالى قادرٌ على خلق الشيء من لا شيء، وسأعطيك مثالا على إيجاد جزئية من لا شيء وهو الحساب الأفقي والحساب العمودي، هذان الأمران بالنسبة إليّ بحثٌ ولكنه بحثٌ أوقفني بضع سنين ولم يزل بحيث لم أتقدّم فيه خطوة واحدة، وهما من ضمن إيجاد جُزْئِيَّة من لا شيء، فالحساب الأُفُقي حساب أُفُقي لا أعرف ما هو ولا من أين يبدأ، والحساب العمودي حساب عمودي لا أعرف ما هو ولا من أين يبدأ، ولكنني مصرٌّ على بحثهما حين أجد من نفسي الارتفاع إلى مستواهما، بينما لديّ بحث آخر هو الحساب الشَّطْري وقد تقدّمتُ فيه قليلا ولكنني إلى الآن عاجز عن إتمامه لما في شخصيتي المعنوية من قصور علمي ومعرفي، ولا بأس أن أطلعك على بداية البحث، فالحساب الشطري حساب هلالي يختلف عن الحساب القمري؛ إذ يأخذ الكرة الأرضية فيشطرها إلى شطرين؛ الأول يقابل الثاني، فإذا تحرك القمر مكملا دورته حول الأرض يظل دائرا مخضعا الأرض لصورة الشطرين، صحيح أنه يقسم الأرض إلى قسمين اثنين فلا تجد له في ذلك التقسيم الأقطار الأربعة لتغير شكله من الدائرة إلى شطرها الشيء الذي يمنع التساوي في الأقطار لغياب المركز، ولكنه يوجِد بذلك الدوران جهات عديدة، وبما أن القطر المعروف يحتم وجود شرق وغرب وشمال وجنوب، فإنه أيضا يوجد شمالا شرقيا وجنوبا غربيا، وبما أنه لا وجود لدائرة حتى يظهر مركزها للحصول على التساوي في الأقطار إلا أنه يوجد مركزا في الشطر ولكنه لا يوجد تساويا في أقطار الشطر لأن الشطر غير الدائرة، فكان الشطر بقابلية أن ينوع في الأقطار داخل الشطر، وينوع في المراكز داخل الشطر أيضا ولكنه في الأول والأخير ينتج حسابا متداخلا يصلح أن يكون منطلقا لحسابات أخرى لأشياء أخرى.

وفي الحلقة المُؤرَّخة بتاريخ: (2017/7/12) من برنامج "حياة ذكية" على الفضائية قناة الجزيرة القطرية تحدّثَ البرنامج عن الطبيب الإلكتروني الذي سُقْتُه منذ ما يزيد عن سبع سنوات على لسان بطل رواية: طنجة الجزيرة المطبوعة ورقيا سنة: 2009م، جاء في البرنامج:

((أحدث هذه التطبيقات عبارة عن كرة صغيرة يكفي أن تمسك بها عشرين ثانية لتزودك بمعلومات متكاملة عن صحتك ووزنك، وعما يجب عليك تجنُّبه أو فعله لتحسين أسلوب حياتك.

ويمكن للكرة معرفة ما إذا كان غذاء الإنسان يحتوي على كافة العناصر الغذائية المطلوبة للجسم، لمعرفة ما إذا كان قد قام بالنشاط اللازم أو امتص كميات من المواد الضارة، كما يمكن للتطبيق أن يرصد معدل النوم والتوتر وحتى قلة أو شدة التعرض للشمس بشكل يومي ومقارنتها بالبيانات السابقة)).

هذا الذي توصّل إليه العلم مسبوق بتخيُّلي كما قلت والذي نشرتُه ورقيا على لسان بطل رواية: انتفاضة الجياع سنة: 1999م، وبطل رواية: طنجة الجزيرة سنة: 2009م.

وحساب نيكولا تسلا الذي يعتمد فيه على ثلاثة أرقام وهي رقم: 3، ورقم: 6، ورقم: 9، هذه الأرقام حين تضعها في مثلث وتضع رقما منها في إحدى زوايا المثلث والثاني في الزاوية الثانية والثالث في الزاوية الثالثة وشرعتَ تقوم بعملية رياضية ستصل إلى نتائج انْتَهت في المعتقد إلى الكهرباء المجانية أو الكهرباء غير المحدودة وهي التي أخفوها عن العالم حتى لا يستفيد منها.

وسأمنحك عزيزي القارئ تجربتي في إنشاء دارات كهربائية جديدة غير مسبوقة في النتائج والرسم، هذه الدارات تجعلك منشغل البال، تبحث عن أجوبة لأسئلة متناسلة، فالمعروف أن الماء عازل للكهرباء، وما نشاهده من صعق كهربائي بسبب وجود أسلاك كهربائية تعرضت للرطوبة أو مبللة بالمياه إنما هو بسبب ذوبان بعض المواد التي يحتوي عليها الماء، وعند ذوبانها تتحرّر أيونات هي التي تعمل على نقل التيار الكهربائي، وعندها نقول أن الماء ناقل للتيار الكهربائي وليس عازلا، هذا المعتقد معتقد خاطئ خطّأه العلماء والباحثون، وهو معروف عند الدارسين والمهندسين الكهربائيين، ولكن في تجربتي هذه بعد أن عرفت ما ذكر عن الماء العذب ماء الصنابير وماء الآبار والأمطار غير المصفى وغير الخاضع للتقطير؛ أنه فعلا عازل للتيار الكهربائي وبنسب معينة تخضع لنسب الشوائب والأملاح المذابة في الماء، والماء المخلوط بالأسيد هو أيضا عازل للتيار ولكن ليس بنفس درجة الماء غير المخلوط بالأسيد وبنسب معينة، والماء المقطر هو أيضا عازل للتيار ولكن بشكل أكبر إلا أنه لا يصل إلى مستوى الخشب مثلا بسبب تقطيره، إلا أن كل ما ذكر من المياه لها وظائف أخرى في الدارات الكهربائية التي رسمتها؛ سأذكرها وهي كالتالي:

ـ الماء مقاومة كهربائية ثابتة ومتغيرة.

ـ الماء شبه محول كهربائي.

ـ الماء ملف كهربائي.  

ـ الماء شبه موصل كهربائي كالديود.

ـ الماء موصل للكهرباء، وغير موصل للكهرباء، موصل جيد ورديء.

لقد توصلت إلى ما ذُكر عن طريق التجريب بحيث ملأت ماءً في قارورة زجاجية (حاوية أو وعاء)، والزجاج عازل جيّد للكهرباء، والماء ماء عادي، ماء الصنبور بمقدار 60 سنتلتر  Clثم وضعت دارة كهربائية مصدرها 225  فولت 50 هرتز، بها مصباح (مقاومة) قدرته 20 واط، وموصِّلين اثنين أحدهما للموجب والثاني للسالب، وهما من التيار المتناوب، تارة يكون هذا موجبا، وتارة يكون هذا سالبا، والعملية كما هو معروف تتعلق بالذبذبة أو الهرتز، وحين ربطت الدارة بالمصدر الكهربائي المتناوب وهو مصدر منزلي وجدت أن الماء ناقل للتيار الكهربائي بحيث اشتغل معي المصباح وأضاء دون أيّة عرقلة إلا في قيمة الجهد والتيار بحيث تغيرا عما كان يجب أن يكونا عليه لولا وجود الماء، وتستطيع حضرة القارئ المحترم القيام بالتجربة لترى بأمّ عينيك مطابقة ما أقول للواقع.

ولكي أُوَفِّر عليك بعض الوقت لا بأس من مناقشتك في محتوى الماء من الشوائب والأملاح والمعادن التي تذوب فيه مثلا، وعند ذوبانها في الماء تتشكل الأيونات وهي المسؤولة عن نقل التيار الكهربائي وعندها نقول مُتَوَهِّمين أن الماء ناقل للتيار الكهربائي ولكنه ليس كذلك، أليس هذا هو المعروف عِلْمِيّاً؟

نعم هذا هو المنتشر في الأوساط العلمية المهتمة بالكهرباء، ولم يستقر العلماء والباحثون على هذا المعتقد إلا بعد عدة تجارب انتهت إلى هذه النتيجة، نتيجة أن الماء عازل للكهرباء وليس ناقلا، وما يظهر من نقل الماء للكهرباء فإنما هو لغير الماء، هو للشوائب والمعادن والأملاح المذابة في الماء التي تنتج الأيونات بدليل أن الماء المُقطَّر Eau Distillée وهو الماء الصافي الخالي من الأملاح والمعادن والشوائب عازل جيّد للكهرباء كما يقولون.. هذا عندهم بديهي لا يخالفه أحد حتى يشكّك في النتيجة التي توصلوا إليها فأصبحت مشهورة، وتكاد تكون من المُسَلّمات، بل هي كذلك.

فأما كون الماء العذب ماء الصنابير، والماء المصفّى الخاضع لأجهزة التصفية، وماء البتري مقاومة كهربائية ثابتة وغير ثابتة فيتجلى ذلك في إعاقته لمرور التيار الكهربائي وهذه هي وظيفة المقاومة الكهربائية بحيث وجدتُ أن الجهد قد انخفض والتيار أيضا قد انخفض ومعنى ذلك وجود مقاومة تعيق مرور التيار وتُغَيِّر من قيمته وقيمة الجهد، وما أعلمنا بذلك إلا قياسنا للجهد والتيار لنفس الحمل الذي هو بقدرة 20 واط دون وضع الماء في طريقه بحيث يستهلك الحمل من الواط ما هو مسجل عليه ويكون الأمبير والجهد المسجلين عند القياس هما اللذين يجب أن يُسجلا، وهي:

P = 225 V * 0,087 A = 19,57 watt

R = 225 V ÷ 0,087 A = 2,586 K

V = 0,087 A * 2586 = 224,98 V

ولا تكون هذه النتائج واحدة عند إضافة الماء كعنصر كهربائي بحيث يتَحكَّم فيها (أي في النتائج) وجود نسب متفاوتة من الشوائب والأملاح والمعادن الذائبة في الماء، وهذه النسب مع ارتفاع في درجة حرارة الماء هي التي تغير من قيمة المقاومة فتصبح غير ثابتة، ثم تعود فتصبح ثابتة.

والمقاومة ذاتية لكل مادة لأنها خاصية فيزيائية لها، إلا أن المادة تختلف من حيث المقاومة الكبيرة والضعيفة والمتوسطة، وكلما كبرت المقاومة قلّ مرور التيار في الدارة الكهربائية، وكلما قلّت المقاومة زاد مرور التيار في الدارة ويتحكم في ذلك طول الموصل وسمكه ونوعه ودرجة حرارته، والماء الذي نتحدث عنه له خاصية فيزيائية هو الآخر وبالتالي له نفس الوظيفة في الدارة الكهربائية ولكن ذلك يحسب من خلال محتويات الماء من الشوائب والمعادن والأملاح المذابة فيه، فكلما زادت الشوائب والأملاح والمعادن المذابة في الماء زاد مرور التيار، وإذا قلّت قلّ مرور التيار وهذه العلاقة عكسية لا تشبه علاقة المقاومة مع طول الموصل، فالعلاقة بين طول الموصل مثلا والمقاومة علاقة طردية إذ كلما زاد الطول زادت المقاومة ولكنها في الماء عكسية فكلما زادت الشوائب زاد مرور التيار، أي قلّت المقاومة، فهي شبيهة بعلاقة مساحة مقطع الموصل والمقاومة تلك العلاقة التي تتناسب عكسيا مع المقاومة، فكلما زاد سمك الموصل قلّت المقاومة. 

والمثال على ما ذكرنا الدارة الكهربائية رقم (2) وهي مكونة من ماء الصنبور كأهم عنصر فيها، فقد سجلنا عند مدخل قارورة الماء نفس جهد المصدر وهو: 225 فولت، ولكن عند مخرج الموصل من الجهة الأخرى وغير المرتبط بالموصل الداخل إلى القارورة الزجاجية سجلنا: 76,4 فولت، معنى ذلك حصول إعاقة للتيار وانخفاض الجهد وهو ما تقوم به المقاومة الكهربائية، وعند حساب المقاومة تبين ما يلي:

P = V * A

V = I * R

I = V ÷ R

R = V ÷ I

 

225 V ÷ 0,058 A = 3,879 KΩ  R =

P = 225 V * 0,058 A = 13,05 watt

V = 0,058 A * 3879 Ω = 224,9 V

148 V ÷ 0,058 A = 2,551 KΩ R =

P = 148 V * 0,058 A = 8,58 watt

V = 0,058 A * 2551 Ω = 147,9 V

نتيجة الواط لم توافق ما يستهلكه الحمل (المصباح) فالحمل بقدرة 20 واط، والدارة الكهربائية المرسومة بالعناصر المكونة لها أعطت نتائج بين مزدوجتين غير صحيحة، ومعنى ذلك وجود مقاومة عالية شيئا ما وهي بقيمة: 1293 أوم، هذه القيمة هي التي زيدت عما كانت عليه حين كان المصباح يستهلك القدرة المسجلة عليه وهي 20 واط فنزلت إلى 13 واط فحصل انخفاض في الجهد والتيار، هي التي خفضت التيار والجهد ومنعتهما من أن يصلا ليعطيا 20 واط، والنتيجة التي تُستهدف هي خفض المقاومة إلى أن تصل إلى مستوى السماح للمصباح أن يستهلك ما هو مُسَطَّر عليه، أي تنزل المقاومة لتصل إلى مقدار: 2586 أوم حتى يستهلك المصباح 20 واط.

وقد سجلت ثلاث ملاحظات هي:

أولا: عندما قمت بقياس التيار من الموصل الخارج من الماء أعطى 0,058 A وهو نفسه التيار الذي على الحمل.

ثانيا: عندما قست التيار من الموصل الذي يذهب مباشرة إلى الحمل وجدت الذي ذكرته وهو 0,061 أمبير، ومعنى ذلك اختلاف الأمبير في الموصلين الاثنين بسبب غيار أحدهما في الماء والآخر موضوع خارج الماء.

ثالثا: عندما أبقيت عناصر الدارة على ما هي عليه ثم ربطت ما خرج إلى الهواء من الموصل الغائر في الماء بما خرج إلى الهواء من مثله الغائر في الماء وقست التيار وجدت أنه قد ارتفع، ومعنى ذلك أن الدارة الكهربائية لم يعد يؤثر عليها الماء بالشكل الذي ظهر حين لم أربطهما، فكانت النتيجة دالة على عدم وجود تأثير للماء على الدارة الكهربائية إلا قليلا جدا، فالتيار الذي ظهر بهذه التجربة كان: 0,084 A وحساب النتيجة:

 P = 225 V * 0,084 A = 18,9 watt

R = 225 V ÷ 0,084 A = 2,678 K

V = 0,084 * 2678 Ω = 224,9 V

 ومعنى ذلك استهلاك المصباح للواط الذي عليه مع نقص بسيط في القدرة الكهربائية.

وإذن فالإضافة التي قمت بها تعتبر عملا عاديا في حق نشوء الدارات الكهربائية حين لا توجد مقاومة كبيرة بها، فكان الماء هنا مقاومة كهربائية بتلك التجربة ولكنها مقاومة كبيرة، أقول كبيرة مادام لم تصل إلى إعطاء الحمل ما هو عليه من قدرة وهي 20 واط، ولكن يكون مقاومة كهربائية كبيرة بغيرها كما ورد معنا من نتائج وهي كالتالي:

225 V ÷ 0,058 A = 3,879 KΩ  R =

P = 225 V * 0,058 A = 13,05 watt

V = 0,058 A * 3879 Ω = 224,9 V

148 V ÷ 0,058 A = 2,551 KΩ R =

P = 148 V * 0,058 A = 8,58 watt

V = 0,058 A * 2551 Ω = 147,9 V

وهي نفسها النتائج التي مرت معنا وهي تدل على وجود مقاومة كبيرة بـ : 3879 أوم، وأخرى بـ: 2551 أوم، وهي التي منعت التيار من الوصول إلى مستوى ما يحتاجه الحمل وكذلك الجهد، فالحمل في قدرته العادية يحتاج إلى جهد وتيار ينتجان 20 واط يقل أو يزيد قليلا وتكون مقاومته بالأوم أو بالكيلو أوم، فالأوم في الاستهلاك العادي دون وضع الماء في طريق التيار لا يتجاوز 2586 أوم، بينما هو هنا قد وصل إلى 2551 أوم مع جهد منخفض هو: 148 فولت، ووصل إلى 3879 أوم عند الحساب القَبْلي، لا يهم، وهو الذي أظهر أن الماء مقاومة كبيرة في هذه الدارة تكبر وتصغر بناء على نوعية الربط للعناصر الكهربائية في الدارة، ولن ننسى أبدا مقاومة الأسلاك من المصدر و مقاومة المصباح أيضا، فالميصباح الذي بين أيدينا مقاومته بالكيلوأـوم وليس بالأوم ولكنها مقاومة عادية سمحت للتيار بأن يعطي 20 واط وهي التي مسجلة على قدرة المصباح، فهي حين وضْع دارة بغير الماء وبنفس المصباح وموصلين اثنين بطول:1 m، وسمك: 0,75 mm2   وجهد 228 فولت كانت النتيجة:

R = 228 V ÷ 0,085 A = 2,682 K

P = 228 V * 0,085 A = 19,38 watt

V = 0,085 A * 1938 = 227,96 V

 وأخيرا نسجل بناء على تجاربنا أن الماء مقاومة كهربائية في حالات معينة وبعناصر معينة، ويكون عكس ذلك حين غياب تلك الحالات والعناصر الكهربائية، كما نسجل أيضا أن الماء مقاومة ثابتة ومتغيرة، مقاومة ثابتة عند ثبوت درجة الحرارة في الماء بحد معين، وغير ثابتة عند تغيرها عند ارتفاع درجة الحرارة، مقاومة ثابتة بمقدار ما يذوب في الماء من شوائب وأملاح ومعادن وما يوجد من أيونات، وغير ثابتة بما يتغير في الماء مما ذكر.

وأما قاعدة أن ثبوت درجة الحرارة في حالة اختراق تيار كهربائي لموصل كهربائي يتناسب طرديا مع الجهد المطبق على طرفيه، فقد سجلنا فعلا عدم التناسب الطردي بين الجهد والتيار عندما بدأ الماء يسخن ويزداد سخونة إلى أن وصل إلى درجة الغليان، وكلما استمر في الغليان اضطربت حسابات الجهد والتيار ولن تستقر إلا بثبوت درجة الحرارة.

 والماء المقطر بنسبة 65 في المائة يضاف إليه حامض الكبريتيك بتركيز 35 في المائة مثلا لا يشكل مقاومة كهربائية في الدارة الكهربائية بحيث يكون فيها بمثابة موصل عادي يظهر عند وضعه في مسار التيار؛ جهد المصدر، وقيمة الأمبير وهما بنفس القيمة التي تكون للجهد والتيار في غياب وجود أسيد مركز Acid وماء مقطر بالنسبة المذكورة في مسارهما، صحيح أن لكل شيء مقاومة ولكنها هنا لا تكاد تذكر، بينما إذا لم يتركّز الأسيد عند تلك النسبة أصبح الماء الذي يحتوي على نسبة معينة من الأسيد أقل من تلك المذكورة وبماء مقطر بنسب مختلفة؛ مقاومة كهربائية، ويكون مقاومة كهربائية ثابتة ومتغيرة أيضا كأن يكون الماء مثلا بنسبة 30 سنتلتر للماء المصفّى الخاضع لأجهزة التصفية، و30 سنتلتر الأخرى للماء العادي غير المصفّى، أي ماء الصنبور.

ــ وأما كون الماء شبه محول كهربائي فيتجلى ذلك في خفض الجهد الكهربائي وخفض التيار الكهربائي معا حين يوضع الماء بين المصدر الكهربائي والحمل الكهربائي (المقاومة)، والمعروف أن المحول الكهربائي رافع للجهد وخافض للجهد، فإذا كان خافضا للجهد كان رافعا للتيار، وإذا كان رافعا للجهد كان خافضا للتيار وهذا لا ينطبق على الماء في دارتنا الكهربائية هذه بحيث يعمل الماء على خفض الجهد وخفض التيار معا الشيء الذي لا يشبه فيه المحول، فهو يشترك معه في كونه خافضا للجهد فقط ولكنه ليس رافعا للتيار عندما يقوم بخفض الجهد مثل المحول، فهو يعمل عكس المحول هنا إذ عندما يقوم بخفض الجهد يقوم بنفس الوقت بخفض التيار، يشترك مع المحول في كونه خافضا للتيار ولكنه غير رافع للجهد مثله، يشترك مع المحول في كونه رافعا للجهد ولكنه غير خافض للتيار مثل عمل المحول.

وعند وضع موصلات في الماء متصلة بالمصدر الكهربائي 223 فولت أسي ومنفصلة عنه، فما كان متصلا بالمصدر الكهربائي عند بداية المدخل إلى قارورة الماء، أي في هذه النقطة والنقطة التي تأتي بعد خروج الموصل غير المرتبط هو الآخر بالدارة والذي هو موصل مغمور في الماء مستقل؛ حين قيس بالفولتميتر مع الذي هو مرتبط بالدارة من مدخل القارورة الزجاجية سجلنا عليه عند القياس من نقطة الخروج من القارورة الزجاجية: 0,063 A أمبير، وسجلنا الجهد عند القياس من النقطتين الداخلة والخارجة من الماء، أي من جهة واحدة للدارة، من جهة السالب أو الموجب سجلنا: 87,4 V فولت، وسجلنا الأمبير من الموصل المتصل  بالمصدر الكهربائي والذي لا يغوص في الماء، سجلنا عليه: 0,095 A وهذا الأمبير يخالف الأمبير من مدخل الموصل إلى الماء بحيث سجلنا عليه: 0,061 A  أمبير وهو نفس الأمبير المسجل على الحمل ولكن بقياس التيار من الموصل الذي يرتبط بالمصدر مباشرة أي بالسالب أو الموجب، أما الموصل المتصل بالمصدر الكهربائي والداخل إلى الماء فقد انفصل عن الموصل الذي يتصل بالحمل مباشرة وحين قياس التيار من جهته، أي من جهة واحدة، جهة السالب أو الموجب سجلنا عليه 0,063 A وقد قيس من الموصل الذي يخرج من القارورة الزجاجية، أي يخضع للمقاومة المائية، وهذه النتيجة مثيرة تحتاج إلى دراسة، إذ كيف نسجل من مدخل التيار 223 فولت، و: 0,063 أمبير ويكون الواط: 14,04 watt وعلى الحمل: 136 فولت و:  0,061 A ويكون الواط:  8,29 watt، وقدرة المصباح 20 واط بجهد: 223 فولت، وإذا أخذنا الأمبير الذي سجلناه من الموصل الخارج من القارورة الزجاجية نسجل: 14 watt، هذه النتائج مثيرة كما قلت تحتاج إلى دراسة، ونسجل عند هذه النقطة غياب العلاقة الطردية بين التيار والجهد، فالمسجل على المصدر الكهربائي 223 فولت، والمسجل على التيار 0,063 A ولكن بعد دخول الجهد والتيار إلى الماء ثم خروجهما إلى الحمل سجلنا نفس التيار ولكن لم نسجل نفس الجهد بحيث سجلنا : 135 فولت، ومعنى ذلك انخفاض الجهد عن المصدر دون انخفاض التيار وهذا يكسر العلاقة الطردية بين الجهد والتيار، ويبرز لنا عمل المحول دون رفع للتيار مادام قد انخفض الجهد لأن انخفاض الجهد في المحول يعني ارتفاع التيار وهذا لم نسجله لغيابه، وعندما أبقيت على الدارة كما هي بجميع عناصرها المذكورة، ثم قمت بربط الموصل الداخل إلى قارورة الماء مع الخارج منها وكان الربط من الخارج، أي دون غيارهما في الماء مع الإبقاء على اللذين هما غائران في الماء على حالهما وإشراك الموصل الداخل إلى الماء مع الموصل الخارج منه؛ سجلت وضعا طبيعيا للجهد الكهربائي والتيار الكهربائي والقدرة الكهربائية، سجلنا 223 فولت للجهد، و 0,095 A، للتيار، و 21,18 watt واط للقدرة، أي: 223 V * 0,095 A = 21,04 watt P = فكان الماء بهذه التجربة لا دور له ولا وظيفة، أو قد يكون، ونفس الوضع ينطبق على الدارة إذا نحن ربطنا الموصلين مع بعضهما البعض وهما مغمورين في الماء، فالأمر سواء داخل الماء وخارج الماء، ومرة أخرى هذه النتائج مثيرة، وعند النقطتين المفصولتين عن أي اتصال بالمصدر الكهربائي، أي عند الموصلين الكهربائيين المفصولين عن التيار والمغمورين في الماء سجلنا عليهما 903 ميلي فولت، وهذا وذاك تحويل في الجهد وهو عمل المحول الكهربائي الذي يكون بملف أولي وملف ثانوي واحد، أو بعدة ملفات بعد الملف الأولي.

وبه يكون ما ذكر لك عن الماء أنه شبه محول كهربائي صحيح بهذه التجربة وبماء الصنبور تحديدا لأن ماء البتري سجلنا عليه تغييرا في النتائج عن ماء الصنبور وسأذكر ذلك تفصيليا بإذن الله تعالى.

وأما كون الماء ملفا كهربائيا فإن ذلك يتجلى في تأخيره لمرور التيار الكهربائي وإعاقته، والملف عنصر كهربائي يتركب من سلك ملفوف بقلب حديدي أو هوائي أو ما شابه معزول يوضع في مسار التيار الكهربائي، وحين يمر فيه التيار ينشأ عن ذلك وحول السلك مجال مغناطيسي، والمجال المغناطيسي يتغير تبعا لتغير التيار المار في الملف، وفي هذه الحالة يتولد على طرفي الملف جهد يعارض الزيادة والنقص في التيار المار في الملف، وكلما زاد معدل تغير التيار زادت قيمة هذا الجهد المعارض لحدوث التغيير، وهذه خاصية له تسمى الحث الذاتي، فالملف يقوم مقام المقاومة، والماء مقاومة، والملف يقوم بإعاقة مرور التيار، والماء يقوم أيضا بإعاقة مرور التيار وعليه فهو يقوم مقام المقاومة ومقام الملف، والملف يقاس بالهنري والميكرو هنري.. وقياسه يكون لعدد اللفات فيه، والماء يقاس باللتر والسنتيلتر والملليتر وما في محتوياته من الشوائب والمعادن والأملاح المذابة فيه.. وبصفة المقاومة التي للماء فهو ملف لأنه يقوم بدور الملف، الملف يقاس بالهنري والماء يقاس باللتر وما في محتوياته من الشوائب والمعادن وغيرها..

وكملاحظة هل يمكن قياس الماء من خلال محتوياته؟ نعم، ولكن لا تجربة لي بهذا الشأن لأنه لا وجود بحوزتي لوسائل قياس محتويات الماء من الشوائب ومما هو مذاب فيه من المعادن والأملاح..

وهل هناك مجال مغناطيسي ناشئ عن مرور التيار في الماء؟ ربما، وربما لا، ربما لأن مرور التيار في الماء يكون من خلال ركوبه الشوائب وما هو مذاب في الماء، ومادام كذلك فركابه إذن موصلات، ومادامت موصلات فمرور التيار فيها ينشأ عنه مجال مغناطيسي، والأمر يحتاج إلى تجريب لا إمكانية لي بتحقيقه والحسم فيه الآن، ولكنه صحيح ما لم يظهر خطؤه.

وكنتيجة فالماء في نظري يعتبر ملفا كهربائيا يؤثر على الدارة الكهربائية من حيث تغيير التيار مثله مثل الملف، اُنظر إلى الموصل الداخل إلى الماء من المصدر الكهربائي  223 V، وانظر إلى الموصل المرتبط بالحمل والخارج من الماء فقد سجلنا على التيار الذي عبر الماء إلى الموصل الخارج من الماء؛ سجلنا عليه: 0,063 A أمبير، وتيار المصدر: 0,095 A، وهذا التيار المنخفض عن تيار المصدر بـ: 0,032 A حصل بسبب مروره من الموصل إلى الماء ثم من الماء إلى الموصل ثم إلى الحمل، وهذا يعني أن التيار قد انخفض عندما مر عبر الماء، فالماء إذن بالنسبة إليه معيق له، يقلل من قيمته، وهذا عمل الملف، وعليه فالماء ملف كهربائي قد أظهر هذه النتائج، صحيح أنه يغير حتى الجهد وهذا عمل المحول، وصحيح أيضا أن تلك التغييرات عمل المقاومة، ولكن عمل الملف الذي هو الماء في دارتنا هذه يغير التيار والجهد معا، ونحن نركز هنا على التيار ونقف عنده حتى يتشابه ماؤنا في دارتنا بالملف فيكون استنتاجنا صحيحا، وقد جربت ذلك بدارة كهربائية أخرى مصدرها 229 فولت من التيار المتردد بها ثلاثة موصلات، واحد من المصدر الكهربائي إلى الحمل مباشرة، والثاني من المصدر الكهربائي إلى الماء بحيث جعلته مغمورا في الماء، والماء الذي جربت به هذه المرة خاضع للتصفية من أجل شربه، والموصل الثالث مغمور في الماء ولكنه مفصول عن الأول المغمور في الماء مثله غير أنه متصل بالحمل حين يخرج من الماء، فقد سجلت بمقدار 60 سنتيلتر من الماء المصفى: 4,7 فولت، و 0,007 أمبير، وحين جعلت الماء 30 سنتيلتر للماء المصفى الخاضع لأجهزة التصفية مثل الأول، و30 سنتيلتر لماء الصنبور (أي للماء غير المصفى) سجلت: 91,6 فولت على الحمل، و0,048 أمبير.

وأما كون الماء شبه موصل كهربائي كالديود فكما يلي:

المعروف عن الديود أنه شبه موصل كهربائي يقوم بوظيفة السماح للتيار بالمرور في اتجاه واحد فقط، وهذه الوظيفة تنطبق على التيار المستمر، ووظيفة الماء في دارتنا الكهربائية من التيار المتردد سمحت للتيار بالمرور في اتجاه واحد فقط بحيث ليس للتيار إلا أن يمر عبر الماء لأنه لا وجود لموصل كهربائي مربوط بالموصل الخارج من المصدر إلا موصلا واحدا فقط، أما الموصل الثاني فمغمور في الماء، والموصل الثالث مغمور هو الآخر في الماء وهو الذي يتصل بالموصل الذي يتصل بالحمل أو المصباح ويمكن اعتبار أربعة موصلات وهما اثنان فقط، لا بأس، المهم أن التيار لا طريق له إلى المصباح إلا من موصل المصدر إلى الماء وعبر الماء إلى الموصل الآخر، ثم إلى المصباح، وهذا يؤكد أن الماء جسر للتيار مقاومته خاصية فيزيائية له، أو هو بمثابة موصل يتم حسابه من خلال كمية الشوائب والمعادن والأملاح المذابة في الماء، فالموصل يخضع للحساب من خلال طوله وسمكه ونوعه ودرجة حرارته، فمقاومة الماء ليست كبيرة جدا، ولا ضعيفة جدا، بل متوسطة لما للماء من خواص كهربائية بين الموصلات وشبه الموصلات، فهو إذن شبه موصل وبشرط عدم تعريضه للتقطير والتصفية لأنه إن تعرض لهما اختل التطعيم الطبيعي فيه وفُقِدت فيه الإلكترونات الحرة والأيونات أو انعدمت فصارت مقاومته كبيرة جدا وبالتالي لا يكون من الموصلات ولا من شبه الموصلات، بل يكون من العوازل.

والتطعيم الطبيعي هو الذي جعل للماء خصائص يحتاج إليها كل شيء ليحيا، فقد تم تطعيم الماء وهو سحاب في السماء عن طريق التفريغ الكهربي الذي يحدثه البرق فينزل على الأرض غنيا بالعناصر التي أذابها في السحاب والتي يحتاج إليها النبات والحيوان والإنسان، وفي الأرض تم تطعيمه بالمعادن والأملاح والشوائب لما في طبيعته من قابلية تذويب العناصر والمعادن والأملاح الموجودة على سطح الأرض، وإذا أريد من الإنسان التصرف في طبيعة الماء مستهدفا الكهرباء فالنتائج مضمونة بالنسبة للهدف المُسَطَّر.

في دارتنا هذه صار الماء صماما ثنائيا (أي ديودا) لا يعمل في اتجاه واحد فقط في الدارة الكهربائية ذات التيار المتردد، بل يعمل في اتجاهين اثنين بحسب عمل التيار المتردد الذي يغير قطبيه من الموجب إلى السالب ومن السالب إلى الموجب 50 مرة في الثانية الواحدة، وسأقوم بالتجريب إن شاء الله على الماء باعتباره ديودا في التيار المستمر بنفس الدارة الكهربائية التي أشتغل فيها على التيار المتردد لأرى، فالتيار المتردد في هذه الدارة لا ينتقل عبر الموصلات الكهربائية، بل ينتقل عبر الماء، وكذلك التيار المستمر لا ينتقل عبر الموصلات الكهربائية، بل ينتقل عبر الماء مثله مثل التيار المتردد، وبتجربتي ظهر أن التغيير الذي طرأ على الدارة هو أنه قد ارتفع التردد من 50 هرتز إلى 99 هرتز و100 هرتز، أما التغيير في التيار والفولت فهو عادي إذ الديودات في القنطرة هي المسؤولة عن ذلك التغيير.

كيف يمر التيار من دون موصل كهربائي لولا أن الماء موصل كهربائي وأنه ديود يعمل في اتجاهين اثنين؟

أليس الديود في التيار المتردد يسمح للتيار بالمرور في اتجاهين اثنين ولكن بدارة مغلقة ودارتنا تبدو مفتوحة فكيف ذلك؟

هل ذرات الشوائب في الماء هي المسؤولة عما يحدث من تغييرات في الدارة الكهربائية من حيث وجود عناصر في الماء هي نفسها العناصر التي نعرف كالمحول والديود والمقاومة والترانسيستور وغيره؟  

إنه بعمل دراسة ما يحدث للماء من تفاعل حين دخول التيار الكهربائي عليه ينتقل الماء بعناصره إلى وظائف أخرى نستفيد منها أهمها الزيادة في التيار الكهربائي والجهد، والإنقاص منهما، فعملية التطعيم بإضافة ذرات إلى ترانستور وثنائية التحويل من الموجب إلى السالب ومن السالب إلى الموجب ينتج لنا ترانسيستور Transistor ودياك Diac وفيرستور  Fairestor وترياكTriac  ..

وكملاحظة بخصوص هذه التجربة نجد أن الموصلات الكهربائية داخل الماء معزولة عن بعضها البعض، ومعنى ذلك وجود دارة مفتوحة، والدارة المفتوحة في عرف الدراسات الكهربائية لا تمرر التيار الكهربائي، ولكن حين مرّ التيار الكهربائي قلنا أن الشوائب هي التي ربطت الموصلات ببعضها البعض حتى سرى التيار الكهربائي فيها، لا بأس، ولكن وجود فاصل بين الموصلات داخل الماء مع مرور التيار الكهربائي يؤكد سريان التيار في اتجاه واحد فقط لأنه هو المرئي لنا دون النظر إلى الشوائب باعتبارها موصلا كهربائيا أو باعتبارها جسر ربط للتيار بالموصل الداخل إلى الماء من المصدر والموصل الخارج من الماء بالموصل الداخل إلى الماء ولكن عبر الماء، هذه العملية ألا تدل على وجود اتجاه واحد للتيار وهو الموصل، ثم الماء، ثم الموصل؟ وهذا الذي ذُكِر ألا يدل على أنه يشبه الديود الذي يعمل في التيار المستمر بحيث لا يمرر التيار إلا في اتجاه واحد فقط؟ كيف يكون ذلك ونحن بصدد التجربة للتيار المتردد؟ ألا يدل ما يحصل على أن العناصر تشكل داخل الماء جسرا عبارة عن سلسلة من الموصلات تلتقي في نقطة واحدة هي نقطة العبور فتشبه سلسلة النمل حين يريد اجتياز جدول مائي؟

أسئلة تحتاج إلى أجوبة أتركها لك حضرة القارئ اللبيب والمتلقي المحترم.

وأما كونه شبه موصل كهربائي كالترانسيستور فيتجلى ذلك في تنظيم الجهد، فهو ترانسيستور يعمل على تنظيم الجهد الكهربائي داخل الدارة الكهربائية، وهذا التنظيم للجهد يتجلى في مقدار الماء باللتر والسنتيلتر والميليلتر بما يحمل من شوائب ومعادن وأملاح مذابة فيه، فبتحديد عدد سنتلترات الماء مع عدم وجود إحصاء لما ذاب من شوائب ومعادن وأملاح فيه نستطيع وضع جهد بحساب اللتر والسنتلتر مع مراعاة درجة الحرارة التي ترتفع بالربط الذي أظهر داراتنا الكهربائية وهكذا، والمثال على ما ذكر في دراسة الملف الكهربائي، ففيه نتائج دالة على أن الماء منظم للجهد.

وأما كون الماء مُوَصِّلاً كهربائيا للتيار الكهربائي فيتجلى ذلك في السماح للتيار بالمرور عبر الماء إلى الموصل الثاني المغمور مثل الأول في الماء إلى الحمل وجعله يستهلك طاقة كهربائية، ليس كونه موصلا كهربائيا معناه ارتباط الداخل إلى القارورة الزجاجية والمغمور فيها مثل الخارج منها ليكونا موصلا واحدا قد اتحدا في الماء وهما عاريان، لا، فهذه العملية بالتجربة دلت على أن الماء لا دور له في هذه التجربة لأنه ينقل التيار الكهربائي كما لو كان الموصلان اللذان كانا مفصولين صارا موصلا واحدا خارج الماء، قد يكون للماء دور آت عندما يتأثر الموصل العاري بالماء فتزيد من مقاومته وتضْعِف نقله للتيار الكهربائي، فالماء المحصور في الزجاجة والذي به موصل كهربائي واحد من المصدر مفصول عن الثاني والمغمور في نفس الماء مثل الأول لا ينقل التيار الكهربائي إلى الحمل لأنهما غير مُتَّحِدَيْن ليكونا مُوصِّلاً واحدا، بل ينتقل التيار عبر الماء إلى الموصل الثاني المغمور في الماء والمنفصل عن الأول، ثم ينتهي به المطاف إلى الحمل، وسؤالي عند هذه النقطة هو:

ــ هل تكون هذه العملية شبيهة بعملية نقل التيار الكهربائي لاسلكيا؟

ولكن التيار هنا لا ينتقل إلا بوسائط، وهذه الوسائط هي التي حملته من الموصل الأول عبر الماء ثم سارت به وبقوة دافعة أقل من المصدر إلى الموصل الثاني الذي حمله هو الآخر في الدارة ونقله إلى أن وصل التيار إلى الحمل فأضاء أو أنار، فالماء مثل الهواء ناقل للتيار الكهربائي لما فيه من مواد متأينة، بل حتى إن لم تكن به شوائب وأيونات ناتجة عن ذوبان الأملاح والمعادن وما إلى ذلك فهو مُوَصِّل كهربائي نوعي، يكون جيِّدا في حالات، ويكون رديئا في حالات أخرى، تكون مقاومته كبيرة جدا وذلك كأن نخضعه للتصفية والتقطير فيصير مثل الزجاج أو يقترب من مقاومته، وتكون متوسطة وذلك كأن نتركه على حاله من وجود الأملاح والمعادن المذابة فيه، وتكون صغيرة جدا وذلك كأن نضيف إليه شوائب بعملية التطعيم للحصول على قدر كبير من الإلكترونات الحرة حتى تقترب من مستوى المقاومة الصغيرة جدا، وربما نستطيع بعملية التطعيم المتطورة الحصول على المقاومة الصغيرة جدا نستغني بها عن الفضة والذهب والكربون، فجميع تلك الصفات تنطبق على الموصلات النحاسية والفضية وموصلات الذهب والسيليكون والماء وغيره، ففي هذه الموصلات هناك المقاومة المتوسطة كتلك التي للسيليكون والضعيفة كتلك التي للفضة، وهذا الذي أقول يجدر بك عزيزي القارئ أن يعود بك لتتذكر ما درسناه سابقا عن الكُلِّيات والجُزْئيات حتى تستوعبه، فلماذا أفترض شيئا لا دليل لي عليه؟ أفعل ذلك من الخيال فأفترض كُلِّية أو جُزْئِية وهذه بداية الطريق وسأكون مصيبا بإذن الله، وإذا أخطأت كان خطئي خطأ مقبولا أُقِرُّ به وأحمد الله أن ليس به ضرر عليّ ولا على الناس، وسؤالي الثاني هو:

ألا تكون عملية نقل الكهرباء لاسلكيا لا تتم إلا بواسطة هي الأخرى؟

أليس الهواء مليء بالجُزَيْئات؟

وهذه الجزيئات غير المرئية أليست ناقلة للتيار الكهربائي؟

وإذا كان كذلك فنقل التيار الكهربائي لاسلكيا قول فيه مغالطة تحتاج إلى تصحيح لأن التيار الكهربائي بحد ذاته لا ينتقل إلا بواسطة، وإذا اعْتُبر ما يحتوي عليه الهواء من جُزَيْئات واسطة فليكن، المهم أن التيار لا ينتقل إلا بواسطة كيفما كانت سواء بالماء أو بالهواء فكلاهما واسطة، كلاهما واسطة لنقل التيار الكهربائي بما يحملان أو دونما يحملان.

وكمثال على الماء باعتباره موصلا جيدا للكهرباء أسوق تجربة مكّنتني من قَوْل ما قلت وهي أنه حين وَضْعِ دارة كهربائية من مصدر 229 فولت من التيار المتردد، وموصل من المصدر متصل بالحمل الكهربائي، وموصل ثان متصل بالمصدر مغمور في الماء، والماء ماء مصفى بأجهزة التصفية ومعدّ للشرب بمقدار: 60 سنتيلتر، وموصل ثالث مغمور في الماء يخرج منه إلى الحمل، حين قست الجهد والتيار على الحمل أعطاني: 4,7 فولت، و0,007 أمبير، هذه النتيجة إن أريد منها الاشتغال على لد Led مثلا فهي صحيحة، والماء بالدارة موصل جيد للكهرباء بحيث أعطانا هذه النتيجة المرادة، ولا يقال أن ذلك غير صحيح لأنه إن اعتبرنا الفضة والذهب والنحاس مثلا موصلات جيدة للكهرباء وهو كذلك فإنه إذا صنعنا منها موصلات وجعلناها طويلة فإن طولها يخفض الجهد ويخفض التيار، وإذا استمر الطول فسيصل إلى درجة إعدام الجهد وإعدام التيار، فإذا كانت دارتنا من أجل الحصول على جهد 220 فولت و300 ملي أمبير مثلا فإنه لن يصلنا ما نريد بسبب ما فعلنا، فكذلك الماء حين نزيد من لتراته أو ننقص منها، حين نزيد من محتوياته أو ننقص منها، وفي المقابل يكون ما ذكر موصلات غير جيدة للتيار بما افترضناه لها من معوّقات عرفناها بالدراسة والبحث، وحين نريد الحصول على جهد 12 فولت من التيار المستمر ونضع دارة كهربائية مصدرها تيار كهربائي متردد 225 فولت، ومكثفين اثنين من السيراميك بسعة 3 ميكرو فاراد نضعهما على التوالي مباشرة بعد مخرج المصدر الكهربائي واحد في الموصل الأول والثاني في الموصل الثاني، ونضع في نفس المسارين مقاومتين كهربائيتين بقيمة: 10 كيلو أوم 5 واط، ثم نضع أربعة صمامات ثنائية (أربعة ديودات) لتحويل التيار المتردد إلى التيار المستمر، ونضع في آخر الدارة ديودين اثنين من الزينير Zener بقيمة 12 فولت على التوازي نحصل في النهاية نظريا على قيمة 12 فولت من التيار المستمر لأن الديودين بقيمة 12 فولت لكل واحد منهما، أما عمليا فسنحصل على جهد 8 فولت أو 6 فولت، هذه الدارة رسمت من أجل الحصول على التيار المستمر وبقيمة منخفضة جدا دون وضع محوِّلة في طريق الدارة، وهنا لا يقال أن الموصلات جيدة وغير جيدة، لا يقال ذلك نظرا لوجود موصلات تختلف في قيمة ما تعطيه من إلكترونات حرة، سواء من طبيعة المادة أو من خلال تطعيمها بالشوائب، ونظرا كذلك لوجود متحكم بها وهو المهندس والباحث والدارس..

وفي الدارات التي رسمتُ تفاصيل لما ذكرت، ويجدر بي أن أنبِّه القارئ المحترم خصوصا إذا كان من ذوي الاختصاص إلى التالي:

الدارة رقم: (1)

لقد تشكلت الدارة رقم: (1) من أجزاء فأصبحت كُلِّية، وهذه الأجزاء كما تراها مكونة من مصدر كهربائي 225 فولت، وموصلات كهربائية، وماء مقداره 60 سنتلتر Cl، وحِمْل 20 واط، ولكن الماء الذي تشكّلت منه الدارة هو ماء البطاريات أو ما يطلق عليه الماء المقطَّر قد اشتريتُه على أساس أنه ماء مُقَطَّر خالص ولكنه غير ذلك بحيث يبدو به شيء من حامض الكبريتيك، المهم أنه لم يمنعنا من الدراسة لهذه الدارة مادام يحتوي على نسبة قليلة لم تصل في تركيزها إلى 28 درجة، أو 35 درجة، والنتيجة أنه أنتج معطيات مختلفة عن الدارة التي تليه والتي تلي الثانية..

فقد سجلنا 18 فولت بين طرفي القارورة الزجاجية، و0,075 أمبير، وسجلنا من الموصل الخارج من القارورة الزجاجية والموصل المرتبط بالمصدر مباشرة: 206 فولت، وسجلنا على الحمل 206 فولت و0,075 أمبير الشيء الذي جعل الحمل يستهلك أقل من الواط الذي عليه والنتيجة للواط والمقاومة كالتالي:

P = 206 V * 0,075 A= 15,45 watt

R = 206 V ÷ 0,075 A = 2,746 K

P = 225 V * 0,075 A = 16,88 watt

R = 225 V ÷ 0,075 A = 3 K

ومعنى هذه النتيجة وجود علاقة طردية بين الفولت والتيار وهما في دارة كهربائية بها أسلاك مفصولة عن بعضها البعض ومغمورة كلها في الماء، ويكون الأمر أفضل إذا نحن عرفنا ماذا يحدث في الماء، فهل الأمر متعلق بالأيونات التي نقلت التيار وما وجه حسابها؟ وهل تشبه حساب التيار المار في سلك كهربائي؟ أم أن هناك إلكترونات أضيفت إلى الماء فأثرت على الدارة الكهربائية وأفرزت هذه النتائج خصوصا في الدارة رقم: (7) التي وضعت بها مكثفا يفرغ شحناته في الماء؟

وسجلنا 0,462 فولت في مخرج الموصلين الذين أدخلناهما في القارورة الزجاجية دون أن يتصلا بعنصر كهربائي ولكن الأمبير على المخرج صفر، ولا يكون صفرا إذا قسنا التيار بالنانو أمبير أو البيكو أمبير.

الدارة رقم: (3)

لقد تشكلت الدارة رقم: (3) من نفس العناصر المذكورة مع إلغاء موصل كهربائي والذي كان مغمورا في الماء بحيث لم أضعه في الدارة، وأما الآخر المغمور في الماء فلم أصله بأي عنصر كهربائي ثم سجلت 75,2 فولت بين قطبي الموصل الداخل إلى الماء من المصدر والخارج من الماء إلى الحمل، سجلت الفولت المذكور، والأمبير كان 0,060، وبين مخرج الموصل من الماء والموصل المربوط بالدارة الكهربائية من غير جهة الماء سجلت: 150 فولت، وأما الحمل فقد سجلت عليه: 149,6 فولت، و: 0,060 أمبير، وحساب الواط والمقاومة:

P = 149,6 V * 0,060 A = 8,97 watt

R = 149,6 V ÷ 0,060 A = 2,493 K

والنتيجة الثانية حسابها:

P = 75,2 V * 0,060 A = 4,52 watt

R = 75,2 V ÷ 0,060 A = 1,253K

وحين جمعت الأمبير المسجل على الموصل الموصول بالمصدر الكهربائي، والموصل الخارج من الماء وتناولت فولت: 149,6 سجلت:

P =   149,6 V * (0,060 A + 0,060 A) = 17,95 watt 

R = 149,6 ÷ (0,060 A + 0,060 A) = 1,246 K

وبتناولنا لقيمة جهد: 75,2 فولت مع قيمة تيار 0,12  أمبير كانت النتيجة:

 75,2 V * 0,12 A = 9,02 watt P =

R = 75,2 ÷ 0,12 A = 626,66

وعند جمع الفولت معا والأمبير معا، أي جمع 75,2 فولت + 149,6 فولت =: 224,8 فولت، والأمبير: 0,060 + 0,060 =: 0,12 أمبير كانت نتيجة ذلك:

224,8 V * 0,12 A = 26,97 watt P =

R = 224,8 V ÷ 0,12 A = 1,873 K

والملاحظ في هذه الدارة الكهربائية أن القيمة القريبة من النتيجة الصحيحة هي تناول قيمة جهد واحد هو: 149,6 فولت، وقيمة تيارين اثنين هما: 0,060 أمبير + 0,060 = 0,12 أمبير، فتكون النتيجة هي 17,95 واط وهي القيمة القريبة من 20 واط تلك القدرة الظاهرة التي يستهلكها المصباح، ولكن ومع وصولنا إلى هذه المعادلة يبقى أن الحمل من الناحية العملية لا تسجل عليه تلك القدرة التي يستهلكها، فلو جمعنا الجهدين معا والتيارين معا فإن الحمل في دارته الكهربائية لا يعطي نتيجة الجمع، إذ يظل الحمل بواط أقل مما يستهلك ولو أنه في الحساب يعطي واطا أكثر حين يتم جمع الأربعة معا ولكنه غير عملي إذ لا يُرى له أثر على الحمل، فحساباتنا إذن حسابات غير عملية فكيف ذلك؟ سؤال أضعه للقارئ والباحث ليستنتج الحسابات الصحيحة.  

الدارة رقم: (10)

الدارة رقم: (10) مكونة من أربعة موصلات مغمورة جميعها في الماء، ولكن الماء الذي تشكلت منه هو ماء البطاريات الذي يحتوي على أسيد مُرَكَّز فسجلت بين نقطة دخول الموصل إلى الماء وخروج الآخر غير الموصول به في الماء سجلت بين تلك النقطيتين: 0,252 أمبير، وسجلت على المصباح: 220 فولت و: 0,075 أمبير، وأما الموصلين المغمورين في الماء دون وصلهما بأي عنصر كهربائي فقد سجلت عليهما: 0,148 فولت، والأمبير لم أسجله بسبب اقتصار الأفوميتر عندي على الأمبير والميلي أمبير ولكن لا شك أن الأمبير كائن ولكنه إما بالبيكو أو النانو.

P = 220 V * 0,252 A = 55,44 watt

R = 220 V ÷ 0,252 A = 873

دارتي هذه بالنتيجة التي بين يديك حضرة القارئ المحترم تجاوزت قدرة الحمل بـ: 35,44 واط، وهو رقم غير مقبول، ولكن اللافت أنه لم يؤثر على الحمل (المصباح)، فالحمل لم يصل إلى 20 واط في إضاءته، ومعنى ذلك أن التيار الذي سُجل يبدو أنه لم يذهب إلى الحمل، بل ذهب إلى الماء واستقر فيه، وهو الذي رفع المقاومة إلى 873 أوم عندما حال بينه وبين المرور؛ الماء.

والأرقام الأخرى هي القريبة من قدرة الحمل وهي:

P = 220 V * 0,075 A = 16,5 watt

R = 220 V ÷ 0,075 A = 2,933 K

هذه النتيجة لافتة لأن الحمل قد اقترب من قدرة استهلاكه بقي فقط: 3,5 واط، ولكن المقاومة عالية إذ هي بـ: 2933 أوم، وهذه المقاومة لو كانت في مسار الحمل لما تحملها، فأين هو تأثيرها؟ إنه في الماء من خلال ارتفاع درجة حرارته.

هذه الدارة استعملت فيها الماء الذي به تركيز لحامض الكبريتيك والذي تحول مع تفاعله بالماء إلى أسيد Acid، ولا أعرف ما النسبة ولكن أرجح أنها 28 درجة لأن هذا الرقم هو الذي يدخل في صناعة البطاريات قبل شحنها بالطاقة الكهربائية من التيار المستمر، فالقارورة البلاستيكية التي تحوي الماء الذي اشتريته ليس عليها معلومات للأسف، ولقد حاولت الاتصال من أجل التأكد برقم هاتفي مطبوع على إحدى القارورات فكان رقما لا يشترك به أحد في شبكة الاتصالات علما بأنه مطبوع على القارورة، المهم أن النتيجة اختلفت عن جميع الدارات، وقد مرت معنا.

وكملاحظة فإن الدارة التي بالأسيد احتفظت بالجهد الكهربائي في الحمل ولكن التيار انخفض عما كان يجب أن يكون عليه، وعليه فالماء الذي به أسيد مركز هو خافض للتيار ولكنه كما لاحظت غير خافض للجهد.

وهذان العنصران، أي المُوَصِّلان الكهربائيان اللذين أدخلتهما في جميع الدارات الكهربائية الموضوعة بين يديك بالشكل الذي ترى حضرة القارئ المحترم باستثناء أربع دارات، أي دون ربطهما بأي عنصر كهربائي آخر؛ هو ذلك الجزء الذي حدّثْتُكَ عنه والذي يُخْلق من الخيال ويُبْحث له عن واقع ليظهر من خلال تركيبه شيء جديد مُشكِّلا كُلِّية جديدة، وها قد ظهر جديد بالنسبة إليّ بحيث سجّلنا عليه جهدا معينا مع وجود تيار لا يكاد يذكر إذ هو إما بالميكرو أمبير أو النانو أمبير، وقد كان الموصلان في معزل عن الارتباط بأي عنصر كهربائي آخر إلا أن نعتبر الماء عنصرا كهربائيا وهو في رأيي كذلك، صحيح أن الماء يتكون من هيدروجين وأوكسيجين، والهيدروجين والأوكسيجين عنصران لا يوصلان الكهرباء، هذا عندهم صحيح كما تلقّيْتُه دون تجربة، ولكي يوصل الماء الكهرباء عندهم يجب أن يحتوي على معادن وشوائب ذائبة فيه، ولكن الحديث عن الجزء الذي يشكل مع الجزء الآخر الكُلّ هو حديث عن الماء، والماء وإن كان مُكَوَّنا مما ذُكِر فإنه أيضا مُوَصِّلا ليس للكهرباء فقط، بل لكلِّ أشكال الحياة، بل هو سبب الحياة، وما كان سبب الحياة لا شك أن له وظائف أخرى وأبعاد أخرى لم نكتشفها بعد، إذ كيف يكون جُزَيْء الماء قطبي يحمل شحنات موجبة وشحنات سالبة ولا يكون موصلا للكهرباء وعنصرا كهربائيا؟ وسؤالي عند هاته النقطة بالذات هو: أليس ما نفترض مما لا نعرف إذا تحقق كان اكتشافا كبيرا وتقدما لافتا؟ بلى، ولكنه يظل في إطار الاكتشاف وليس العبقرية، ثم هل هو مما يحتاج إلى مجاهدة؟ اللهم نعم، وبه نحتاج إلى التذكير أن ممارسة الاكتشاف أمر عظيم لأن أسرار الكون والحياة والإنسان والطبيعة لا تُعدُّ ولا تُحصى، وعِلْمُنا وعلم الإنسان لم يَبْلُغْ شيْئاً يُذْكَر حتى نذكره، فكان بذلك سلوك المكتشفين أمرٌ محمودٌ وإن ظل في إطار الاكتشاف ولم يصل إلى العبقرية، مع العلم أن المكتشفين باستعمالهم لأدوات وتطوريهم لها، وسلوكهم طرقا وأساليب دالة على ذكاء إنما هو من قبيل العبقرية من أجل الوصول إلى الجديد في الاكتشافات، فاكتشاف الشيء الجديد قد يكون بطريقة وأسلوب أبدعه مبدع فكان به عبقريا ولو أن ما توصل إليه قد كان موجودا لم يتم كشفه إلا بواسطته أو بواسطة طاقم عمل عليه، ومما يجدر ذكره من الاكتشافات ما توصل إليه العلم الحديث في كشفه عن خاصيات الماء، فقد جاء في الإعجاز العلمي عن الماء على لسان الدكتور: جميل قدسي الدويك ما يلي:

((من المعروف أن جزيء الماء قطبي، بمعنى أن الإلكترونات (أو ما يُعرف بالسحابة الإلكترونية) تتوزع حول جزيء الماء الذي يتكون من ذرة أكسجين واحدة، وذرتي هيدروجين، وتتوزع هذه الإلكترونات بشكل غير متجانس بحيث تكون الإلكترونات في مكان ما حول الجزيء بشكل أكبر، وبالتالي تعتبر هذه النقطة القطب السالب، لأنها أكثر نقطة في الجزء تحتوي على إلكترونات، وهذا يكون على حساب نقطة مقابلة في جزيء الماء والتي تفقد هذه الإلكترونات فتكون بذلك القطب الموجب.

ولنتذكر ما الكهرباء بالتعريف، فالكهرباء تتولد عندما تتحرك شحنات كهربائية في اتجاه معين، وأنا أؤكد هنا على كلمة تتحرك، فبدون هذه الحركة، وإذا بقيت الشحنات في محلّها بدون حركة، فإنه لا تتولّد كهرباء، أبداً، إذن فبدون حركة هذه الشحنات لا يمكن أن تتولد الكهرباء، وتذكّروا هذه النقطة المهمة جدا ولا تنسوها أبدا.

ولنتذكّر أيضاً قاعدة العالم "فاراداي" الذي يقول إنه إذا مر تيار كهربائي في اتجاه معين (أي إذا تحركت مجموعة من الشحنات في اتجاه معين)، فإنه يتولد حوله مجال مغناطيسي دائري بشكل متعامد عليه، وبالفعل هذه هي الموجات الكهرومغناطيسية والتي تتولد حول الجسم إذا كان فيه أجسام مشحونة تتحرك فيه، فتولّد بذلك كهرباء، فيتولّد حولها مجال مغناطيسي حلقي دائري وهذا ما يحدث مع ماء المطر، فالماء أصلا بطبيعته قطبي (أي أن جزيء الماء يحمل شحنات موجبة وأخرى سالبة)، كما أن هذه القطبية تجعل جزيء الماء أفضل مذيب في الطبيعة، وهكذا فإن الماء الذي في السماء في الغيوم، يذيب كثيرا من العناصر الموجودة في الغلاف الغازي ويشكل بذلك الأحماض والقلويات والعناصر المشحونة، وما الحمض إلا مركب فيه شحنات موجبة (بروتونات)، وما القلوي إلا مركب فيه شحنات سالبة (إلكترونات)، وكذلك هو الحال مع العناصر المشحونة الذائبة في الماء، ولذلك فعند نزول الماء من السماء على هيئة المطر فإنه يحتوي على شحناته القطبية أصلا، وعلى الأحماض والقلويات ذات الشحنة الموجبة والسالبة على الترتيب، وعلى العناصر المشحونة الذائبة والتي قد تحمل شحنة موجبة وقد تحمل شحنة سالبة، وحركة هذه الشحنات بنزول الماء من السماء تولّد مجالا كهرومغناطيسي يحيط بكل قطرة من قطرات الماء أثناء نزولها، وقد أكد القرآن الكريم على أهمية نزول الماء وصبه من السماء، وحركته هذه لتوليد هذه الطاقة الكهرومغناطيسية، وإنني أشدد هنا على كلمة حركته، فبدون هذه الحركة كما رأينا علميّاً لا يمكن توليد الطاقة الكهربائية ومن ثم لا يمكن توليد الطاقة المغناطيسية حولها بشكل موجات متعامدة عليها، ومن ثم لا يمكن توليد الموجات الكهرومغناطيسية أبدا)).

الإعجاز العلمي / الطب وعلوم الحياة / الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة لسنة: 2015م / 1436 هـ، الهالة الكهرومغناطيسية.. وسنبلة القمح

د: جميل قدسي الدويك

وخلاصة القول في كيف تكون عبقريا في مجال العلوم التجريبية بعد أن تدرس ما وضعتُ بين يديك في دراستي هذه أو تجد ما هو خير مما زوّدتك به؛ إليك هذان الرافدان، أحدهما يوقفك على باب لا يُفتح لك للدخول إلى عالم العبقرية في العلوم التجريبية إلا عند غليان دماغك بالإحساس الفكري والعلمي، والثاني يحمل يدك بقوة نحو شناكل العبقرية لفتح نافذتها حتى تطل عليها فربما استهوتك فعشقتها وهمت بها حتى أصبحت بها مُتَيَّماً وعندها تتقمص قميصها فتصير عبقريا، وإذا لم تصل فعلى الأقلّ تشمّ رائحتها، فهل تكتفي بحسيسها وهو ما لا يليق بمن كان مستنيرا قد وصل إلى هذه الدرجة؟ فهل حضرتك من العباقرة؟ قُلْ نعم حتى تُوَرِّط نفسك بالالتزام بقيمة الوفاء تصديقا لما تفوَّهت به فتنهض لتدارك ما فاتك وتشمِّر عن ساعديك للدراسة والبحث، فلابد أن تكون مفضوحا للعقول ومُكَرَّماً من القلوب بسبب عبقريتك، والرافدان هما:

أولا: ضرورة الوعي على الفصل بين العلم الذي يؤخذ عن طريق الملاحظة والاستنتاج كالعلوم المعرفية من علوم اجتماع ونفس وأصول ولغة وآداب.. والعلم الذي يؤخذ عن طريق التجربة والملاحظة والاستنتاج كعلم الكيمياء والفيزياء والجيولوجية..

ثانيا: تقليب الأشياء بخيالك وذلك كأن تقلب حائطا أمامك وأنت جالس قبالته بغرض استنتاج ما خلفه ولو بفرضيات، فإذا رأيت فيما رأيت إمكانية التحقيق بعقلك ابحث عن وسائل وأدوات تمكِّنك من إيجاد كُلِّيته ما دمتَ قد نظرت بخيالك إلى الكُلِّية وهي مُجَزَّأة، أو نظرتَ إلى الجزء خارجاً عن الكُلّ.

وكمثال على ذلك ولكن في إطار وجود أجزاء الكلّ أفترضك مهندسا في الكهرباء والإلكترونيات وصانعا لجهاز التلفزيون، فإذا جلستَ أمامه تكون قد جلست إلى كُلِّية سبق أن كانت أجزاء تم تركيبها لتصير كلية، وإذا فسخته ووضعته أمامنا تكون قد فككته وجعلته أجزاء هي تلك الأجزاء التي كانت كلية قبل جمعها، هي التي ستصير كلية عند إرادة تركيبه من جديد، فأنت هنا قادر على تركيبه إذا أحسنت تفكيكه دون إحداث أي عطب في التفكيك فلا تضطر إلى الإتيان بأجزاء تعوض بها مستبدلا ما أتلفته بعملية التفكيك، ولكن وكما قلت هذا في إطار الموجود والحديث في الرافد الثاني عن غير الموجود لتوجده بعد أن تفترضه ويكون ممكنا عقلا.

إن خوض طريق العبقرية يحتاج إلى تَحَدٍّ كبير، يحتاج إلى عَيْشٍ على الأعصاب الفكرية والعلمية والمعرفية.. كما يحتاج إلى مثابرة من أجل الوصول إلى العلم الحقيقي، و((العلم الحقيقي ليس أن تعرف ما خلف الحواجز بناء على إشراف مُسْبَقٍ منك أو معلومات مُقدَّمَة إليك، بل العلم الحقيقي أن تعرف ما خلف الحواجز دون إشراف منك، ودون معلومات سابقة، أي أن تُنْشِئ الوجود الصغير بافتراضك له في ذهنك افتراضا وخلف الحواجز فيكون مطابقا للواقع بعد إشرافك عليه.

صحيح أن العملية العقلية والتفكير لا ينشآن إلا إذا توفرت المعلومات السابقة، بل إن آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما نفخ الله فيه الروح ظل دون عقل ولا تعقّل حتى زوّده سبحانه وتعالى بالمعلومات السابقة وعلَّمه أسماء كل شيء، أي مُسَمَّيات كل شيء، ولكن ومع ذلك وثقةً في النفس وتطلُّعاً للخلق والإبداع تحت إرادة الخالق العظيم؛ الله جلَّت قدرته كان لا بد بعد إدراك قيمة العقل من ركوبه فوق المحيط العلمي والمعرفي اللذين لا ينتهيان)).. استهلال مقتبس من كتاب لي بعنوان: المقارنات علم وفن (فساد الفكر الشيعي نموذجا) كتاب لم يطبع بعدُ ورقيا، ولم ينشر بعدُ إلكترونيا، وهو كتاب اسْتُقْطِع منه كتاب نشرتُه ورقيا سنة: 2012م بعنوان: النظرية المَمْدَرِية (في الفكر والأدب والفلسفة).

وتوضيحا لما ورد عن المعلومات السابقة كونها شرطا لإيجاد العملية العقلية، شرطا للتفكير، وشرطا لتكوين العقل، لا بأس أن احدثك عن نفسك، فحضرتك لا ولن تعقل دون معلومات سابقة، أو معارف ماضية، وهذه المعلومات السابقة قد تلقَّيتَها من أبويك، من مربيك، من مدرستك، من جامعتك من "المسيد" من مجتمعك، والذين زوّدوك بها هم أنفسهم قد زُوِّدوا بما زُوِّدْت به بنفس الطريقة وإن ظهرت في عصورهم وسائل جديدة أو اخترعوا أساليب جديدة للتعليم وهكذا نزولا في التاريخ إلى الماضي السحيق لنقف على أول إنسان ونحكم جازمين أنه استند في وجوده إلى غيره، وهذا الاستناد هو الذي نبّهنا إلى حتمية وجود من أعطاه المعلومات السابقة حتى عقل بها، ولن يكون من يستند إلى غيره مثلنا نحن الذين نُزَوِّد غيرنا بالمعلومات السابقة ليعقلوا، فلو كان كذلك لوجب البحث عمن زوّده هو أيضا إلى أن نقف على من لا يحتاج إلى من يعلمه لأنه حتما يجب أن يكون كاملا الكمال المطلق المستغني بذاته وهو الله تعالى، فالعملية واضحة تنتهي إلى أن آدم قد تلقّى المعلومات السابقة من خالقه جلّ وعلا، ولم يعقل بناء على انعكاس الواقع على الدماغ كما يزعم كارل ماركس ولا على غير ذلك.

ــ الماء يخل بقانون أوم للتيار الكهربائي وقانون الجهد للتيار الكهربائي.

وأما كون الماء يخل بقانون أوم وقانون الجهود الكهربائية فإن ذلك يتجلى في نقضه لقانون العلاقة الطردية بين الجهد والتيار، فالمعروف أن الجهد إذا ارتفع ارتفع معه التيار وهذه العلاقة طردية وهي ثابتة كما يقرها قانون أوم غير أن داراتنا الكهربائية ورد فيها ما ينقض قانون أوم، بل إن العلاقة العكسية التي تخضع لها المحولات الكهربائية وجدتُ أنها ليست كذلك وذلك عندما وضعت دارة كهربائية بها محولات فأعطت نتائج عكسية، أي أن المحولات في دارتي الكهربائية حين خفضت الجهد رفعت التيار، وهذا قانون يسري على المحولات وهو معروف ولكن بنفس الوقت رفعت الجهد وهذا يسري على الجهد والتيار فيما يسمى بالعلاقة الطردية ولكنه لا يسري على قانون المحولات كما هو معروف، والسبب في ذلك وضع أكثر من محول في مسار التيار والتصرف في ملفاتها، وسأناقش هذا لاحقا إن شاء الله، فربما ناقشته في هذه الدراسة، وربما أجّلته إلى دراسة أخرى.  

وقبل أن أنهي دراستي لا بأس أن أهيِّج جموح القارئ وأضغط على مَلَكاته وأقرع حبال تفكيره لأقول له أن للخيال شكل، نعم للخيال شكل ولكنه غير شكل التَّهَيُّؤات، فالمخدرات مثلا تثير التفكير أول أمرها ولكنها تميته في النهاية، هذه المخدرات وظيفتها إثارة الخيال وربما العيش فيه مع إنكار الواقع أو اللامبالاة به، فما ينتجه الإنسان بخياله تحت تأثير المخدرات تافه جدا ولا يرقى إن وجد شيء من ذلك؛ إلى العناية به لأنه الضياع التام، وكيف لا يكون ضياعا وهو مُفْسِدٌ للعقل مُدَمِّرٌ لمُقَوِّمات التفكير السليم، ذلك أن الخيال يخلق اللذة والمتعة والانتشاء، واللذة والمتعة والانتشاء يكونون لصور خيالية يمكن نقلها إلى الآخر قولا أو كتابة، هذا موجود، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يستعين بالمخدرات لإثارة الخيال حتى يبدع كُلِّيات أو جُزْئيات، أي حتى يبدع صورا خيالية قد تصلح للعمل عليها والاشتغال من أجل إيجادها في واقع الحياة، هذا قد يبدو طبيعيا ولكن الأصل أن يقوى الإنسان على الوصول إلى ذلك دون استعمال المخدرات، لأن المخدرات من ألد أعداء العقل، ولأن استعمالها تنقيص لشخصية الإنسان وتآكُلٌ لمُقَوِّماتها، ولا بأس أن أحدثك قليلا عزيزي القارئ عن شبابي في سبعينيات القرن الماضي، فقد كنت حينها شابا طموحا كثير القراءة لكل شيء، للغث والثمين، للجيد والرديء، كثير النقد لما أقرأ ولما أسمع، كثير السؤال لم لا أفهم، بل إن فهمت أعدت السؤال بصيغ مختلفة بغية الحصول على أجوبة مختلفة بها أبعاد غير التي أنستها في الأجوبة الأولى، والشيء الوحيد الذي كنت أقف عنده مشدوها مفكرا متأملا وأحيانا شاردا دون أن أسأل منكسرا لإحساسي بجلاله إلا ناذرا هو سماع القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وكنت ممن يستعملون ما ذكرت لك من باب التجريب لأعرف ما هي وما ذوقها وما نتائجها، ثم كرهتها وتخليت عنها نهائيا، ولا يعني ما أقول أني كنت مدمنا على المخدرات كلا، بل كنت ممن يكرهونها ولو في حالة التجريب الذي كان بدافع النزول عند رغبة أصدقائي السيِّئين خصوصا الكبار منهم والذين كانوا يعيبون علينا نحن الصغار عدم تقليديهم، وهذا بحث آخر يجرُّنا إلى الثقافة والمعرفة أجمل ما يقال عند خوضها أن العاقل ليس ذلك المُجَرِّب للمخدّرات، ليس ذلك المتعاطي لها، بل هو ذاك الذي يتَّعِظُ بغيره، هو ذلك الذي ينظر إلى أثر ما تفعل المخدرات بالعقل البشري عند المتعاطين لها فينتهي به أو يمتنع عن تجريبها، وكنتيجة وأنا في خضم ذلك كنت أبحث عن مُخَدِّر من نوع خاص، افترضتُه من خيالي وكنت أبشِّر به أصدقائي بحيث رفعت شعارا لي اشتهرتُ به بينهم أقول فيه: تعلَّمْ كيف تُخَدِّر نفسك ولكن من دون مُخَدِّر، وفعلا وصلت إلى أعلى درجات اللذة والنشوة والانتشاء مع حضور العقل والبديهة والمعلومة في عملية التفكير، فكان التفكير هو ذلك المخدر الذي افتقدْتُه، هو ذلك المخدر الذي كنت أبحث عنه، هو ذلك الركاب المفعم بالحيوية والنشاط، هو ذلك السر الكامن في الذات الإنسانية، هو ذلك المعشوق للعبقرية، هو ذلك المحبوب ممن خلق الكون والإنسان والحياة، وكان ذلك الغائب الذي استحضرته وامتطيته، فكان هو ذلك المخدر الذي هو من نوع خاص، فالتفكير مخدر راق إن جاز التعبير لا يخرجك عن الواقع إلى الخيال إلا عند البحث عن الإبداع، فلا يجعلك من الذين يُتهيَّأ لهم، ولا يجعلك من الحمقى، ولا يصنّفك من المعتوهين، ولا يعتبرك من البلداء، بل إن الطقوس الممارسة من طرف الشيعة في حوزاتهم، والصوفية في زواياهم لا تجعل من العبقري المذكور الذي انتشى بالتفكير يتوصل إلى قناعات بمجرد قبولها مشاعريا، بل لا يتبنى كيفيةً لمناجاة الخالق جلّ وعلا، ولا طريقة لعبادته إلا وعليها طابع النبوة وإِذْنُ الشريعة لأن الأمر غَيْبِيّ يتعلق بمُغَيَّب عنّا هو الله تعالى فكيف نعرف ما يرضيه إن نحن توصلنا إلى ذلك دون إذن منه عن طريق وحيه لرسوله؟ لا يُعْبد الله بالهوى والتشهّي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

اختراع الكتابة بالصوت والعين

 

إن الاكتشاف غير الاختراع، هذا ما مر معنا، ولكن قد يكون الاكتشاف هو عينه الاختراع، فهل يكون ذلك صحيحا؟ ولكن كيف؟

الكتابة معروفة ولها وسائل وأدوات، وقد تطورت كثيرا، وفي يومنا هذا نكتب بالأزرار والبصمات، فهل يمكن إضافة كتابة بالصوت وكتابة بالعين إلى ما توصل إليه الإنسان من أنواع الكتابة؟

إذا تبنينا فكرة الكتابة الصوتية والكتابة الصوتية غير موجودة حاليا، أي إذا تصورنا كتابة نص أو كتاب بالصوت فإن هذا التصور يدخل الممكن عقلا، ومادام ممكنا عقلا فهو ممكن فعلا، وقد دخل الصوت مجالات عديدة في عالمنا ولم يصل بعد إلى الحاجة المرغوبة ومنها ما أفترضه كتصور، ولكن من أجل الوصول إلى ذلك يحتاج الأمر إلى عقلية عبقرية تخترع لنا كيفية الكتابة الصوتية، وبنفس الوقت حين تصل تلك العبقرية إلى اختراع ذلك يكون الاكتشاف هو أنك إذا وضعت كذا وكذا وسخرت كذا وكذا وربطت هذا بذاك ووضعت هذا هنا وآخر هناك إلخ فسوف تحصل على كيفية الكتابة الصوتية، وتستقر على نظامها، فهذا يعتبر اكتشافا، وهو اختراع بنفس الوقت لأنه يتناول المادة والطاقة ويتصرف بها وفق رؤاه وتصوراته إلى أن يصل إلى تحقيق ما رأى وتصور، وعليه فكل اختراع هو اكتشاف من خلال التوصل إلى القوانين التي تنظم تلك المخترعات، بمعنى آخر فإن اكتشاف عمل الذرة والخلية وغير ذلك في نطاق ما يتم التوظيف لها يعتبر اختراعا لأن المكتشف قد لمس القوانين المنظمة لمآل المادة والطاقة من خلال قوانين عرفها واكتشفها ثم سخرها لصالح البشرية فأفاد وأصلح ما أفسد غيره، وأبقى الصلاح على صلاحه، أو أضر فأفسد في البر والبحر والجو..

وإذا تبنينا الكتابة بالعين وهي أن نضع أمام أعيننا حروفا عربية أو لاتينية أو صينية ثم نشرع في النظر إليها حرفا حرفا يتم اختيار الحروف بغية الحصول على كلمة، ثم نضيف بنفس الطريقة  كلمة أخرى لتكوين جملة ثم فقرة ثم نص إلى أن نحصل على كتابة ما نريد كتابته.

هل يمكن الحصول على الكتابة بالعين بهذه الطريقة؟ الجواب نعم، وهل يمكن الحصول على نفس الكتابة بطريقة أخرى؟ الجواب نعم أيضا وهكذا.

تبقى تقنية الحصول على الكتابة بالعين، وهي تحتاج إلى مجاهدة كبيرة أكبر من الكتابة الصوتية، ذلك أن النظر إلى الحروف مجرد النظر إليها لا يحركها لتشكل كلمة، ولكننا نريد ذلك بغير الأوهام والخرافات والنزول إلى درك الغباوة حتى نصدق تسخير الجن لفعل ذلك، فالجن الذي سيفعل ذلك هو الإنسان الذي يدرس كيفية الحصول على الرؤية علميا، ويدرس مراكزها في الدماغ، ثم يأتينا بتقنية الكتابة بالعين فيكون بذلك عبقريا حقا.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كيفية بناء الفكر على الفكر

 

لقد بنيت عنوان: كيفية بناء الفكر على الفكر على تساؤل مخترع مغربي.

الفكر مدلول المعنى، والمعنى مدلول اللفظ.

وحين يؤلف الإنسان كلماته للتعبير عما بداخله يجد نفسه أمام لغة أو لهجة اضطر إلى التواضع عليها مع من يستعملها حتى يمكنه أن يوصل إليهم مراده، وحين تقدم الإنسان وأدرك أنه متميز عن الحيوان بعقله غاص في المدلول فكان للمدلول الذي سبره مدلول هو الآخر.

وحين علم بعدم عبثية الحياة رأى أنه لا يحيا لوحده، ولا يستطيع التصرف في الكون والإنسان والحياة إدراكا منه أنه ليس صاحب اليد القاهرة التي فطرتهم وقامت عليهم ولم تزل، ولكنه وبنفس الوقت أدرك أنها مسخرة له وحينها علم أنه مخلوق لخالق هو الله جلت قدرته.

وحين تواضع على لغاته شرع يؤلف وينظم الحروف فيصنع منها كلمات، ثم جمل، ثم فقرات، ثم نصوص، وبعمليته تلك استشعر العقل والتعقّل، واستشعر التفكير الذي يجده باستعمال تلك الوسائل للتعبير عما يجده وعما يتصور، صحيح أنه لا يفكر باللغة وقد أخطأ من زعم أن الإنسان يفكر باللغة ناسيا أو متناسيا واقع الأخرس الذي لا لغة له ومع ذلك يفكر ويستعمل غير اللغة للتعبير عما يريده، المهم أن اللغات أداة للتعبير وليس أداة للتفكير، فالتفكير لكي يحدث ويحصل يجب أن يستند على أسس مشتركة بين الناس كل الناس مع تفاوت بينهم، فالإحساس الذي يجده، والواقع الذي يحياه ويعيشه أو ما يقع على أثره الحس، والدماغ الذي يملكه، وخاصية الربط التي بها يستطيع الربط بين الشيء والشيء بين الفعل والفعل بين الرأي والرأي بين الشيء وشيئه، والمعلومات السابقة التي لا بد منها؛ كل ذلك معا مجتمعا أظهر عنصر التفكير لدى الإنسان فكان الإنسان مفكرا بهذه الأمور وبغيرها لا يستطيع التفكير.

وهو في حياته قد وجد من فاته في البناء والخلق والإبداع، قد وجد تراثا ضخما لدى البشرية موزعا بين قوم وقوم بين حضارة وحضارة، وبما أنه ابن بيئته تحتم عليه أن يلتصق بها فكان مفكرا بطبيعته، وحين يرتقي بكسبه معلومات معتبرة، وملك رصيد فكري وازن عندها يدرك أنه قد وصل إلى درجة تقلّده مسؤولية رعاية شؤون الناس والكون والحياة فولدت لديه القيم والمثل، وتبنى عقائد ومفاهيم، وأنتج أفكارا وأفكارا.

وأنا في هذه الدراسة أود ألا أبتعد بك حضرة القارئ المحترم بعيدا، أريد محاصرتك حصار الأحبة الراغبين في هز مشاعرك ونوالك مشعلا ريثما تنشئ مشعلك أنت لتستضيء به، ثم تضيئ لأنك أرقى من جميع المخلوقات ومنها ما ينشئ ضوءه وهو ضوء كيميائي كذلك الذي تصنعه الأسماك في البحر والفطريات والإسفنج.. وتصنعه حشرات وديدان وطحالب وقشريات برية مثل الدودة ألفية الأرجل، وأم أربعة وأربعين، والحلزون، بطبيعة الحال ضوؤك ضياء تعجز عن مثله النجوم والشموس لأنه ضياء فكري معرفي..

إننا جُزءٌ من كلّ، جُزؤنا هو انتماؤنا، وكلِّيتها هي أمّتنا، وأمتنا منحطة على الرغم من مظاهر النهضة الخادعة، أمتنا مغلوبة على أمرها لا يزال الأجنبي متصرفا بمقدِّراتها يمنعها من العيش لثقافتها وحضارتها، يحول بينها وبين طريقة عيشها، يفعل ذلك بناء على تفوُّقه العلمي والتكنولوجي وليس بناء على تفوقه المعرفي، فأمتنا تملك ثروة لا تُقدّر بثمن، فثروتنا المعرفية لا يطالها أيّ فكر في نقائها وصفائها، ولا تدانيها أيّة ثقافة في استيعابها لحاجيات الإنسان، وذلك كمّا ًوكيْفاً.

وحين أردنا النهوض والانعتاق من التبعية وجدنا أنفسنا تحت حكام يحولون بيننا وبين النهوض العلمي والتكنولوجي، يمنعوننا من الصناعة الحقيقية، أي الصناعة الثقيلة، أو بتعبير آخر يمنعوننا من صناعة الآلة التي تصنع الآلة لدرجة أن باتت عقولنا العبقرية؛ مهاجرة، ومن لم يهاجر تمت ملاحقته من طرف حكامنا، وإذا نجا فنجاته لا تكون إلا إذا لم يكن عالما العلم الذي يتسبب في ملك القوة، أي ألا يكون فيزيائيا قد اطلع على أسرار صنع القنبلة الذرية أو الهيدروجينية مثلا.

وفي خضم هذا الواقع وضعتُ دراسة هي آتية في هذا الكتاب أذكر فيه نماذج من الاغتيالات للعقليات التي أرادت خدمة بلادها وأمتها فتم اغتيالها.

والخلاصة في تلك الدراسة أن يتكتم المخترع على اختراعه ولا يندفع إلى كشفه إذا كان الاختراع فيه عز الأمة وعودتها لاستئناف حياتها الحضارية والثقافية والانعتاق من التبيعة، وقد انفلت من سهمي الشاب التطواني عبد الإله بن شقرون باختراعه موتور نموذجي رفض بيعه لخوفه من استعماله في الطائرات المقاتلة حتى لا تقتل المسلمين ويُسأل هو عن ذلك أمام الله تعالى يوم القيامة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاءنا نعيه.

ودراستي هذه أضعها بين يديك بسبب ظهور شاب مغربي يتحدث عن اختراع يمكن أن يضع حدا للهيمنة الجوية لكل من الدول الغربية وروسيا، ووضع حد لتلك الهيمنة، ثم يعيد عقول المتغطرسين إلى أمكنتها من الأدمغة إن كانت العقول في الأدمغة وهي ليست كذلك بل القلب هو الذي يفكر وهذا بحث آخر ليس الآن وقته.

أثارني ما تلفظ به الشاب المغربي الذي لا أعرف اسمه لأن الفيديو الذي نشر ذلك ليس فيه تعريف بالشاب ولكنه هو الذي يتحدث صحبة تشويش لا أعرف هل هو مقصود أم هو من رداءة التسجيل.

هذا الشاب هو الذي أوحى إلي بوضع هذه الدراسة، وعنوانها منطبق تماما على الواقعة، فقد فعل هو ذلك وأريد منكم حضرة القراء المحترمين أن تضعوا أيديكم على كيفية بناء الفكر على الفكر، ففي البناء جديد جيد سواء في العلوم التجريبية أو في المعارف والثقافات..

هذا الشاب مسؤول، ومسؤوليته هي التي دفعت به إلى التفكير، وتفكيره الغيور على قتل إخواننا بسوريا جعلت منه شابا مفكرا حقا قد استطاع أن يخلق أسئلة مكّنته من بناء الفكر على الفكر فكانت النتيجة فكرة جديدة رائدة.

فكرة الشاب ليست من قبيل الخيال، بل هي من الممكن عقلا، والممكن عقلا ممكن فعلا، فقد تساءل الشاب عن الألغام الأرضية وكيف تُزرع في طريق العدو لمنعه من التقدم وإيقاع الخسارة البشرية والمادية بقوته، ثم تساءل عن الألغام البحرية وكيف أنها للوقوف في وجه السفن البحرية من زوارق وبوارج تزرع في البحر بغية الحد من تقدم العدو في البحر وإيقاع الخسارة به وبقوته، وحين نظر إلى السماء وجد الغطرسة الغربية والروسية، ووجد الظلم الفظيع في قتل إخواننا بسوريا وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، فقال: لماذا لا تكون في السماء ألغام جوية تقف في وجه الطائرات الروسية والأمريكية وكل طائرات العدو وغيرها حتى تحول بينها وبين قتل إخواننا في سوريا؟

لقد أبدى بعض التفاصيل متحدثا عن غاز الهيليوم لأنه غاز خفيف يمكن استعماله لذلك الغرض حسب تصوره، ووعد بنشر فيديو آخر أكثر تفصيلا من المذكور.

لقد كان سؤال الشاب سؤالا ذكيا دل على نباهة كما دل أولا وأخيرا على بناء الفكر على الفكر.

إن بناء الفكر على الفكر قد فعله ذلك الشاب وفعلته أنا أيضا حين أنشأت دراستي من وحي تساؤلاته، أنشأت دراستي وقد بنيتها على فكره هو.

وحتى أكون أكثر وضوحا ودقة يمكنني القول أن السماء يجب أن يُتَحَكّم فيها من طرفنا نحن، فنحن الذين نحمل حضارة وثقافة ليس من طبيعتهما ظلم الإنسان، بينما حضارة المهيمنين على العالم والسماء يملكون حضارة عبارة عن مصنع يتم فيه مسخ الإنسانية كالحضارة الرأسمالية، وأخرى عبارة عن عربة يجرها خنزير أعمى كالحضارة الاشتراكية..

فالسماء بالنسبة للنظرة المستنيرة يجب أن تتربع عليها آليات لا تنفلت منها طائرة ولا صاروخ موجه لقتل الأبرياء من إخواننا بسوريا وأبرياء العالم، فالمسؤولية هي مسؤوليتنا نحن وليست مسؤولية بوتين أو ترامب أو غيره من السفاحين والقَتَلَة، ولكن ذلك ليس سهلا ومع ذلك مادام الأمر في الممكن عقلا فالوصول إليه ممكن وقريب وسهل، ما علينا إلا أن نحتل السماء كما لو كنا أسرابا من طير الأبابيل ترمي العدو بالمذاهل وتحجب عنه في أجوائه ضوء الشمس، ما علينا إلا أن نشق أدمغتنا ونستخرج منها مِخخنا للبحث فيها عن أسباب عزتنا ووسائل سيادة حضارتنا وثقافتنا، ثم نعيدها ونعمد إلى اختراع وصناعة ما يمكِّننا من تحقيق ذلك..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قواعد بناء العبقرية والنبوغ في الإنسان

ما من أحد منا إلا ويودّ أن يكون عبقريا ونابغة، أن يكون ذا قوة في الخلق والإبداع، أن يكون مجيدا في العلم والمعرفة..

وما من أحد فاته شيء من ذلك إلا ويودّ أن يراه في أحب الناس إليه، ولقد قيل أن ذلك موهبة من الله عزّ وجلّ، ومن وهبه الله ذلك كان محظوظا، ولكي ننتبه إلى خطأ هذه المقولة التي تتهم الله في التسوية بين البشر في العطاء يكفينا أن نعلم يقينا أن الله تعالى قد تفضّل على عباده كلهم وتكرّم بما فيهم أولئك الذين لا يؤمنون به، ولا ينبغي أن يفهم من هذا؛ اُلتناقض بين التسوية والتفاضل، فالتفاضل بين الفعلين والقولين، بين الصفتين والشكلين، بين المتحركين والجمادين، بين الشيئين ما لم يكن من الله تعالى أو من رسوله لا معنى له، فالتفاضل أسّ حركة الحياة به تستمر وبه تظهر العلاقات وبه تُتَبادل المصالح وبه يتم تسخير الإنسان للإنسان، فهذا لا علاقة له بالتسوية ولا يتناقض معها، فكلاهما له دور خاص به، وكلاهما له وظيفة لا بد منها حتى تستقيم الحياة وتستمر، صحيح أن التفاضل يأتي من الإنسان للإنسان وللأشياء، وحين يأتي من الإنسان على شكل أحكام القيمة لا يعتبر عند العقلاء ما لم يكن مبصوما بجواز الخالق جلّ وعلا لأنه يأتي متأثرا بميول الإنسان وأهوائه وطبيعته، بنقصه واحتياجه، بعجزه ومحدوديته، انظر إلى الخير مثلا، فكل شيء يرى الإنسان فيه نفعا يعتبره خيرا، وكل شيء يرى فيه ضررا يعتبره شرا، ولكن الخير والشر لا يعرف حقيقتهما أحد فتكون أحكام الإنسان بالخيرية والشرية عائدة إلى ميوله وطبيعته، فهو من طبيعته ينفر من الظلم ويميل إلى الإنصاف، من طبيعته يميل إلى المحسن وينفر من المسيء، يميل إلى رقيق القلب وينفر من غليظ القلب، ولكي يتأكد من الخير والشر عليه أن يبحث عن أحكام القيمة عند من لا يخطئ وهو الله تعالى، فدفع المؤمن للقتال للجهاد وفيه شر بنظر الإنسان حين يمتدحه الخالق ويدعوا إليه ويحث عليه يكون خيرا وإن جلب معه الشر المتجلي في الأسقام والأعطاب وأذى الأبدان والموت كما نرى وهكذا، فأهم ما يجب التنبه إليه أن التفاضل مرئي للعين المجردة ومسموع للأذن الواعية ولكن حقيقته غيب عن الإنسان، ذلك أن الأفضل ما لم يكن هناك حكم قطعي عن تفاضله وفضله وأفضليته فلا مجال للحكم على الإنسان في تقدير الرحمن مادام غيبا عنا ولا خبر قطعي بشأنه عندنا، فالله عزّ وجلّ له عباد مكرمون وأفاضل فاضل بينهم وهذا شأنه جلّ وعلا لا يُسْأل عنه، لأن السؤال عنه سؤال لا يستجلب معنى، أي جوابا، فإذا كان السؤال لا يستجلب معنى فهو إذن لَغْو، ولكنهم في عين كثير من الناس دون ذلك، وانظروا إن شئتم إلى الأنبياء والرسل مع أقوامهم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يرونهم دونهم في الجاه والفضل والخير وهم عكس ذلك تماما عند الله تعالى، وانظروا إن شئتم إلى خير البشر والرحمة المهداة سيد ولد آدم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فهو أفضل الخلق عند الله تعالى، فهل نطالب بالتسوية بيننا وبينه؟ هل فضل الله بيد غيره حتى يُتَصَرَّف به؟ هل نطلب من الناس أن يحبوا أنفسنا كحبنا نحن لها؟ هل نطلب منهم أن يحبوا أبناءنا كحبنا نحن لهم؟ هل يستقيم مثل هذا الطلب في عقل العاقل؟ كلا، بينما اليهود والنصارى والمجوس والبوذيون وكثير من الناس يرونه دون ذلك، فكذلك الشأن عند النظر إلى غيرهم، نتفاضل ونحكم على التفاضل بناء على ميولنا وقيمنا وأفكارنا، فإن كانت وفق ما جاء عن الله في وحيه وُفِّقنا إلى معرفة الأفاضل ممن لنا حكم بشأنهم ولكننا بالنظر إلى بعضنا البعض، بنظرة جاهلنا إلى عالمنا وبخيلنا إلى سخينا ووضيعنا إلى شريفنا وسقيمنا إلى صحيحنا وفقيرنا إلى غنينا نخطئ الخطأ الكبير والمدمّر إذا نحن أصدرنا أحكام القيمة عليهم وعلى أعمالهم في غياب الحكم القطعي بشأنهم وشأن أعمالهم، والعكس عند قلب النظرة صحيح، فلا نحكم على منزلتهم عند الله تعالى لأننا لا نعلمها، ولكننا نحسن الظن بهم ما داموا على الإيمان والإسلام، وبذلك لن يغتر أحد منا مهما بلغ من الرفعة وعلو الشأن وعظيم المنزلة في دنيانا ما دام لا يعرف مصيره ومنزلته عند الله تعالى، فلا يغتر أحد ولا ينظر إلى غيره نظرة دونية لأن الكبير عندنا ربما يكون صغيرا عند الله تعالى، والصغير عند الله عزّ وجل ربما يكون كبيرا عندنا لجهلنا بمعرفة الغيب وهكذا. إن كثيرا من الناس في الحياة دون مستويات كثير من الناس في زينة الحياة الدنيا ولكنهم كبراء وفضلاء عند الرحمن، فلا أحد منا يعرف منزلته عند الله تعالى وهذا الغيب رائع جدا في قطع دابر التكبر والغطرسة في الإنسان.

لقد أعطى الله تعالى الخلائق كلها من عطاء الربوبية الشيء الكثير ولم يزل، لأن يداه مبسوطتان دائما وأبدا ينفق كيف يشاء، ولم يقيد عطاءه بعبادته والإيمان به، أعطى وتفضّل وتكرّم من ذاته دون سؤال أحد، وهذا هو الكريم الحق فما أسعدنا به ربا.

والعبقرية عطاء هي الأخرى ومن ضمن عطاء الربوبية، ولذلك نجد العباقرة والنوابغ من جميع الأجناس البشرية دون تمييز لعرق أو جنس أو دين.. غير أن العبقرية والنبوغ ليسا شبيهين بكثير من أنواع العطاء، فالرزق الذي يقوم به أَوَدُ الإنسان لا يمكن أن يأتي إلا من الماء، والماء عطاء الربوبية، وفي الاستفادة منه يأتي اجتهاد الإنسان حتى يظهر على شكل منافع وخدمات ومصالح في العلاقات العامة والخاصة، لأن اجتهاد الإنسان جهد منه يستغله في استخراج الفائدة منه وهو عطاء الربوبية أيضا يتجلى في استخدامه المُيَسَّر لجوارحه التي هي عطاء الربوبية كذلك.

وأما العطاء الإلهي الآخر فهو عطاء الإلوهية ومنه الإيمان بالله وما أمر بالإيمان به، وهذا العطاء في أصله عطاء الربوبية ذلك أن الإنسان مفطور على الإيمان بالله عزّ وجلّ قد دل على ذلك واقعه وواقع الكون والإنسان والحياة، فالإيمان بالله عطاء ربوبية في أصله قد لطخته أوساخ وغشيته أدران حتى بات مطموسا مُغَيَّباً بفعل فاعل، فما من أحد من الناس إلا وقد أشهده الله على نفسه قبل خلقه، قال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) سورة الأعراف.

ولا يقال أن ذلك متعلق بإيمان المؤمن بالله، ولا علاقة له بغير المؤمن بالله، لا يقال ذلك لأن الإيمان بالله أصل موجود في الإنسان قبل كفره به، فالإيمان بالله سابق على الكفر به، فلكي تكفر بالله وتنكر وجوده وَجَبَ أن يكون المُعْتَقَد بوجوده موجودا قبل إيجادك الكفر به، إذ كيف ترفض وجوده وهو سابق عن إنشائك الكفر به؟ أي كيف ترفض وجوده بعد العلم بوجوده؟ هذا عمل غير العقلاء، فالإنسان الأول مؤمن بالله عزّ وجلّ، وحين غاب الإيمان به غاب بسبب تغطية الحق من طرف أصحاب المصالح والأنانيين والوصوليين حتى يظلوا على حالهم من السيطرة والاستغلال.. فكان الكفر بالله طارئ ولاحق؛ حتى إن لفظ الكفر يعني التغطية والإخفاء، فكفر لغة بمعنى غطى وستر وأخفى، ومعنى ذلك أن هناك من أعداء البشرية من أخفوا عن الناس الحق رويدا رويدا حتى ستروه إما بحرفهم عن الإيمان به جلّ وعلا، أو بصرفهم عنه إلى الإشراك به وإدخال غيره معه في التقديس والعبادة لتظهر أشكال عديدة من الشرك فتداركهم الله عزّ جلّ من رحمته بالأنبياء والرسل إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يفضي بنا إلى القول أن الإيمان بالله أصل متأصِّل في الإنسان يجده الإنسان في ذاته، يجده في الكون والإنسان والحياة إلا أن يُغَطّى عقله فيصاب بالجحود مع الإحساس الذاتي والعقلي الحتميين بوجود الخالق.

إن الإيمان بالمغيبة ذاته الحاضرة آثاره في خلقه يبدو لكل عين، ويحاجج كل عقل، ألا ترى إلى الأعرابي الذي نظر في الآثار فقال: "البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أفلا يدلان على اللطيف الخبير"؟

إن الناظر إلى الكون والإنسان والحياة يدرك يقينا استنادهم في وجودهم إلى غيرهم، يدرك يقينا عجزهم ونقصهم واحتياجهم ومحدوديتهم مما يدل قطعا على وجود من أوجدهم، وهذا الذي أوجدهم يستحيل أن يأخذ من شبههم شيئا لأنه بذلك يكون جزءا منهم وهذا عقلا محال، فالخالق الحقيقي عقلا يجب أن لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، أي وَجَبَ ألا يكون مثله شيء، ووجب أيضا أن يكون مستغنيا بذاته، والناظر إلى الكون والإنسان والحياة حتى وإن زُعِم أنهم مستغنون باستنادهم إلى بعضهم البعض إلا أن الحقيقة دون مغالطة أن المستغني يجب أن يكون مستغنيا بذاته، انظر إن شئت إلى الكون فهو مجموع أجرام كبرت أو صغرت دقّت أو جلّت، وعند النظر إليه نجده ذلك المجموع من الأجرام، وهذه الأجرام محدودة، ومجموع المحدودات محدود، والمحدود عاجز ناقص محتاج، فالحقيقة أن الاستغناء يجب أن يكون بالذات، فكانت النتيجة أن الكون غير مستغن بذاته والنتيجة أنه مستند في وجوده إلى غيره، وغيره عقلا وجب أن يختلف عنه والأهم أن لا يكون حاملا لصفاته فهو مستغن بذاته، وإذا انتقلنا إلى الطبيعة نجدها مجموع الأشياء والأنظمة، أي هي الكون ونظامه، الطبيعة هي مجموع الأشياء والأنظمة، فالأشياء لكي تنتظم تحتاج إلى نظام، والنظام لكي يُنَظِّم يحتاج إلى أشياء ينظمها حتى يظهر الانتظام، وإذا قيل أن الطبيعة مستغنية بذاتها لأنها محتاجة إلى ذاتها، أي أن النظام محتاج إلى أشياء والأشياء من الطبيعة، والأشياء محتاجة إلى نظام والنظام من الطبيعة، والنتيجة أن الطبيعة محتاجة لنفسها مستغنية بذاتها، هذه النظرة قاصرة عن بلوغ النضج الكافي لإدراك الحقيقة، فالحقيقة أن الحاجة تتنافى مع الاستغناء لأنها تدل على نقص، اُلحقيقة أن الخالق الحقيقي يجب أن يكون مستغنيا بذاته وهذا لن تجده في أي شيء غير الله تعالى، فدل ذلك على أن الجميع مخلوقون له، فالنظام ليس مستغنيا بذاته بل مستغن بالأشياء، والأشياء غير مستغنية بذاتها بل مستغنية بنظامها، ومجرد وجود الحاجة في النظام إلى الشيء، وفي الشيء إلى النظام؛ يدل على نقص وجب تفاديه وعجز وجب تجاوزه ومحدودية وجب إلغاؤها، ودل ذلك أيضا على أن هذه النظرة قد كانت نظرة المستنير من الناس عقليا في القدم منذ آدم إلى أن طرأ عليها شيء من القصر فتكرّم الله عزّ وجلّ وتفضّل ببعث الأنبياء والرسل إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد جاء بكتاب مجيد ليؤكد أن خلاص الإنسان في الكتاب، والكتاب دليل نضج وسبيل نهضة وهو وحي أحكمه بتصورات مستنيرة، وأرشد به إلى وحيه الثاني في سلوك شخص من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وألحقه بتشريعات ليس غيرها يمكن أن يُوَفَّقَ في معالجتها لشؤون الإنسان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية وغيرها لأنها شريعة ممن خلق الإنسان، ومن هنا كانت الشرائع الأخرى والتصورات الأخرى عوائق تحجب عن الناس عطاء الإلوهية الذي كان في أصله عطاء الربوبية فتكرم جلّ وعلا وتفضّل بعطاء الإلوهية ببعثه الأنبياء والرسل آخرهم وخاتمهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم دون أن يلزم أحدا ويحمله على الخضوع له أو القبول بعطائه وهو يحب ذلك، لأن إرادة الإنسان من عطاء الربوبية بها يختار الإنسان ما يريد ويفعل ما يشاء ضمن دائرة ضيقة ــ لو عقلها الإنسان ــ هي مجال إرادته في دائرة الكون أو دائرة القضاء والقدر، وبها أوجب الله المثوبة وأحبها، وأوجب العقوبة وكرهها سبحانه وتعالى، وبالنتيجة التي أرادها في عدم إلزام الإنسان بالفعل مادام يختار بإرادته دل فعله جلّ وعلا على عدله، وبرفض الإنسان لتلك العوائق اختار الإنسان الإيمان، وبقبولها مغالطة أو جحودا اختار الإنسان الكفر.

إن العبقرية كما قلنا عطاء الربوبية من حيث التهيئة والقابلية، ولكنها ليست كعطاء الماء، صحيح أنها هي أيضا عطاء مثَلَها مثل الماء لأن الماء سبب فيها وهو عطاء رباني أو رزق إلهي، سبب فيها من حيث وجود الحياة في ذات الإنسان، ومن حيث ضرورة الماء لقيام جسمه وسلامة عقله في الذات البشرية، صحيح أن الماء سبب الحياة في كل ذات حية، سبب الحياة في كل شيء ومنها الإنسان ولكن العبقرية شأن إنساني لا علاقة للحيوان والكائنات الأخرى بها لأن ذاتها قد فطرت على الإدراك الغريزي والتصرف الجيني بينما الإنسان وإن فُطِر على الإدراك الغريزي والتصرف الجيني مثله مثل الحيوان، إلا أن الإدراك العقلي قد تميز به فامتاز عن الخلائق كلها ولا غرابة ففيه نفخة من روح الله عزّ وجلّ، وبما أن الماء سبب قيام ذات كليهما فإن العقل البشري لا يفكر إلا وفق شروط التفكير، والحيوان لا يفكر لفقده تلك الشروط أو بعض منها، وبما أن الماء سبب الحياة في ذاتيهما فإنه أيضا سبب العبقرية في الإنسان غير أنه لا يمكن أن يكون سبب العبقرية في الحيوان ولا أي مخلوق آخر ولا داعي لسوق ترهات من أخبثها فكرة التطور ليس بالمعنى اللغوي، أي انتقال الكائن والشيء من حال إلى حال، أو بتعبير أدق من طور إلى طور كما يحصل للجنين في رحم أمه أو في الأنابيب.. بل بالمعنى الرجعي الدوني الذي يتعمّد تشويه الخلق دون أن يأتي بجنس غير الجنس الذي عمد إلى تشويهه كالاستنساخ مثلا الذي يشبه الإخصاب الصناعي حيث يتم نزع نواة الخلية من ثدي امرأة مثلا ثم زرعها في بويضة بعد إفراغها من نواتها، يحصل ذلك بتسليط مواد كيماوية خاصة، وتيار كهربائي معين بُغْية دمج نواة الخلية مع البويضة.. كل ذلك محاكاة لخلق الله الذي أبى أن يأتي بخلق مستنسخ دوني، أتى بخلق متميز متفرِّد لأنه أحسن الخالقين حتى إنك إن عمدت إلى جميع من زعموا الخلق ستجدهم مقلدون يحاكون مخلوقات خلقها الله تعالى فأين خلق غيره دون محاكاة خلقه وتصويره.
انظر إن شئت إلى سبب الحياة في النبات مثلا فستجده الماء، وانظر إلى مصير النبات فستجده إلى اضمحلال شأنه شأن كل الكائنات، غير أن الأشكال التي تشكلت بسبب ذلك الماء قد وقفت عند حد معين على صفة معينة وشكل معين وطعم خاص دون تجاوز الجنس النباتي، فكان الماء فيها قد نشط إلى حد ما؛ رأيناه دون تجاوزه، وإذا نظرنا إلى مصير الإنسان سنجده إلى اضمحلال وزوال أيضا بصرف النظر عن الرؤية العَقَدية فلسنا الآن بصددها، فاضمحلاله وزواله شبيه بجميع الكائنات الحية غير أن الأشكال التي تشكلت بسبب ذلك الماء قد وقفت عند حد معين على صفة معينة وشكل معين وطعم خاص، فكان الماء فيها قد نشط إلى حد ما؛ رأيناه من اختلاف الألوان البشرية وطولها وعرضها وأشكالها دون تجاوز للجنس البشري، ولكن الأمر لم يقتصر عند هذا الحد فقد ظهر النشاط العقلي لدى الإنسان فأوجد العمران (أي المدنية أو الأشكال المادية) والحضارة (أي مجموع المفاهيم عن الحياة) والفكر والثقافة.. والنشاط العقلي هو المظهر للعبقرية، والعبقرية هي النشاط العقلي الحاد، فكان الماء سبب فيها لم يتوقف عند الحد الذي توقف فيه في الكائنات الأخرى فدل ذلك على أن العبقرية عطاء رباني إنما تحتاج زيادة إلى غير ما تحتاج إليه الأشياء الأخرى.

إن أُسّ أساس العبقرية؛ الذكاء، والذكاء مشترك بين الناس جميعهم، فالإنسان ذكي بطبعه، ومن لم يكن ذكيا كالمجنون والتالف العقل الواقع تحت تأثير ما يفسد العقل كالمخدرات مثلا أو غيرها؛ كان ذكاؤه ذكاء ضعيفا منحدرا أو ضائعا.

وأما المنغوليان فهو بذكاء دل على خلل خَلْقي جاء به إلى دنيانا، فثلاثي الصبغي أو متلازمة دارون يحتوي في كل خلية من خلاياه على 47 صبغيا، (23 يتوارثها من أحد الأبوين، و24 صبغيا من الأب الآخر) وقد أظهرت الاكتشافات الحديثة أن الصبغي 21 الزائد يأتي عادة من الأم؛ خاصة إذا حدث حملها بالجنين بعد سن 40، وهكذا نفهم أن بويضة الأم التي استخدمت في اللقاح حوت 24 صبغيا عوض 23، والصبغي الزائد هو الصبغي رقم: 21 وللعلم فإن الصبغي الزائد ليس زائدا حقيقة، بل هو مقسوم إلى قسمين، وبه اعتبر زائدا، وفي ذلك التقسيم؛ حصل الخلل في شخص المنغوليان كما يرى العلماء والباحثون، وعليه فالغباء في الناس حالة شاذة، فكلنا أذكياء إلا من ذكرتهم لكم، وعليه فالعبقرية والنبوغ بذرة قد بذرت في جميع الناس.

ولكي تكون عبقريا ونابغة تعلم التفكير أولا، أي تعلم كيفية التفكير في الكون والإنسان والحياة، ولكي تعرف أنك مفكر فعلا فعليك بالتمرن العقلي النظري على العمل التخيلي من أجل تغيير الأشياء وقوانين الأشياء والوقائع والحوادث في إطار من الممكن عقلا حتى يتأتّى لك تصوُّر الممكن فعلا، وحين تتصور الممكن عقلا وتراه ممكنا فعلا عندها أَدْرِكْ أنك مُفَكِّر، ثم بعد ذلك قم بالعمل على إيجاده في واقع الحياة متجاوزا الخيال أو متقيدا بتفاصيله لأنه صور وكيفيات معينة تتماس وتتقاطع وتتداخل في حركة يصعب وضع الإصبع عليها، فإذا استطعت الإمساك بما تيسر لك الإمساك به عندها أدرك أنك عبقري عليك أن تدوِّن تفاصيلها ثم تخرجها للوجود، فإن لم تستطع فأنت عبقري لأنك قد وضعت آليات أو أساليب لإخراجها، تفعل ذلك دون وضع حواجز مادية كعوائق، فالإمكانيات عند صاحب هذا النوع من التفكير تدخل ضمن عمليته الفكرية، فهو مفكر بالتزامه قانون الوصول إلى الأهداف واقتعاده على القاعدة التي بينتُ له، فمن يفكر في الممكن عقلا ورآه ممكنا فعلا لا تفوته حيلة للوصول إلى غايته لأنها غير مستحيلة، لأنها ممكنة عقلا، ومادامت ممكنة عقلا فهي ممكنة فعلا وإن شقّت وصعُبت، أو عسُرت وبَعُدت.. فلا وجود لشيء اسمه اليأس في حق العباقرة ولو أن لا يحققوا ما تصوروا لأنهم بعقولهم يبنون جسورا ليعبرها غيرهم من الأجيال التي تأتي بعدهم حتى تحقق ما استعصى عليهم هم أو لم يكن تحقيق ذلك من ضمن إمكانيات جيلهم وقرنهم وهم منهم بطبيعة الحال، ولكنهم في جميع الأحوال لا يستهدفون المستحيل، ألم يحلم العالم الأندلسي الموسوعي عباس بن فرناس بالطيران قديما فلم يوفق، ولكنه زرع حلمه في الأجيال وظل ذلك الحلم بذرة حية في عقول الباحثين إلى أن حل عصر الطيران في القرن العشرين؟.

صحيح أن العمل يجب أن يحقق غاية لصاحبها، فالأجير يعمل ليأخذ أجرة على عمله، والتاجر يتاجر من أجل أن يربح في تجارته، ولكن إجارة العبقري وتجارته ليستا من هذا القبيل، ولأضرب لكم مثلا عمليا على ذلك، تصوروا وجود هدف تسوية جبل إفرست بالأرض دون استعمال متفجرات فهل يمكن ذلك؟ نعم يمكن ذلك ولكن حسابات العمل للوصول إلى تلك الغاية ليست في متناول حياة الفرد الذي يبدأ العمل لأنه لن يحقق الهدف لأنه لن يعيش القرون أو آلاف السنين وربما الملايين ولكنه يدرك بحسابات عقلية ورياضية أن ذلك ممكن في تاريخ كذا وكذا وأن من سيحققه هو غيره بطبيعة الحال، يشبه ذلك معرفة تاريخ فناء الشمس ولو ليس بالدقة المطلوبة ولكن العمل من أجل إفنائها وإطفائها ليس من الممكن عقلا ولذلك لن يشتغل العبقري على ذلك الهدف لأنه لن يضعه هدفا له حتى يعمل عليه أو يشجع العمل عليه، وإذا أخذنا رواية طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) الطبعة الورقية الأولى: 2009، والنشرة الإلكترونية الأولى: 2009 أصدرتُها في طنجة بها تصور للبطل عن شق قناة مائية لطنجة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط حتى تصبح مدينة طنجة جزيرة عائمة، هذا التصور يدخل في الممكن عقلا، ومادام كذلك فهو ممكن فعلا، ولكن العمل من أجل تحقيق الهدف إن حصل البدء به فهو يستغرق وقتا قد يملكه العبقري وربما لا يملكه ولكنه حين تصوره ووجود من يعمل على تحقيقه فإن ذلك هو المراد ولكنه ليس كمراد الذي يعمل من أجل أن يأخذ أجرة شهرية عن عمله، أو هو كذلك الذي يتاجر من أجل أن يربح في تجارته، لا، الأمر مختلف وإن كان كل من الأجير والتاجر يدخلان في هذه المعادلة إلا أنها معادلة لا تستحق معاناة العباقرة لأن العباقرة عشاق للتغيير من أجل الزيادة في صلاح وجمال ما يسعون إلى تغييره، أو محوه إذا ظهر لهم أنه فاسد، العباقرة بهَمٍّ كبير يسع الكون والإنسان والحياة.
هذا في إطار تغيير الأشياء والقوانين والحوادث والوقائع إلا أن ذلك ينتج صلاحا وفسادا، ينتج خيرا وشرا، ينتج جديدا ينفع الحياة والكون والإنسان أو يضر بهم، ولكي نحافظ على جمالية الحياة وجمالية الكون وجمالية الإنسان لأنهم أصلا جمال قد أبدعهم مبدع لا حد لإبداعه ولا أفضل منه في تصوير خلقه وهو بالمناسبة ليس عبقريا لأنه لا يفكر، فالتفكير في حق الإله دوني وما هو إلا عمل الإنسان وله شروط لا يحصل بغيرها وهي نقائص لا يمكن أن يتصف بها خالق الكون والإنسان والحياة، وقد أعلن عن خلقه لما ذُكِر على حد تعبير العبقري محمد متولي الشعراوي ولم تثبت منازعة أحد له وادعاء أن الخلق خلقه، فالعقل العبقري والقائم على الخير حيث ما وجد والجمال حيث ما كان هو أن يزيد من جمال الأشياء إذا قدر على ذلك، أن يزيد الإنسان من جمال الأشياء كما يقول الشعراوي، وإذا لم يستطع فعلى الأقل يُبْقي الجمال على حاله ولا يسعى إلى إفساده كما يقول أيضا، لا يفسد ما لم يقدر أن يزيد من جماله وفي جماله؛ مثال ذلك تغيير خلق الله، بمعنى إفساد جمالية خلق الله تعالى، أقول لكي نحافظ على جمالية الحياة وجمالية الكون وجمالية الحياة لابد من سلوك مسلكين اثنين لا ثالث لهما: إما الإبقاء على الجمال والصلاح كما هو، و: إما الزيادة في جماله والزيادة في صلاحه، فإذا قدرنا على الزيادة في جماليتهم زدناهم جمالا، وإذا عجزنا فعلى الأقل نبقي على جماليتهم لأنهم جمال ولا نسعى إلى إتلاف ذلك الجمال وإفساده.

وبعمل المقارنة بين خلق الإنسان وخلق الله تعالى نسوق الحمار والكلب والذبابة وأي مخلوق قبّحناه ونقارن بينه وبين خلق الإنسان للأشياء؛ فالنتيجة أن خلق الله تعالى دال على مبدع وخالق حقيقي ومصور تنحني أمامه هامات المصورين مهما بلغوا من العبقرية مع العلم أن الله تعالى كما سبق ذكره ليس عبقريا ولا يفكر لأن التفكير في حقه دوني كما قلت وهو فوق التصور لا تدركه الأبصار ولن تقدره العقول حق قدره، ويكفي حسما في حقنا أن نوقن أن الله تعالى مستغن بذاته، والمستغني بذاته يملك كل شيء، ويقدر على الإتيان بأي شيء أراده من الشيء أو من العدم دون اعتراض لأن إرادته قاهرة نافذة، وعلمه كامل وخلقه أجمل وتصويره له غاية في الإتقان والجمال.

إن العبقرية مجالها المعارف والثقافات والعلوم التجريبية.. مجالها الكون والإنسان والحياة، يظهرها نتاج التفكير المنتِج على شكل أشكال وألوان وأساليب جديدة سواء غيّرت مجرى الحياة وأشكالها وأساليبها وألوانها أو أبقت عليها، فالعبقري هو ذلك الشخص الذي يأتي بالجديد أو يبقي على ما هو موجود ولكنه يضيف إليه شيئا ما أو ينتزع منه شيئا ما، صحيح أن العبقري الحق هو ذلك الشخص الذي يغير مجرى الحياة كذلك الذي سيغير مجرى الحياة في العالم باكتشافه آليات وأساليب تجعل من الكهرباء كما الهواء في متناول الجميع وبذلك يكون صاحب الاكتشاف صانع القرن الحادي والعشرين كما كان العبقري نيكولاي تسلا صانع القرن العشرين.

وخلاصة القول في قواعد بناء العبقرية والنبوغ نضع هذه القوانين:

أولا: قانون توسيع دائرة التثقيف والتعليم.

ثانيا: قانون وضع الأهداف.

ثالثا: قانون الوصول إلى الأهداف.

ــ قانون توسيع دائرة التثقيف والتعليم

إذا أردنا أن نتقدم وبسرعة لنصير عباقرة ونوابغ فما علينا إلا أن نوسع من دائرة التفكير، والتوسيع فيها لا يتأتى إلا بالحصول على المعلومات وتحصيل المعارف والتثقيف بثقافة تُتَبَنّى إن كانت تقنع العقل وتوافق الفطرة وتملأ القلب بالطمأنينة وأخرى غيرها يُنْتفع بها، وكذلك الحصول على العلوم التجريبية قدر المستطاع وخاصة في المجال الذي يتم التفكير فيه حتى يتم إتقانه وبالتالي تحويله إلى رحم مفعم بجديد رائع وراق يستولده المفكر النابغة، ويظهره العقل العبقري.

قانون توسيع دائرة التثقيف قانون موجود في ذات الإنسان كل إنسان لأنه هبة ربانية، إنه يشبه قانون النمو في كل شيء حي، غير أن التوسيع يمكن أن يتحقق وربما لا يتحقق، فهو تحقيق للذات الإنسانية، والاستجابة له استجابة فطرية لما فطر عليه الإنسان، فالإنسان عاقل، وكونه عاقلا تحتم عليه أن يتميز عن غير العاقل، فالكون كتاب، والإنسان كتاب، والحياة كتاب، والطبيعة كتاب وكل ذرة أو هباءة كتاب، كل خلية وكل مظهر من مظاهر الوجود كتاب فما على الإنسان إلا أن يقرأه، فإذا لم يقرأ كتبه المعروضة عليه فلن يوسع من دائرة التثقيف والتعليم، ميزة الإنسان لعقله وبعقله وفي عقله، وعقله مناط إنتاج الفكر والثقافة والحضارة، عقله مؤهل للإبداع والعبقرية والنبوغ، ومناط بناء العبقرية والنبوغ هو التثقيف والتعليم، ولحسن حظ الإنسان أنه قد أهدي كتابا كبيرا للقراءة فيه هو الكون والإنسان والحياة فما عليه إلا أن يحسن قراءته.

ــ قانون وضع الأهداف.

قانون وضع الأهداف قانون يبدأ تفعليه مبكرا جدا ذلك أن الإنسان وإن كان حيوانا في مراحله الأولى وهو كذلك طول عمره إلا أنه بالنسبة لحديثنا عن السن المبكرة يبدأ بالتفكير، وهذا التفكير نراه ونلمسه في الرضيع، صحيح أن معظم إدراكاته في هذه السن هي إدراكات غريزية ولكننا نلاحظ نمو خاصية الربط عنده من أول يوم عن ولادته، صحيح أن اليوم الأول والثاني والأسبوع الأول والثاني ربما لا يكونوا لافتين لكثيرين، ولكنهم لافتون للكثيرين لأنها أوقات ينمو فيها للطفل مخه، وهذا النمو هو من بدء خلقه أو من بدء تخليقه إلى غاية 18 شهرا من عمره بحسب الباحثين والدارسين، ونحن نلاحظ في خضم هذه السن ومع النمو للمخ؛ استعمال الطفل لخاصية الربط على صغر قيمتها، والتعبير عنها يأتي من صوته بالصراخ والبكاء، فالصراخ والبكاء يعبران عن حاجة، والحاجة مطلب من صاحب الصراخ والبكاء يستجدي بهما أمه أو مربيه، كما أن حاسة الشم والسمع واللمس بارزون في هذه السن، فقد تجد رضيعا لا يسكت عن الصراخ إلا إذا شم رائحة أمه أو سمع صوتها أو وجد ملامستها، فقد يتناوله غيرها فلا يجد ريحها ويسمع صوتها ويجد ملامستها فيشرع في الصراخ إلى أن تتناوله أمه، وإذا كانت غائبة تماما بموت مثلا فإنه لا يستقر على ريح وصوت وملامسة غيرها إلا بعد حين من اليأس يجده يحس به بعضنا ولا يحس به الكثيرون، وبمجرد البدء في استعمال خاصية الربط دل ذلك على وجود عملية عقلية، أي عملية تفكيرية، ولا يقال هنا أن الرضيع لا يفكر، فهو لا يفكر فعلا، هذا صحيح ولكنني أريد لفت انتباهكم إلى حالات يحصل للطفل فيها استعمال لخاصية الربط وبذلك يحقق عنصر التفكير بها على بساطته في ذاته الفتية، والسبب في ذلك يعود إلى النمو في تواز لكل من المخ والجوارح، وهذا النمو موضعه المحيط، محيط الطفل، فمحيطه بما يحس بلمس أو شم أو ذوق أو سمع أو مشاهدة يدل على وجود حركات وأصوات، والحركات والأصوات في أصلها سلوك للكون والإنسان والحياة على نمط معين ولكنه مختلف، وهذا النمط المختلف يشكل عند الطفل معلومات حسية حركية، والمعلومات شرط من شروط التفكير، وليست هي دائما معلومات ثقافية وفكرية، بل أيضا معلومات حركية سمعية أو جوارحية، فإذا دخلت ذاكرة الصبي وبدأت تقتعد مكانها فيها مع الزيادة لها في كل لحظة؛ عندها يبدأ الطفل بسلوك دال على استعماله لتلك المعلومات الحسية السمعية والحركية، وقد لاحظت ليلة الثلاثاء 14 أكتوبر سنة: 2017م صبيا في عمر الستة شهور يسلك سلوكا لافتا دالا على خوفه وغضبه مما جرى، فقد تخاصم أبوه مع أمه إلى درجة أفسدت عليه نومه ففاق على الصداع والضجيج، فاق ليجد صوت الأم والأب عاليين من شدة الخناق وهو يعرف صوتهما بطبيعة الحال وهما ملاذه وموطن حنانه، فهدوء الدار تحول إلى بحر متلاطم الأمواج عندها بكى الصبي وصرخ بشكل دال على خوف منه وغضب وفقدان الأمان، وأؤكد ذلك عند زوال الضجيج والصداع بحيث لم يهدأ إلا على قوى خائرة من شدة البكاء ومع ذلك ظل يبكي بصوت خافت، فما حاجة الصبي هذا؟ أليس العودة إلى الهدوء والسكينة مع صوت رحيم للأم والأب حتى يستأنس بروتينه الذي تعوده ثم يهدأ تماما وكذلك كان حين حمله والده بين ذراعيه ولكنه كان أكثر هدوءا وطمأنينة حين عاد إلى أمه ووجد ريحها وصوتها وملامستها؟.

نحن هنا نريد الوقوف فقط على خاصية الربط، هذه الخاصية موجودة عند كل إنسان سوي، واستعمالها هو الذي يظهر عنصر التفكير في ذات الإنسان، فالطفل على صغره يبدأ في استعمالها مبكرا جدا باعتماده على المعلومات الحسية الحركية وهي معلومات سابقة، أي هي إحدى شروط العملية العقلية، فإذا دخل الكتّاب أو الحضانة، أو وُضع في وسط مضاف إلى وسط أبويه من شأنه إنشاء علاقات زادت تلك المعلومات وبالتالي لا حظنا نموا في الرصيد المعرفي عند الطفل وهو عينه المعلومات التي بواسطتها يربط الإنسان بواسطة خاصية الربط عنده فيحصل التفكير.

في هذه السن يستطيع الطفل أن يضع أهدافا ولكنها أهداف تناسب صغر عقله وقلة معلوماته، وقانون وضعه للأهداف يكاد ينعدم بسبب عدم استقراره على قانون معين، فهو إلى حين نضجه يغير من قوانين الأهداف بشكل لا أقول عنه أنه عشوائي، بل بشكل يتداخل فيها غيره معه فيفسد عليه العملية العقلية أو يتداخل ليدفع به إلى النضج مبكرا، ومن له صلة بيداغوجية بتعليم الأطفال وتثقيفهم يستطيع إبراز كثير من مظاهر التفكير عندهم في حواراتهم أو لعبهم، في تناولهم للأشياء والتصرف بها، في إنشاء علاقاتهم مع غيرهم من الأطفال، انظروا إن شئتم إلى لعب كرة القدم عند الأطفال ففيها تبرز العملية العقلية على صغرها فتجد طفلا بارزا يتصدر تسيير اللعب، أو تجده متصارعا مع من ينافسه في التسيير، تجد طفلا مهيمنا على الكرة يتحكم في أقرانه بسبب تملكه لها، تجد طفلة تتحكم في قريناتها اللاتي يلعبن معها بسب لُعَبٍ تملكها هي فتخاصم وترضى وتغضب في خضم اللعب، بل قد تصير الأمور إلى درجة جمع لُعَبها والذهاب بها ومنع قريناتها من اللعب بها، قد تجد طفلة منهن تروم إلى تخريب لُعَبها تعبيرا عن غضبها هي الأخرى وهكذا..

أريد أن أقول أن وضع الأهداف يكون في المراحل الأولى من عمر الإنسان، ولكننا دون تغييبها وإعطائها الأهمية التي تستحقها لسنا بصددها الآن، لأننا لا ندرسها في دراستنا هذه، بل نشير إليها ونلفت نظر الباحثين إليها حتى يفيدونا عنها، إنما أردت أن أبين أن العملية العقلية مربوطة بخاصية الربط التي تبدأ في النضوج في المراحل الأولى من عمر الطفل، وأن المعلومات السابقة التي بواسطتها يربط حتى يعقل هي تلك الحركات الحسية المسموعة والمنظورة.. وهذا بالنسبة للطفل مجال خاص يحتاج إلى دراسة أوسع لعلنا نضع له سياجا منيعا عن الهبوط الفكري والعلمي والمعرفي والحضاري..

وأما بالنسبة للكبار فقانون وضع الأهداف يحتاج إلى تثقيف وتعليم ودراسة، يحتاج إلى معلومات ومعارف وعلوم تجريبية حتى وإن لم يحصل الإلمام بها، أو حصل الإلمام بها مجرد إلمام.
إن وضع الأهداف يحتاج إلى كثير من الأمور بحسب علو الهدف وكبر حجمه وسعة إشعاعه، فهدف صغير مثل النجاح في الابتدائي غير الهدف الكبير منه كالنجاح في الإعدادي والثانوي، وليس كالأكبر منهما مثل النجاح في الدكتوراه، الهدف الصغير كإدارة شركة أو أسرة أو وزارة ليس هو كهدف إدارة الدولة ورعاية شؤون الشعب، وهدف إدارة العالم ورعاية شؤونه ليس كهدف إدارة دولة أو وزارة أو شركة..

الأهداف من حيث وضعها تكبر بكبر سعة أفق صاحبها وثقافته وطموحه وتصغر بصغرهم، ونحن في دراستنا هذه لا نروم الأهداف الصغيرة ولا نحقرها بطبيعة الحال ولكننا بصدد وضع أهداف تغير مجرى الحياة، تغير وجه العالم، تغير نمط حياة البشرية من سيئ إلى حسن ومن حسن إلى أحسن، وهذه الأهداف لا يضعها إلا العبقري ولكن قد يحققها غير العبقري، فوضع هدف إزاحة أمريكا عن قيادة العالم لأنها لا تستحق قيادة البهائم هدف كبير جدا لا يضعه إلا العظماء وهو معقول لأنه في الممكن عقلا، ولكن وضع دراسات، ورسم سياسات، وخلق أساليب للوصول إلى ذلك الهدف شيء أكبر، وهذا الكبر فيه ينعكس على العقل الذي يفكر فيها فلا يمكن إلا أن يكون عقلا كبيرا لأنه يريد تحرير العالم من ظلم أمريكا وهيمنتها لسبب بسيط هو أنها تحمل وجهة نظر فاسدة عن الكون والإنسان والحياة، وهذه الوجهة نظر الفاسدة هي عين الظلم، والظلم مقيت وجب إزالته ومحاربته دون هوادة من غير مخادعة ولا مغالطة، انظر إلى الاستعمار الحديث أمريكا، وإلى الاستعمار التقليدي أوروبا فهما منذ هيمنتهما على العالم لا ينتجان من خلال نظامهما الرأسمالي العفن سوى الظلم والاستغلال، والإنسانية أمانة فكيف تكون أمانة في أعناق الظلمة والمفسدين الذين لا أمانة لهم؟

إن لكل حضارة مكوناتها الثقافية، والحضارة الإنسانية خرافة الخرافات إذ لا يمكن أن تتوحد البشرية على وجهة نظر واحدة لأن الاختلاف طبيعي بينها، فالناس مختلفون حتما في عقل الأشياء وإدراكها بسبب اتخاذهم مكونات ثقافية مختلفة للاستناد عليها بغية جلب الحسن ودفع القبيح جلب الخير ودفع الشر جلب النافع ودفع الضار، والتصرف من أجل الجلب والدفع سلوك برز من خلال القناعات التي أضحت مقاييس، ولكن الخير المستجلب والشر المستدفع نسبيان في الحكم عليهما بين الناس، فما تراه أنت خيرا أراه أنا شرا إلا إذا كنت تعقل متأثرا بوجهة النظر الإسلامية التي أعقل بها أنا؛ عندها نتوحد في الرؤية وبالتالي تنشأ بيننا علاقة وفق ذلك التصور وما سوى ذلك لا قيمة له، وهذا لا يعني أن لا تنشأ علاقة بيننا وبين من يخالفوننا وجهة النظر، كلا، غير أن العلاقات بيننا لها خصوصية تابعة لثقافتنا وحضارتنا، كما أن العلاقة بين من يخالفوننا لها خصوصية تابعة لثقافتهم وحضارتهم، فغيرنا ممن هم من الإنسانية مثلنا (أي من الناس) لهم وجهة نظر أخرى وهذا الاختلاف طبيعي يبقى أن نديره بحكمة وعقلانية لأن كوكبنا كوكب تحتم العيش فيه لنا جميعا، والإقصاء ممنوع علينا جميعا.

وعليه فوضع الأهداف لتغيير هذه الخارطة شيء كبير جدا يحتاج إلى عباقرة يضعون التصورات الموصلة إلى تحقيقها، ومن كانت سعة علمه وخبرته وثقافته أوسع؛ حقق أكثر، ومن كانت سعة علمه مربوطة بعلم من لا يخطئ وثقافته تقنع العقل وتوافق الفطرة وتملأ القلب بالطمأنينة؛ حقق ما يجب، وفرق بين أن تحقق الكثير من الجديد ولا يكون مقنعا للعقل موافقا للفطرة يملأ القلب بالطمأنينة وهذا ما نشاهده اليوم في الغرب بقيادة العقيدة الرأسمالية والشرق بقيادة العقيدة الرأسمالية أيضا والتي لازالت ترتدي لباس الاشتراكية، أقول: فرق بين أن تحقق الكثير وبين أن تحقق الواجب الذي تعين أنه واجب من طرف الذي لا يخطئ، فما يجب هو عين الصواب لأنه منحاز للحق والحقيقة لا يركن إلى الهوى والجشع وحب الذات، بينما الكثير كثير تنتجه العقول كما تنتج الآلة ولكنها عمياء، والعقول دون الاستناد إلى الواجب لا تخدم الإنسانية ولا الكون ولا الحياة فهي أيضا عمياء..

يحتاج قانون وضع الأهداف الكبيرة إلى بُعْد نظر، يحتاج إلى رهافة حس، يحتاج إلى تثقيف وتعليم، يحتاج إلى سرعة بديهة، يحتاج إلى تثقيف بثقافة يتم تبنيها لأنها تقنع العقل وتوافق الفطرة وتملأ القلب بالطمأنينة، ويحتاج إلى ثقافة أخرى يُنْتفع بها ولا يتم تنبيها، وفرق شاسع بين الانتفاع والتبني، فالتبني يكون للقاعدة الفكرية التي تنشأ عنها قواعد أصغر منها وفروع تأتي منها وهي من جنس واحد حتى تظهر بها شخصية الإنسان، حتى تظهر بها كيفية عقله للأشياء وإدراكه لها وكيفية إشباع حاجاته العضوية وغرائزه، أعني بذلك أن يكون حامل مبدأ بشرط أن يكون المبدأ من غير الإنسان ولكنه للإنسان وهذا غير موجود في أي ثقافة غير الثقافة الإسلامية.. وأما الانتفاع فمسموح به من طرف المبدأ لأنه مبني عليه، ومعنى مبني عليه أي لا يتناقض معه، وما تناقض معه يُرْمى به إذ لا نفع فيه حتى وإن زُعِم من قصيري النظر أنه نافع، فمن يزعم ذلك يغطي على الحقيقة وبه يغش البشرية بمبدئه الوضعي العاجز الناقص المحدود المحتاج الذي يستند في وجوده إلى غيره.

صحيح أنه في عدم تبني المبدأ الإسلامي قد ظهر عباقرة في العالم كله، صحيح ذلك ولكنه ظهور في أشكال مادية وقوانين تم اكتشافها وهي موجودة مع التنكر لمن أبدعها وهو الله عزّ وجلّ إلا من طرف القليلين الذين يعترفون بوجود خالق للكون والإنسان والحياة ومع ذلك يظلون قصيري النظر ما لم يتبنوا المبدأ الإسلامي لأنه إليهم ومعني بحياتهم وسلوكهم وأنظمتهم، معني بنمط حياتهم، معني بحياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والحكم والقضاء..

وإذن فالعبقري باعتماده طريق بناء العبقرية ليس هو العبقري الذي يعتمد نفس طريق بناء العبقرية ولكنه يزيد عليها بتبنيه للمبدأ الإسلامي، وبتعبير آخر العبقري الذي يأخذ عطاء الربوبية دون عطاء الإلوهية ليس هو ذلك العبقري الذي يأخذهما معا، فالقائد العسكري والسياسي في المبدأ الإسلامي لن يتصرف مثلا كما تصرفت المجرمة أمريكا مع اليابان لو حصل معه ما حصل معهما، فاليابان قد كانت مستسلمة لانهزامها في الحرب العالمية الثانية، وكانت الأمور والترتيبات تجري بين ضباط أمريكان وضباط يابانيين من أجل إخراج وثيقة الاستسلام وشروطها، ثم بعد ذلك تم رميهم بقنبلتين ذريتين في ناكازاكي وهيروشيا ثم ادعوا أن الإلقاء كان سببا في انهزام اليابان، والعكس هو الصحيح ولا غرابة، فالعقلية الإجرامية لأمريكا كانت متعطشة لتجريب السلاح النووي لأول في الناس فجرّبته في اليابانيين، كما جرّبت الكثير من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية في الناس سرا وجهرا بعد ذلك، ولن ننسى الأجنة المشوهة في أرحام النساء والمواليد المشوهة بسبب اليورانيوم المُنَضَّب الذي استعمله جنودها الجبناء في العراق واللائحة في الإجرام طويلة.. فاليابان قد كانت منهزمة فعلا واستسلمت عمليا واجتمع كما قلت ضباط من أمريكا واليابان من أجل توقيع وثيقة الاستسلام ومع ذلك تم رميهم بالسلاح النووي ليدل ذلك على أن أمريكا وإن بزّت في العبقرية غيرها باختراع السلاح النووي إلا أنها ليست في مستوى العبقرية التي لن تستعمله لو استسلم عدوها لها لأنها تسعى إلى إحياء الناس وليس إماتتهم في حروبها، تسعى إلى إزاحة الطغاة والجبابرة وتحرير الشعوب والأمم من ظلمهم وطغيانهم.

قانون الوصول إلى الأهداف.

قانون الوصول إلى الأهداف قانون يتعلق بالتفاصيل، قانون يتعلق بدقائق الأمور، قانون لا يتحقق إلا إذا اشتركت فيه الجماعة، فالتفكير فردي فقط ولكن العمل فردي وجماعي، فالقانون الموضوع من أجل الوصول إلى الأهداف يحتاج إلى عمل، والعمل عمل الفرد، ولكنه في عظائم الأمور لا بد من إشراك الجماعة فيه، لا بد من تكاتف الجهود من طرف الشعوب والأمم حتى يتحقق الهدف الذي تم وضع قانون للوصول إليه.

وقبل التطرق إلى بعض التفاصيل للأمثلة عليه دعونا نتصور قانون الوصول إلى الأهداف.
معلوم أن الهدف لا يمكن أن يوضع إلا إذا تم التفكير فيه، والتفكير كما قلت عمل الفرد وليس عمل الجماعة، فالفرد لا يفكر بالجماعة، بمعنى لا تكون الجماعة سببا في إنشاء تفكيره، يفكر بها فعلا أي يفكر بسببها من أجل عمل شيء لها، وكلما اجتمع الناس قل عندهم التفكير، صحيح أن الجماعة تفكر ولكن بأفرادها كلٌّ على حِدَة، ولكنهم عند اجتماعهم يقل عندهم التفكير، ومعلوم أيضا أن العمل المجدي لا بد أن يكون من أجل غاية، من أجل هدف، ونحن قد تجاوزنا مرحلة التفكير حين استقر أمرنا على قاعدة فكرية عظمية نتخذها أساسا لبناء الفكر عليها وإخراج التصورات منها، وفات معنا الحديث عن قانون توسيع دائرة التثقيف وقانون وضع الأهداف، فوضع الأهداف لا يتأتى عند العبقري إلا بناء على أرضية فكرية وحضارية، على أرضية ثقافية ومعرفية، على أرضية علمية تجريبية وأرضية معبأة بالخبرة الإنسانية..

إن هناك قوانين طبيعية وقوانين غير طبيعية، فالقوانين غير الطبيعية هي تلك القوانين التي يضعها الإنسان للآلة مثلا، فالآلة عند نصبها على شكل معين وضبطها على إيقاع معين وتهيئتها لحركة معينة تسلك نفس المسلك الذي وضعه لها مهندسها، فهو بذلك قد وضع لها قانونا لا يمكن أن تحيد عنه لأنه لا إرادة لها في التمرد عليه وهذا الذي وضعه هو القانون غير الطبيعي في تقديرنا، قس على ذلك جميع الحركات التي تأتي من مخترعات إنسانية قد اخترعها الإنسان وضبطها كالسيارة والطيارة والباخرة والصاروخ الخ ..

وأما القانون الطبيعي فهو القانون المفطور عليه الإنسان، القانون المفطور عليه الكون، فقوانين الكون والإنسان والحياة لا دخل له بها من حيث وجودها وإنشاؤها وهو يجد نفسه خاضعا لها؛ هذه القوانين هي القوانين الطبيعية، وهي هامة جدا من حيث التنبه لها أولا، ثم من حيث الاعتماد عليها ثانيا، التنبه لها يتأتى بالوعي عليها، والاعتماد عليها يتأتى من حيث عدم مخالفتها، ألم نقل أن العاقل لا يفكر في المستحيل؟

وعليه فالسلوك الإنساني يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قوانين الكون والإنسان والحياة إذا أراد أن يضع لإبداعه قوانين، وهناك قوانين كفت الإنسان عناء البحث عنها والدراسة من أجل تحصيلها مثال ذلك سلوك الإنسان وسلوك المجتمع في التصور المعرفي، أي في غير العلوم التجريبية.
فالعبقري المنظِّر والمفكّر والمربّي حين يريد تغيير سلوك الإنسان الإجرامي لا يعتمد القوة من أجل إيقاف الإجرام، صحيح أن القوة لا بد منها لردع الإجرام وإيقافه ووضع حد له، ولكن ذلك يتأتى بالقوة ولا يتأتى بالإقناع، فالمجرم مجرم حين يكون حرا وحين يكون في الأسر، وهذا السلوك لا يسلكه العبقري لأنه لا يعمد إلى تغيير سلوك دون أن يعرف كيفية نشوئه، فحين يعرف كيفية نشوئه يعمد إلى وضع حد له بغير القوة، بل بالطريق الذي يعي عليه في الوصول إلى تغيير السلوك الإجرامي للمجرم، لأن الإجرام سلوك نشأ بقانون فوجب أن يتغير وفق قانون، وإذا لم ينجح فالتغيير لا يتحقق ولو بقوة القانون بل يمنع مؤقتا وبشروط القوة على القيام به مرة أخرى أو عدمه.

إن الفرد والإنسان يسلك في حياته وفق مفاهيمه عما يريد إبراز سلوك بشأنه، وهذا السلوك من منطلق تلك المفاهيم هو الذي يكيّف سلوكه في حياته، فقناعاته مثلا عن شيء لا يحبه يجعله يتجنبه، فإذا كان مصلحة تنشأ بحسبها علاقات وكان حكمه القيمي عليها أنها ليست مصلحة؛ لا يسعى إلى إنشاء علاقة بشأنها لأنه لا يحب ذلك الشيء، بمعنى أنه مصلحة لغيره ينشئ بها علاقة مع من يملك نفس النظرة ولكنها ليست مصلحة له هو ولا لمن يملك نفس نظرته لها فلا تنشأ علاقة بينهما بسببها لأنها ليست مصلحة في نظرهما وإن كانت مصلحة في نظر غيرهما، وإذا كانت لديه أحكام جاهزة قد شكلت قناعات حتى أضحت مقاييس فإنه يكيف سلوكه وفق تلك المقاييس لأنه مقتنع بها، ففي الحياة الاجتماعية التي تنظم علاقة الرجل بالمرأة وما ينشأ عنها من أبوة وأمومة وجدودة وعمومة وخؤولة وحفادة وصهرة وغيرها فإنه لا يتزوج مشركة أو ملحدة لأنها لا تشكل حاجة لإنشاء علاقة اجتماعية معه لأنها ظالمة ظلما لا يغتفر وهو الشرك بالله والإلحاد، إذ كيف يعقل لإنسان يعيش في أرض الله وتحت سماء الله ويأكل ويشرب من رزق الله ثم يظلم نفسه وغيره حين ينكر نعمه وفضله عليه بإنكار وجوده أو الإشراك به، فأكبر الظلم الشرك بالله.

الإسلام قد حَرّم الزواج من مشركة قال تعالى: ((وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) البقرة، وصاحبنا يكيف سلوكه في الحياة وفق الأحكام الشرعية التي هي مفاهيم قد اقتنع بها بعدما آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، فلا يحب إلا من أحب الله وما أحب الله، ولا يكره إلا من كره الله وما كره الله، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) البقرة،

وقال تعالى: ((لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)) الروم، وقال تعالى: ((مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)) البقرة، وقال تعالى: ((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) آل عمران.

وفي الحياة الاجتماعية أيضا لا يُزوِّج ابنته أو أخته أو أمه لكافر سواء كان من أهل الكتاب وهم كفار بطبيعة الحال ولو كره الكارهون قال تعالى: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)) (1) البينة، أو من غيرهم من الملاحدة الماركسيين والمشركين البوذيين أو غيرهم ممن لا يؤمنون بالإسلام أو يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض كالمنافقين الشيعة الاثني عشريين في قولهم بتحريف القرآن الكريم والزيادة فيه والنقص منه، لا تنشأ علاقة اجتماعية بين ابنته وهذه الأصناف لأن مفاهيمه عنهم لا توجب إنشاء علاقة اجتماعية بهم ولكنها لا تنفي إنشاء علاقات اقتصادية وسياسية وغيرها معهم، والسبب في ذلك هي مفاهيمه، فالمفاهيم إذن هي التي تحدد سلوك الإنسان، فإذا أريد للإنسان أن يتغير في سلوكه فما علينا إلا أن نسلط جهدنا على الأفكار والمفاهيم، فإذا استطعنا تغيير أفكاره ومفاهيمه وتحولت إلى قناعات ومقاييس فالنتيجة تغيير سلوكه من تلقاء نفسه لأن السلوك يأتي من قناعاته بتلك المفاهيم التي صارت مقاييس..

هذا في المثال على الفرد، أما المثال على المجتمع فالإنسان عند السير من أجل تغيير المجتمع يسلك القوانين الطبيعية حتى يتأتى له التغيير، لأن الإنسان ليس آلة كسائر الآلات، صحيح أنه من جهة آلة يستطيع الإنسان التلاعب بها والتصرف فيها وإصلاحها أو تخريبها ولكنه في كل الأحوال عاجز عن إخراجها عما خلقت لأجله، انظر إلى الحديد مثلا وشكِّل منه ما شئت فإنك تستطيع تذويبه من جديد واستخراج أشكال أخرى غير التي كانت له في السابق، والإنسان ليس كالحديد، وبناؤه ليس كبناء الحديد وإن كان كل منهما في أصله ذرات، غير أن مادة تركيب الإنسان وإن كانت هي نفسها مادة تركيب الحديد إلا أن الإنسان وهو كائن حي يحيا وفق تفاعلات حيوية للخلية، فحياته البيولوجية هي ذلك التفاعل الحيوي للخلايا، وبهذه الذات يستطيع التصرف في ذاته وفي الحديد أيضا، بينما الحديد لا يستطيع التصرف في ذاته ولا في الإنسان وإن كانا خاضعين للقوانين الطبيعية، والإنسان هنا كالحديد كلاهما يخضع للقوانين الطبيعية غير أن للإنسان مجال آخر ليس للحديد ولا لأي جماد آخر، مجاله التصرف العقلي، انظر إن شئت إلى جزيئات الحديد فطبيعتها أنها لا تتحرك في اتجاه واحد ولكننا إذا سلطنا عليها المغناطيس تبدلت حركة جزئياته واتخذت لنفسها اتجاها واحدا هو اتجاه جزيئات المغناطيس لأن جزئيات المغناطيس لا تعرف إلا اتجاها واحدا إما إلى الشمال أو إلى الجنوب خلاف الإنسان، فالإنسان لا يتبدل سلوكه أو يتغير إلا بعامل الفكر والثقافة علما بأن سلوكه يأتي من جوارح محكومة طبيعيا كما الحديد والمغناطيس محكومان غير أن ذلك في حق الإنسان متجاوَزٌ بإرادته التي له، فلا يتصرف إلا وفق أفكاره ومفاهيمه وتأتي الجوارح متحركة تبعا لتلك المفاهيم، صحيح أن حركة كليتيه وقلبه وكبده وكثير من أعضائه ليست من إرادته، ولكن غيرها كالجوارح وإن كانت ليست من إرادته هي الأخرى من حيث ارتباطها بالجهاز العصبي والمخ إلا أنها لا تتحرك حركة الكليتين والقلب والكبد، بل تتحرك وفق أوامر صادرة لها من الإنسان ذاته، وهذا هو الأروع في خلق الله تعالى، شيء منك لا تستطيع تحريكه بإرادتك، وشيء منك قد سُخِّر ليتحرك وفق إرادتك، وإن شئتم اليقين فانظروا إلى مشلول اليدين، هل يريد تحريكهما؟ الجواب نعم، فلم لا يتحركان؟ لأن أوامره لهما قد حيل بينها وبين الاستجابة بسبب فقدان التواصل بين مخه وأعصابه وبينها، أو لأنهما غير مؤهلتين للحركة بعطل أو آخر، فكان ما يملك الإنسان في حقيقته ليس ملكا له، وانظروا إن شئتم أيضا لنفس الجوارح يوم القيامة حين تشهد على الإنسان، كيف تشهد عليه؟ تشهد عليه على غير إرادته في الوقت الذي يفقد سلطانه عليها.

إن تغيير سلوك المجتمع والجماعة يتأتى بنفس القوانين التي يتغير بها سلوك الفرد، غير أن المجتمع ما دام علاقات دائمية بين الناس يتبادلون المصالح بينهم وفق مفاهيم سائدة في المجتمع يتغير بنفس الآليات ولكن بشكل صعب غير أنه غير مستحيل، والذي يسعى إلى تغيير المجتمع ليس الفرد، بل الجماعة؛ في كتلة، لأن الحاجة ماسة إلى الأعمال، والأعمال المادية للجماعة ينتجها الفرد والجماعة إلا أن الجماعة هنا أقدر على القيام بالأعمال من الفرد، فالتكتل على نظرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، على مبدأ يتم تبنيه وإتقان الدعوة إليه يؤهله لمخاطبة المجتمع مخاطبة فكرية من خلالها يتم زعزعة القناعات والمقاييس والمفاهيم السائدة في المجتمع وإعطاء بديل لها أحسن منها، ومن خلالها تُنْتَهج سياسة تتجلى في رعايته للشؤون دون مجاملة أو نفاق مع الصرامة في تقديم الفكر كما هو دون إدخال ما يرضي المجتمع عليه مصاحبا لحسن الأداء وصفاء السريرة وصدق اللهجة، يعمد التكتل الحزبي إلى الصراع الفكري والكفاح السياسي، فإن نجح في إيجاد رأي عام لمبدئه وآمن به من بهم يقام مجتمع جديد من أهل القوة والمنعة أو من غيرهم؛ يقام المجتمع الجديد بشكل طبيعي وفق القوانين الطبيعية ويكون الأرقى لأنه يكون مبدأ جديدا قد حول سلوك الناس الذين كانوا في المجتمع المنقرض من السلوك القديم المنحط إلى سلوك جديد ناهض أحسن وأرقى من السلوك القديم، وبه يتغير المجتمع بشكل طبيعي، يتغير سلوك الناس نفس الناس، لا يتغير بانقلابات لأنها تكون فاشلة، الانقلابات التي يأتي بها التكتل انقلابات في الفكر والمفهوم، في الثقافة والحضارة، في المعارف والعلوم وبه تتحقق النهضة الحقيقية بذلك التغيير المستهدف.

لقد تصورنا أمورا ربما تكون كافية لإدراك قانون الوصول إلى الهدف أيّ هدف ما لم يكن غير معقول، ولأضرب مثلا على ذلك:

المثال هو أني أريد أن أنتقل إلى مكان بعيد بوسيلة نقل غير حية أي بغير البهائم، ولا أقول غير تقليدية، فالسيارة قريبا ستضحى وسيلة نقل تقليدية بما فيها تلك التي تسير بمحركات كهربائية حين تطغى، هذا إذن هو الهدف، الهدف هو التنقل من مكان إلى آخر، تبقى تفاصيل تحقيقه، فجاء القطار بدون عجلة قيادة لأنه يسير في اتجاهين اثنين فقط إلى الأمام وإلى الخلف ويسير في سكة لا بد منها لأنه يمتطي الحديد ولا يمتطي الريح كالطائرة، وله نظام للسير محكوم بالقضبان الحديدية وله نظام للإيقاف (فرملة) في الاتجاهين، وعليه فقانون الوصول إلى الهدف الذي تحدد وهو الوصول إلى مكان معين إلى مدينة معينة هو الالتزام بالسير على القضبان الحديدية بقوة دفع بخارية أو كهربائية مع أنظمة له تم ذكرها، والقطار هو الآلة التي تجمع تلك الأنظمة بما فيها الركاب لأنهم جزء من النظام العام للقطار، وإذا أريد لهم ألا يكونوا جزءا منه فالأصل أن يكون الهدف لغيرهم وليس لهم ولكن الهدف الثاني قد جاء في سياق الهدف الأول لأن الإنسان يفكر في مصلحته أولا، ويتجاوز مصلحته إلى الكون والإنسان والحياة، تتجاوز مصلحته من البهائم للركوب والزينة إلى الركوب بوسائل أخرى واستعمالها لنقل البضائع.. وعليه فالوصول إلى الهدف يتأتى بتلك التفاصيل التي سقتها وهي من إبداع عبقري أو عباقرة اشتركوا في الاختراع أو استفادوا من بعضهم البعض أو بنوا معلومات على معلومات بعضهم البعض إلى أن حصل هذا الاختراع.

وإذا أخذنا السيارة سنجد أنها تتحرك في أربع اتجاهات ولها أنظمة خاصة بها وهي مصنوعة لنفس الهدف الذي صنع من أجله القطار وينطبق عليها ما ينطبق على القطار مع اختلاف معلوم بينهما.
وإذا أخذنا الطائرة المروحية نجدها وسيلة نقل ووسيلة حرب، وبتعبير آخر كل اكتشاف يمكن صرفه عن حقيقة هدفه، أي يمكن إضافة أهداف أخرى له غير التي وجدت مبدأ من أجله، فالمروحية للنقل وللحرب، فالنقل والحرب هدفان، وحركتها مقصودة لمن أرادها، تبقى تفاصيل حدوث الحركة من أجل الوصول إلى الهدف وهو القانون الذي نتحدث عنه، وعند النظر إلى تفاصيل تحقيق الهدف وهي قوانين للوصول إلى الهدف نجدها حركة في خمس اتجاهات خلاف غيرها من الطائرات وخلاف السيارات والقطارات والبواخر، حركة للأمام والخلف، حركة للأعلى والأسفل، حركة للدوران حول محورها في الجو، حركة بقاءها مكانها محلقة، وجود مقوض للقيادة بدل العجلة على شكل عصا الألعاب يحركها للأمام والخلف ولليمين واليسار، ولها دواستين للتحكم في حركة ذيل الطائرة والعجلات..

هذه التفاصيل هي لتحقيق هدف التنقل والحرب، كلاهما أو أحدهما، وإذا أريد لها المزيد فالمزيد لا يزاد إلا بوجود هدف آخر لها، انظر إن شئت إلى الطائرات الحربية غير العمودية ففيها القاذفة وفيها المقنبلة وفيها المعترضة وفيها ما يجمع عدة اختصاصات وكل تلك الاختصاصات عبارة عن أهداف وضعت لها زيادة عن الهدف الأصلي الذي صنعت من أجله، أو يكون جمع تلك التخصصات هو الهدف من تصنيعها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القراءة البادية للإبداع

القراءة البادية للإبداع، أو القراءة البادئة للإبداع، أو الإبداع المبني على الإبداع دراسة أجناسية ونوع جديد قديم للإبداع، غير أنه هنا في دراستنا هذه يراد له المشابهة في التجنيس ولو من باب دلالة الاسم على المسمى.

لقد رأيتني محصورا بين ما بدا لي وبين آية من القرآن الكريم جاء فيها لفظ "بادِيَ"، فقد جاء في الآية: 27 من سورة هود قول الله عز وجل: ((فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ))، هذه الآية الكريمة التي هي آية في الرقي البلاغي والبياني ورد فيها لفظ "باديَ الرأي" وبَادِيَ الرَّأْيِ بمعنى ظاهر الرأي ومبتدأه، وبدا لي أن أفعل كذا معناها ظهر لي رأي غير الرأي الأول، والاحتجاج للسطحيين الذين حقروا أتباع نبي الله نوح مغالطة لأنهم يتهمونهم باتباع نبي الله بادي الرأي، أي تبعوه حين ابتدؤوا ينظرون ولو أمعنوا النظر كما يزعمون لما تبعوا نوحا، يريدون أن يثبتوا لأنفسهم صفة التفكير العميق والعقل الرصين وهم أرذل الناس وأسفههم، ذلك أن الحق صحيح في نفسه ولا يعاب على من اتَّبَعه أن يكون فقيرا ومن غير عِلْية القوم وأغنيائهم، وعليه فبادي الرأي هنا في دراستنا هذه معناها أول الرأي، والقراءة البادية؛ من الظهور، حتى إن البادية سميت بادية لظهورها وانكشافها، وهذه القراءة من مفهوم الموافقة، أي هي فحوى الخطاب، وتنبيه الخطاب، أو معنى الخطاب، كما قد يكون بادي الرأي من مفهوم المخالفة، ولكي نزيد الأمر وضوحا حتى ينجلي المعنى المسكوت عنه الذي يأتي به فاعل القراءة البادية للإبداع في اللفظ المنطوق به من طرف المبدع الأول نسوق ما يلي:

إن ما يُفْهم من مدلول اللفظ من معان وأحكام يكون موافقا لما فُهِم من اللفظ نفسه، وهذا هو مفهوم الموافقة، وهو في الإبداع هنا يكون ما دل عليه اللفظ من المبدع الأول موافقا لما دل عليه فهم معناه للمبدع للقراءة البادئة للإبداع، وهذه الموافقة لا ضرورة أن تحصر في الوضع اللغوي لأن المراد إبداع مبني على إبداع ولكن في ركاب الخيال، صحيح أنه يتم الربط بين اللفظ والمعنى في مفهوم الموافقة ولكنه هنا في المسكوت عنه ربما لا يكون كذلك، أي أنك إذا بحثت عن المسكوت عنه في اللفظ المنطوق فقد لا تجده ولكنك تجد خيالا يمثل إبداعا جديدا قد ركب اللفظ المنطوق وجاء بالمعنى غير المسكوت عنه، جاء به دون أن تجد سبيلا إلى إزاحته من ركابه لأنه قد بُنِيَ عليه، ومعنى بُنِيَ عليه أي لم يكن مناقضا له أو مُخِلاًّ بشيء من بنائه وتركيبه، وعليه فمفهوم الموافقة وإن أتى بمعان وأحكام في الفكر والتشريع مثلا غير أنه هنا في الأدب والإبداع لا ينحو نفس النحو مع أنه من اللغة ومن مفهوم الموافقة تماما وقد ينحو، وقبل أن أعطي مثالا على ذلك أسوق مفهوم الموافقة في مجال التشريع الإسلامي والفهم الفقهي، فقد قال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )) (24) الإسراء، هذه الآية ورد فيها مفهوم الموافقة، أي ورد فيها مدلول مسكوت عنه في المدلول محلّ النطق به، فقوله تعالى: "فلا تقل لهما أفّ" يدل على تحريم التأفيف لما فيه من أذى يلحق بالوالدين، والأذى أذى معنوي، وما هو أشد منه أذى في المعنوي كالشتم، والجسدي كالضرب؛ مُحرَّم أيضا، ولكن تحريمه جاء في المعنى المسكوت عنه وهو مراد بطبيعية الحال، وهذا كله مستفاد من تركيب الآية أو الجملة أو الفقرة أو النص، كل ذلك اسْتُفيد من التركيب، فالتأفيف لا يدل على تحريم الضرب الذي هو من أشد الأذى وهكذا.

وكمثال على مفهوم الموافقة في كلام الناس أسوق قول الشاعر شوقي:

وما اسْتَعْصى على قوم مَنـالٌ......إذا الإِقْدام كان لهم ركابـــــا

أبا الزّهْراء قد جاوزت قـدْري......بمدحك بَيْدَ أنّ ليَ انْتسابا

فما عرف البلاغة ذو بيــــــــــان......إذا لــم يـتـّخـذْك لـــه كتــابـــــــــا

تناوُل أبيات أمير الشعراء أحمد شوقي هذه من منظور القراءة البادئة للإبداع وقد تناولته من قبل ولكن من غير القراءة البادئة للإبداع؛ يسوقني إلى تقمُّص شخصية المبدع للقراءة البادئة للإبداع فأقول:

لا شيء، لم أستطع قول شيء فقد انغلق علي الفهم، ووجدتني عند جميع أبواب الإبداع محاولا اقتحامها ولكنها جميعها صارت في وجهي مؤصدة، وهنا أسجل أن القراءة البادئة للإبداع كغيرها من الإبداعات الحقيقية تتنافى مع التوقيت ولا تقبل الإبداع تحت الطلب، تحتاج إلى سيلان معرفي مع حضور البديهة، وقد حضرت المعرفة ولكنها ظلت خامدة تحتاج إلى محرك يحركها وقد غاب عني لحظتها، وتحتاج إلى بديهة غابت عني هي الأخرى، والبديهة المقصودة هنا ليست بمعنى المفاجأة ولا الإجابة من غير تفكر، ولا هي من قبيل البدائه، أي إدراك الأشياء وفهمها من دون رَوِيّة، بل البديهة المقصودة هي السرعة في الإدراك للمعنى، والسرعة في إنتاج المعنى من المعنى، أي سرعة بناء المعنى على المعنى، أو سرعة الفهم وسرعة الحكم، وحضور السيلان المعرفي مع حضور البديهة وإشعال فتيل الإبداع يوصلون المبدع إلى القراءة البادئة للإبداع، ولكنني لم أصل، وحين أعود إلى نفس النصوص فسوف أخبرك حضرة القارئ المحترم بتفاصيل عنها.

إنه حين إرادتي فعل القراءة البادئة للإبداع سقت إبداعا لحسابي مسجلا في حاسوبي لإسقاطه على أبيات شوقي، والإسقاط كما ظهر لي ممكن وسيطرب القارئ والسامع ولكنه إسقاط نصٍّ تم التفكير فيه بناء على نص آخر، إسقاط نص مورست بحقه القراءة البادئة للإبداع على نص آخر، وهذا لافت ويمكن البناء عليه مادام الأمر خيالا في خيال تكفي فيه الحبْكة الجيّدة والتأثيث المُتْقن للنصوص غير أني لم أفعل، ولذلك تركت الأمر للقراءة البادية للإبداع إلى وقت لاحق، وإذا وجد من يفعل ذلك، أي يُسْقط قراءة سابقة على نص لاحق فإنه لن يكون ممارسا للقراءة البادية للإبداع ذلك أن القراءة البادية للإبداع تتطلب الارْتِجال، والنص الذي يكون بين يديك لن تأتي به ارتجالا، وبه لن تحقق القراءة البادية للإبداع، قد تحقق قراءة أخرى لم أعمل عقلي فيها بعد، ربما تناولتها لاحقا وسبرت أغوارها لاستنتاج ما يمكن استنتاجه، ربما.

لله درّ الرِّكاب الذي أقلّ عقل الشاعر حتى تراءى له الكون كله، ثم وقف فيه على جوهرته.

لله درّ شوقي وقد أهان الخطوب في وجه الإِقْدام لمن كان العزّ مناله.

لقد سما الشاعر فلم يعد يرى إلا الشموخ وهو مُتَوَّج بتاج النبوة.

تجاوز المبدع بقصيدته قَدْره في مدح جوهرة الكون ولؤلؤة السماء، يعتذر إليه وهو آخذ بيد كريمة منتسبا إليها ومعلنا حقيقة مزدوجة وجدها في إبداعه، وجد نفسية منفعلة لأنبل نفس وأزكى روح، ووجد ركابا لغويا أبى إلا أن يتخذه كتابا، فما أجمل ما ساقه بحقّ الرّحْمة المِهْداة أبي الزهراء صلى الله عليه وسلم.

ها قد عدت، وإليك حضرة القارئ المحترم تفاصيل ما قادني إلى ما أبدعت في القراءة البادية للإبداع، فقد غيرت وضعي تماما وانشغلت بأمور في بيتي أبعدتني نهائيا عن مجال الكتابة والقراءة، وأنا أدور وأطل من نافذتي ببال مشغول وخيال مرفرف لا قرار له هرعت إلى حاسوبي وشرعت أكتب مباشرة وأنا متقمص شخصية المبدع للقراءة البادئة للإبداع دون مراعاة للترتيب في الدراسة، فكان ما هو بين يديك عن أبيات شوقي رحمه الله من القراءة البادئة للإبداع، وكان الترتيب الذي ظهر دون مقدمات غير مخلّ ببناء الدراسة.

وبما أن القراءة البادئة للإبداع تكون من مفهوم الموافقة؛ تكون كذلك وكما قلت من مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة هو ما يكون مدلول اللفظ في محلّ السكوت مخالفا لمدلوله في محلّ النطق، أي أن ما يُفْهم من معان وأحكام مخالفا لما فُهِم من اللفظ نفسه، فالمعنى اللازم لمدلول اللفظ إذا خالف ذلك المدلول كان ذلك مفهوم المخالفة وهو ما يسمى دليل الخطاب ولحن الخطاب وذلك كمفهوم الشرط الذي يعلق الحكم والمعنى على الشيء بكلمة "إن" أو غيرها من الشروط اللغوية، ومفهوم الغاية الذي يعلق الحكم والمعنى بغاية، ومفهوم العدد الذي يعلق الحكم والمعنى بعدد، ومفهوم الصفة الذي يعلق الحكم والمعنى بصفة من الصفات، فمفهوم المخالفة محصور في هذه الأصناف الأربعة لا يتعداها إلى غيرها كمفهوم الجنس والاسم..

هذه الأمور غاية في الإبداع لمن أدرك باعها وارتقى إلى مستواها، ونحن هنا ندندن حولها حتى لا نجهلها تماما.

هذا النوع من الإبداع نراه في المبدعين الذين يتناولون النصوص بشكل عفوي لا معلومات سابقة لهم عنه، صحيح أن الإنسان لا يستطيع إحداث العملية العقلية دون معلومات سابقة لأنها من شروط التفكير غير أن الأمر هنا لا يخلو من معلومات سابقة ولكنها معلومات شخصية تعتبر خلفية لفهم النص وإحداث قراءة بادئة له، وهذا يعود إلى الرصيد المعرفي الذي يمتلكه المبدع للقراءة البادئة للإبداع مثل اللغة التي سيعبر بها عن الصور العفوية التي تظهر له حين يبدأ في القراءة البادئة للنص، فقد يستمعون إلى مطربين، وقد يستمعون إلى موسيقى من عازفين، وقد يستمعون إلى نصوص إبداعية من مبدعين ولكن هذا التناول منهم لما يتناولون يكون باديا أول الأمر، أي يكون رأيا أوليا أو انطباعا أوليا أو استنتاجا أوليا غير مسبوق بعميق فكر ولا بكثير النظر حتى إنك تجد المنصت والمستمع والقارئ تنفلت منه أشياء كثيرة من إيقاعات ونصوص ولا يتناول إلا بعضها حين يتحدث عنها، وهذا طبيعي وفيه تفاوت بين المبدعين للقراءة البادئة للإبداع، ومن القراءات البادئة للإبداع قراءة بادئة للموسيقى سواء كانت معزوفة تدخل الآذان، أو مكتوبة تُقرئ من طرف العالم بالصولفيج فيهتز لها ولو أنه لم يعزفها أو يستمع إليها بحيث يستطيع المبدع هنا العبقري بطبيعة الحال أن يطرب للرموز الموسيقية ويستمع إلى إيقاعاتها في ركن ما داخل سمعه دون أن يتناول آلة عزف أو يستمع إليها من عازف، والسبب في ذلك يعود إلى معرفته بالرموز الموسيقية كرمز الدائرة والبيضاء والسوداء وذات السن الواحدة وذات السنين والثلاثة والأربعة ورموز الصمت كالسوبير ونصف السوبير.. وهو هنا مثل العارف باللغة الأدبية التي يتم التعبير بواسطتها، ذلك أن التفاوت في الإنصات والتفاوت في الاستذكار والتفاوت في استدعاء الصور التعبيرية والبناء عليها حتى يظهر البناء الجمالي للعمل الإبداعي المزدوج من المبدع للنص المقروء أو المسموع والمبدع للنص في القراءة البادئة للإبداع؛ كل ذلك يحتاج إلى فوران نفسي آني يضغط على ملكة الإبداع لمبدع القراءة البادئة للإبداع وهو جهد لا تظهر قيمته الإبداعية إلا في شخص المبدع، والمبدع هنا ممارس للتفكير من زاوية مخاطبة الشعور، فإذا أضاف إلى مخاطبة الشعور شيئا من مخاطبة العقل أظل الفكر والمعرفة بظلال الأدب فظهرت على يديه غاية في الجمال، وآية في الكمال.

هذا النوع من الإبداع معروف وممارس بشكل عفوي ولكنه غير مقصود، وإذا قصد كأن يجلس الأب مثلا مع أبنائه وهو يريد معرفة نضج أبنائه فيطلب منهم قراءة شيء مما كتبوه، وحين أقول مما كتبوه معنى ذلك أنهم أبدعوه بصرف النظر عن حمولته القيمية، فالإبداع حاضر لأن التعبير قد ظهر وهو دال على العملية العقلية، فإذا أتقن أحدهم نصه وتفاعل معه الوالد بحيث علق عليه أو أبدى رأيه فيه عندها يكون الوالد قد مارس القراءة البادئة للإبداع ذلك أنه قد استمع إلى عبارات أو قرأ نصوصا، ثم أبدى رأيه فيها، وإبداء الرأي هنا لا يختلف عن إبداء الرأي لدى الناقد للفنون الجميلة والنصوص الأدبية والنصوص الموسيقية.. غير أننا بصدد تخريج نوع متميز من القراءة البادئة للإبداع مستقلة عما تمت الإشارة إليه ولو أنه الأول والقراءة البادئة منه وإليه، أقول هذا حتى لا ننحوا نحو الناقد، لأن الناقد يحتاج إلى قراءات متعددة للنص حتى يطلع علينا بنقد قيمي للنص وهو هنا وإن بدأ بالقراءة البادئة للإبداع إلا أنه لم يقف عندها، ولم يبن عليها نصوصه وبذلك نخرجه من دائرة الناقد فنجعل منه مبدعا ثانيا قد أبدع بناء على نص قرأه أو استمع إليه مرة واحدة أو مرتين، وإذا تكرر السماع وتجاوز المرتين نحا نحو النقد وهو ما لا نريد الذهاب إليه، نريد الإبداع الذي يُبْنى على الإبداع، هذا النوع من الإبداع ينجح فيه المبدع للأدب لأن الأدب يعتمد على الخيال، والإنسان متخيِّل بامتياز فكان المجال للمناورة واسعا جدا، وكانت الصور الجمالية حاجبة أفق المبدعين الحقيقيين فلا تعوزهم صورة قديمة لتحميضها تقليديا، ولا صورة جديدة لالتقاطها حتى تظهر معالمها الجمالية، لا تعوزهم صورة تقليدية لتحميضها ولا صورة حديثة ملتقطة من آلات وأجهزة غاية في الدقة والصفاء ولكنها لن تكون أحسن من صور جهاز مُخَيِّلته.

إن القراءة البادية للإبداع عمل عقلي وانفعال عاطفي يمارسها المبدع المُبْتَدِه، يمارسها المرتجل لها بمجرد أن ينهي المبدع الأول قراءة نصه، أو بمجرد أن ينهي هو قراءته أو سماعه للنص، ففي تلك الممارسة وبقراءة عابرة مرة أو مرتين سواء تحقق فيها العمق أم لم يتحقق؛ تتحقق القراءة البادية للإبداع ويكون المبدع لها في مستوى من الإبداع بقدر ما يتقن من بناء المعنى على المعنى والنص على النص.

هذه خلاصة دراسة استنتجتها من تجربة لم أكن لأعي عليها لولا مبادرة جمعية أقلام مغربية، فقد استدعتني الجمعية لحضور نشاط ثقافي في مركز محمد السادس للأعمال الاجتماعية بطنجة في شهر فبراير سنة: 2017م واقترحتني قَيِّماً على نصوص المبدعين أنظر فيها وأقوِّمها، وقد مارست الارتجال عند نهاية كل مبدع لقراءة إبداعه من شعر وقصة، وكنت حينها ممارسا للقراءة البادية للإبداع دون أن أكون واعيا عليها وعالما بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

نداء حار إلى المخترعين أحرار العالم

 

هذا النداء نداء الحيطة والحذر من القتل والاغتيال.

هذا النداء من القلب إلى القلب.

هذا النداء من المسلم إلى أخيه المسلم، من المتحرِّر من التبعية إلا لله ورسوله إلى من آمل أن يكون متحرِّراً مثلي.

هذا النداء من حرّ أبيّ إلى مثله في الإباء من جنس الإنسان، إليك أنادي هذا النداء، إلى كل من يرفض الظلم وينتصر للمظلوم، إليكم جميعا أنادي هذا النداء.

تعلم عزيزي أن المخترعين في البلاد العربية والبلاد الإسلامية مستهدفون بالقتل إذا لم يعملوا لصالح الأعداء، مستهدفون بالقتل وسرقة مخترعاتهم إذا كان الاختراع فيه عز لأمة الإسلام ولدين محمد صلى الله عليه وسلم، مستهدفون بالقتل بشتى أنواعه، ولقد تفنن القَتَلَة في القتل حتى باتوا لا يرومون التصفية الجسدية، بل باتوا يرومون القتل بالتسميم الكيميائي أو النووي ولهم في ذلك فنون وفنون، وهذا النوع من التصفية خطير للغاية لأنه يأتيك من حيث لا تدري، قد يأتيك من أقرب الناس إليك بحسن نية، وقد يأتيك من أقرب الناس إليك بسوء نية كما حصل لياسر عرفات من تلطيخ لألبسته باليورانيوم على يد المجرم "دَحْلان" ومشاركيه، فالخداع في إيصال ما يقتلك إلى بيتك أو في مطعم تتناول فيه وجباتك أو مقهى ترتاده أمر ميسور للغاية أضف إلى ذلك تكليف من يقوم بالاغتيال بأمر صادر عن رئيسه ولو كان المُسْتهدَف قريبا من أقربائه ولا يهمّ إن كان والده مثلا، قد يأتيك من مستأجر يقوم بالعملية بثمن بخس تحت طائلة الطمع أو التهديد.

إن الحماس والفرح في إخراج مخترعاتك حقٌّ لك، وإن استفادتك منها ماديا حقٌّ لك أيضا، ولكنك بصفة الإسلام بِتّ عدوا لمن لا يؤمن بالإسلام، وهذا العداء منه إليك يخوِّله قتلك في أي وقت وتحت أي ظرف، بينما قتلك أنت له ممنوع عليك لالتزامك بشريعة الإسلام، وشريعة الإسلام هي للناس كافة وفيها سعادتهم جميعا لولا هيمنة المنتفعين والانتهازيين والرأسماليين واللادينيين، وأحكام الجهاد فيها هي لإحياء الناس وليس لإماتتهم، تستعمل القوة المادية لردع الإرهابيين أمثال خمينائي وبوتين وترامب وبشار الفأر، تستعملها لمنع الأعداء من التدخل في بلداننا وشؤوننا وفرض أنماط العيش على غير ثقافتنا وحضارتنا.. فهم وأمثالهم يرفضون أيّ بروز لحضارة الإسلام، ويحاربون أيّ سيادة لشريعة الإسلام حتى بات المطالِبُ بتطبيق شرع الله وسيادته في بلاد المسلمين إرهابيا، بل إن الحكام العرب والحكام في باقي البلدان الإسلامية يقومون بنفس الدور القذر لمنع عودة الإسلام إلى واقع الحياة، فالخوف كل الخوف من الإسلام لأن شريعته تمنع الظلم والاستغلال، وتمنع التدخل في بلداننا والهيمنة على مقدراتنا.

فإذا توصل المسلم إلى اختراع من شأنه قلب الأوضاع القائمة فإن في ذلك زوال مصالحهم وزوال حكمهم وسلطانهم وهم مهووسون بالسلطة والمال لا علاج لهم إلا بجرعة الحق في حلوقهم ومطرقة الحق على رؤوسهم، والقتل للمخترعين لم يطل العرب والمسلمين فحسب، بل امتد إلى المسيحيين والغربيين على يد المسيحيين والغربيين، ولأعطينّك أمثلة قبل أن أوصل إليك ندائي وأطلب منك طلبي.

فالمخترع للكهرباء العبقري نيكولا تسلا قد توصل إلى كيفية نقل الكهرباء لا سلكيا فما كان من مموله "جون بير بونت مورجان" أكبر محتكر للنحاس في العالم آنذاك والذي يصنع منه موصلات تنقل الكهرباء إلى أبعد الأماكن إلا أن تخلى عن مساعدته وحطّم مختبره فلم ير المشروع النور بسبب ذلك، ولكن وبعد فترة اغتيل المخترع "نيكولا تسلا" وقضى وذهب بأسراره إلى القبر، لا بل شارك في أسراره وسرقة مخترعاته مغتالوه، فقد بدأت ظاهرة استخدام الكهرباء التي تعمل بالطريقة اللاسلكية تغزو عالم التكنولوجيا، وقد تنبأ خبراء أن الهواتف والكمبيوترات المحمولة ستتوقف عن استخدام الأسلاك للحصول على الكهرباء خلال سنة فقط، وأكدوا أن هذا الأمر سيصبح عمليا خلال خمس سنوات.

والمخترع "فيري روز" اخترع محركا مغناطيسيا سنة: 1989م لا يحتاج إلى وقود، ولا يشحن من الخارج إذ يتم شحنه ذاتيا خلال السياقة ويقوى على تحريك سيارة، وهذا المحرك لم ينتج إلا بكمية صغيرة جدا، فأين هو الآن؟ ولم لم يعمل على إنتاجه بشكل كبير حتى يوفر على الناس المال ويوفر الأمان للبيئة؟

وطريقة "رايف" التي تعود للعالم روايال رايف R0YAL RIFE، هذه الطريقة عبارة عن آلة تحارب السرطان، والعبقري كان يعتقد بالنظرية التي تقول أن السرطان قريب من الفيروسات، واختراعه سنة: 1934م عبارة عن مولد خاص له القدرة الفعالة على مهاجمة أكثر الخلايا السرطانية في جسم المصاب وتحطيمها، وقد شوفيت بفضل الجهاز أربع عشرة حالة كانت تعاني من السرطان المتقدم، وقد رفض "رايف" التعامل مع رئيس الجمعية الطبية الأمريكية بعدما حاولت المنظمة حمله على التعامل معها وتقديم الرشى له فلم تفلح فسعت إلى إحباطه واتهامه بالغش دون تقديم أي دليل، وفي الأخير اختفى فريق عمله من المختبر ثم احترق المختبر ليستسلم العبقري في النهاية.

لمَ لم يتم المضي قدما في تطوير الآلة والعمل على نشرها في العالم حتى يستفيد منها المصابون بالسرطان؟ ألم يكن "رايف" مشفقا على مرضى السرطان حين اخترع جهازا لمحاربة الخلايا السرطانية؟ فلمَ عومل بتلك الطريقة وقد ساهم في التقدم الطبي لخدمة الطب والبشرية؟ هل منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا حصل تقدم تجاوز طريقة "رايف" في محاربة السرطان؟ هل هناك من يعيش على الجِيَف في عالم الإنسان؟

ومخترع المحرك الذي يعمل بالماء؛ العبقري: ستان ميير STAN MEYER وضع محركه على سيارته واستبدل شماعات الاحتراق بمحقن خاص يعمل على حرق الغاز المتفجر داخل أسطوانات محرك الاحتراق الداخلي وكان ذلك سنة: 1990م، ثم عرضَ اختراعه على قناة تلفزيونية بـ "أوهايو"، وأعلن أن سيارته قادرة على السفر لمسافة طويلة جدا تصل إلى 4500 كيلومتر دون أن يتجاوز معدل الاستهلاك للماء 33 لتر، والنتيجة قتل المخترع وتصنيف مخترعه بأنه مزيف.

لم هي ثابتة هذه الطريقة في التعامل مع العلماء والعباقرة والعظماء؟ هل هم أعداء البشرية؟ هل ينتجون ما به يدمرون كوكبنا ويقضون على نسلنا؟ لم يتم التعامل مع الجديد الذي من شأنه أن يغير العالم وسلوك العالم بهذه الطريقة البشعة؟ أليس في الانتقال إلى الطريقة التي يأتي بها العباقرة والعظماء مستقبل تمحى منه الأزمات التي نعرف؟

 والمخترع للمادة الفريدة في خصائصها STARLIT سنة: 1983م العبقري: موريس وارد MAURICE WARD الذي لم يكن متعلما تعلما تقنيا، بل كان رجلا عاديا يعمل كمصفف شعر، اخترع مادته الفريدة والمثيرة التي تتحمل درجة حرارة رهيبة، فقد تحملت درجة حرارة مادته أكبر بثلاث مرات تلك التي يتحملها انصهار الألماس، وتمكنت من تحمل درجة حرارة الانفجار النووي، وقد عرض العبقري مادته على البيبي سي وقد وضعت المادة على سطح بيضة ثم تم عرضها للحرارة بدرجة 2500 سلسيوس CELCIEUS وبعد بضع دقائق لوحظ أن البيضة لا تزال طازجة من داخلها، وأن سطحها قد سخن قليلا.

هذا المخترع لم يرخص لمادته فبقيت حبيسة الجدران في المختبر وقد تم تعليل ذلك بالخشية من وقوعها في يد المجرمين، ولا نعلم إن كانت مادته قد ذهبت لوزارة الدفاع البريطانية لاستعمالها في المجال العسكري أم لا، ثم توفي المخترع سنة: 2011م واختفت معه معادلة مادته STARLIT.

ومولِّد هينديرشوت HENDERSHOT الذي اخْتُرع سنة: 1928م لصاحبه العبقري: ليستر هيندرشوت LESTER HENDERSHOT، هذا المولد عبارة عن جهاز يعمل بدون وقود من خلال استعمال المجال المغناطيسي الأرضي للحصول على الطاقة الكهربائية بقدرة 200 واط إلى 300 واط، ولكنه لا يعمل مستقلا، وقد تحدثت الصحف عن العبقري النجم وأثني عليه كثيرا ولكن سرعان ما انقلب إلى مزوِّر، ثم تلقى صدمة كهربائية قوية.

 ويقول ابنه أنه تلقى 25000 ألف دولار أمريكي مقابل عدم الكشف عن أية معلومات حول مولِّده المثير.

وظهر القرص المرن "الديسكات" سنة: 1971م فمكّن من تخزين ثمانين كيلوبايت من المعلومات، واليوم صار التخزين بالجيجابايت، واخترع العالم الهولندي رومكي جون برنارد سلوت: ROMKE JAN BERNHARD SLOOT خوارزمية بإمكانها ضغط مئات الجيجابايت من المعلومات، ولا علاقة لها بخوارزمية الضغط الحالية، وقبل أيام قليلة من نقل شفرة التشفير إلى الجمهور مات المخترع في ظروف غامضة سنة: 1999م.

لماذا دائما هذا السيناريو مع خدّام الإنسانية من العلماء والعباقرة والعظماء؟ ألم يكن ممكنا ضغط جميع أفلام العالم اليوم في هواتفنا الذكية؟ لم لم يسمح لمثل هذه الاختراعات بالظهور؟ أليس في الأمر سر؟ وهذا السر أليس هو مما يدل على وجود أعداء للبشرية يفعلون كل شيء للحفاظ على مصالحهم؟     

والعالم جون سيرل JOHN SEARL قام بتجربة فريدة من نوعها أنتجت مولِّدا حرص ألاّ يظهره خشية الناس السيئين على حد تعبيره.

((في يوم من الأيام اكتشف العالم "جون" أن إضافة عنصر صغير من التيار المتردد إلى تردد الراديو أثناء تصنيع مغناطيسه "فريت" أعطاه خصائص غير متوقعة بعد سلسلة من التجارب باستخدام مغانيط مسطحة، صنع "سيرل" مغناطيسا حلقيا وعدة أسطوانات ممغنطة ثبَّتها على الجانب الخارجي للمغناطيس الحلقي، وبمجرد دفع بسيط من إحدى الأسطوانات نحو باقي مثيلاتها تبدأ بالتحرك بطريقة دائرية دون توقف، ومع الأخذ لهذا التأثير الغريب كقاعدة صنع "سيرل" مولِّدا مستعينا بمغانيطه التي استطاعت توليد الطاقة الكهربائية، وهذا في حد ذاته كان مذهلا، لكن العالم اكتشف أنه كلما ارتفعت سرعة دوران الأسطوانات المغناطيسية فقد المولد وزنه، للبحث في هذا التأثير صنع مولدا منفصلا على شكل قرص وقام بإطلاقه بسرعة عالية، فجأة وأثناء دوران القرص ارتفع بسرعة نحو 15 مترا وانبعث منه وميض وردي، تمكن القرص من خلال دورانه من توليد هواء برائحة الأوزون، استغرق "سيرل" وقته الكافي لتعلُّم كيفية تشغيل هذا القرص، الطائر، وفي النهاية هزم حرفيا ما يسمى بقانون الجاذبية، تم تسجيل تجارب "سيرل" مع القرص الدوار في الفترة بين سنة: 1963م  إلى سنة: 1978م حتى تم الانتهاء من تمويل البرنامج، ولم يسبق للعالم أن حصل على براءة لهذا الاختراع، ودمّر فورا جميع النماذج التي عمل عليها))، وكان يسافر في جميع أنحاء العالم ويؤكد دائما خوفه من إظهار مخترعاته للعديد من الأشخاص بسبب وجود أشخاص سيئين في هذا العالم. نقلا عن شريط فيديو من قناة: هل تعلم؟

وكاربراتير أوغلي OGLE.

((في سنة: 1970م قام المخترع والميكانيكي "طوم أوغلي" OGLE TOM باختراع كاربراتير جديد يستند في تشغيله على تسخين البنزين لإنتاج البخار الذي يسقط بعد ذلك في غرفة الاحتراق.

اختراع أوغلي لم يمكِّن فقط من توفير كمية كبيرة من الوقود التي توفر المال لسائقي السيارات؛ إنما تقريبا لا يلوث الطبيعة حتى أن المخترع ادعى أن عادم السيارات المزود بـ "موكارين" خاص يمكن أن يستخدم كمجفف للشعر، ورغم أن جميع مراحل اختبار الجهاز تكللت بالنجاح إلا أنه لم يتم إنتاجه بكميات كبيرة ليس بسبب مشاكل تتعلق بالسلامة، فقد تم التصدي لطوم مرات عديدة من قبل ممثلين لشركات الغاز والنفط الذين عرضوا عليه مبالغ هائلة للتوقف عن البحث فرفض بعناد، وفي نهاية المطاف انتهت حياته فجأة في التاسع عشر من شهر أغسطس سنة: 1981م.

أكد الأطباء أن سبب وفاته راجع إلى الإكثار من المخدرات والكحول ولكن أقارب طوم لم يؤمنوا بالبيانات الرسمية.

الكثير من اختراعات أوغلي كانت ستؤثر على ثروة الأغنياء، ومع وفاة مخترع "الكاربراتير" الاقتصادي فقدت البشرية هذا الجهاز الفريد الذي لم يتمكن أحد من صنعه)). قناة: هل تعلم؟

هذا العبقري يدين باختراعه دعاة المحافظة على البيئة من الدول والحكومات لأنهم هم الذين تسببوا في تخريب البيئة وتلويثها لهدف وحيد هو جشعهم وإيمانهم بالثروة والثروة ولا غير الثروة ولو أن يُدمَّرَ العالم وتتخرب البيئة وتثقب طبقة الأوزون ويظهر النينو وتكثر الكوارث كالتصحر والفيضانات.. فقد ساهموا في إحداث شرخ كبير في التوازن البيئي وهم يعلمون أن هناك اختراعات يمكنها أن توقف الاعتماد على الطاقة الأحفورية تقريبا بشكل نهائي، فلماذا حالوا بينها وبين ذلك؟ لماذا دائما يقتلون العلماء والمخترعين والعباقرة؟ هل لمجرد أن تحافظ على ثروتك في النمو يكفي أن تقتل ملايين البشر؟ أين العدل والقصاص من هؤلاء المجرمين والقتلة؟

أليس من الظلم انشغال البشر بإصلاح جرائر الفاسدين؟ كيف يتسبب متسبب في كارثة ثم لا يضرب على يده وإنما يعمل من أجل إصلاح ما أفسد؟ إلى متى يبقى الرأسماليون فوق القانون؟ أليس من يضع القوانين هم خدام نفس الذين يفسدون بيئتنا؟ أليس من العدل أن يكون عليهم ما اكتسبوا في الدنيا قبل الآخرة؟  

وحسن كامل الصباح أديسون الشرق كما كانوا يلقبونه العبقري اللبناني المولود في 16 أغسطس عام 1894م في بلدة النبطية بجنوب لبنان، اغتيل يوم الأحد 31 مارس 1935م وكان عائدًا إلى منزله، سقطت سيارته في جرف عميق ونقل إلى المستشفى، ثم فارق الحياة مع عجز الأطباء عن تحديد سبب الوفاة خصوصا وأنه قد وجد على مقعد السيارة دون أن يصاب بجروح، لقد تجاوزت مخترعاته 76 مخترعا في مجال الهندسة الكهربائية والتصوير الكهروضوئي وغير ذلك.

والنابغة الدكتور إسماعيل أحمد أدهم المولود سنة: 1911م من أب مصري ذي أصول تركية  وأمّ ألمانية قد تحصّل على الدكتوراه في الفيزياء الذرية وهو في العشرين من عمره، هذا العبقري التقى بثعلب الصحراء قائد القوات الألمانية في الشرق الأوسط والمغرب العربي في الحرب العالمية الثانية الجنرال: "رومل" ثم ذهب إلى ألمانيا للعمل على صنع القنبلة النووية، وفي مجلة الرسالة العدد: 366 بتاريخ: 08 يوليو 1940م كتب مقالا مليئا بالمعادلات الرياضية المعقدة والمعلومات العلمية في أربع صفحات أسمى المقال: الذرة وبناؤها الكهربائي، وقد كتبه بالإنجليزية وهو شغوف بالكتابة الأدبية، ومن ضمن ما جاء في المقال أن ما توصل إليه العالم الألماني "هنزنبرغ" قد أثبته هو قبل سنوات في معامل البحث العلمي بموسكو، وأن ما أعلنه البروفيسور الروسي"سكوبلزن"سنة: 1938م ينسجم مع مبادئ الفيزياء الحديثة التي أثبتها هو، كان مقاله لافتا خصوصا أنه مكتوب باللغة الإنجليزية فلم تمض على كتابة المقال إلا أيام معدودة حتى أعلن عن وفاة العالم العبقري منتحرا غرقا وهو بالكاد يبلغ 29 سنة، ووجد في جيب معطفه رسالة غير مبللة بماء البحر يوصي فيها بحرق جثته وتشريح مخه، ومن يحرص على إحراق جثته لا يلقي بها في البحر لتختفي، وإذا لفظها البحر على الشاطئ أو اليابسة ألقاها وهي مشوّهة لا يعرف صاحبها خصوصا في ذلك الوقت لأن بحوث المُورِّثات "الجينات" لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، والغريب هو ما صرح به شقيقه إبراهيم أدهم فقد أعلن أن جميع أوراق العالم وبحوثه وثلاث كتب في الفيزياء والذرة من تأليفه قد اختفت في ظروف غامضة ولا يعرف بها أحد.

وعالمة الذرة سميرة موسى تلقت دعوة للسفر إلى أمريكا سنة: 1951م وأتيحت لها فرص إجراء البحوث في جامعة سان لويس الأمريكية، وتلقت عروضا للبقاء في الولايات المتحدة الأمريكية ولكنها رفضت وهي تقول: "ينتظرني وطن غال يسمى مصر"، ثم تلقت دعوة لزيارة معامل نووية بكاليفورنيا في أغسطس سنة: 1952م، وفي طريقها المرتفعة الوعرة ظهرت سيارة نقل فجأة صدمت سيارتها بقوة وألقت بها في واد عميق، وعند التحقيق لم يعرف السائق لأنه فر، بل الأصح أُخْفي بعد أن قفز من السيارة، وسجلت الدعوة ضد مجهول لأن السائق كان يحمل اسما مستعارا.

ويحيى المشدّ واحد من عشرة علماء في التصميم والتحكم في المفاعلات النووية، وافق على العرض العراقي للمشاركة في المشروع النووي الذي وفرت له العراق إمكانيات ضخمة.

اغتيل بتاريخ: 13 يونيو 1980م، وعثر على جثته في غرفة بفندق "ميريديان" بباريس وقد ضرب على رأسه بآلة حادة، واغتيلت الشاهدة الفرنسية التي سمعت الضجيج في غرفته.

ورمال حسن رمال الدكتور العبقري في فيزياء المواد والذي له اكتشافات في مجال الطاقة البديلة كاستخدام طاقة الشمس والكهرباء الجوية والطاقة الصادرة عن بعض الأجسام الطبيعية؛ اغتيل في 31 ماي 1991م، وكان اغتياله شبيها باغتيال الصباح حيث لم يظهر أثر عضوي على جثمان الشهيد.

وسعيد السيد بدير من علماء الاتصالات الفضائية أُلْقي في مدينة الإسكندرية من عمارة من الطابق الرابع في: 17 يوليو سنة: 1989م وأعلن عن انتحاره في الصحف في اليوم الموالي، وأعلن أيضا أن بقعة دم واحدة وجدت على سريره مع وجود قنينة غاز، حتى تقرير الطبيب الشرعي جاء مؤكدا للانتحار علما بأن بقعة الدم التي وجدت على سريره لا مفهوم لها سوى أنه قد قتل بطريقة ما، ثم ألقي به عبر النافذة إلى الشارع.

والعالمة عبير عياش اغتيلت بتاريخ 7 مايو سنة: 2003 وكانت قد طورت علاجا لوباء الالتهاب الرئوي اللانمطي"سارس" وتم اغتيالها في فرنسا.

والدكتورة سلوى حبيب أستاذة بمعهد الدراسات الإفريقية ذُبِحت ذبحا في شقتها وكان لها كتاب قيد النشر بعنوان: التغلغل الصهيوني في إفريقيا.

وأردشير حسن بور عبقري صناعة الصواريخ في إيران ومدير مركز الدراسات الكهرومغناطيسية قُتل في 05 فبراير سنة: 2005م واتهم علي نور زادة مدير الدراسات الإيرانية في لندن؛ اتهم السلطات الإيرانية باغتياله.

وأينشتين العرب الدكتور مصطفى مشرفة أثبت أن المادة إشعاع في أصلها، ويمكن اعتبارهما صورتين لشيء واحد، اغتيل بالسم في 16 يناير سنة: 1950م.

والشاب الفلسطيني العالم الذري الدكتور نبيل أحمد فليفل من مخيم "الأمعري" في فلسطين المحتلة درس الطبيعة النووية وكان يبتلع بنَهَم كل شيء تقع عليه يده من كتب الذرة وأبحاثها حتى بات لافتا، ثم انهالت عليه عروض للعمل في الخارج وكان ينوي خدمة بلده وشعبه وأمته بأبحاثه ودراساته، ثم اختفى فجأة، وفي 28 أبريل سنة: 1984م عثر على جثته في منطقة "بيت عور" ولم يتم التحقيق في أي شيء رسميا.

والعالم نبيل القليني اختفى سنة: 1975م ولم يظهر إلى الآن، وقد أوفدته كلية العلوم في القاهرة إلى تشيكوسلوفاكيا للقيام بمزيد من الأبحاث والدراسات في مجال الذرة، ونبغ في بحوثه وتحدثت عنه الصحف التشيكية، وانقطعت الصلة بالعالم والباحث الشاب ولم تجر السلطات المصرية أي تحقيق عن الاختفاء، ولك حضرة القارئ المحترم أن تستنتج الشيء الكثير.

وسمير نجيب العالم الذري المصري النابغة ترشح للذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة علمية ثم عمل تحت إشراف أساتذة الطبيعة النووية والفيزيائية وسنه أقل من 33 ربيعا، أظهر العالم نبوغا وتفوقا وفرغ من إعداد رسالته قبل موعدها بعام كامل الشيء الذي يؤكد سبقه العلمي وحسه العبقري، وبعد حرب 1967م أحس بحاجة شعبه وأمته إليه وقد ظن أن الحرب قد كانت حقيقية وأن الهزيمة قد كانت كارثة ولكنها لم تكن سوى تمثيلية لإيجاد بديل لإخراج اليهود من فلسطين إلى بديل آخر وهو الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967م وقد حصل، كانت حربا خيانية من قادة العرب آنذاك، ولم يكن عالمنا سياسيا لكي يفطن إلى المؤامرة فقرر العودة إلى بلده مصر، وحين أعلن عن سفره انهالت عليه العروض والمغريات فلم يلتفت إليها، وهو في طريق سفره من مدينة "دترويت" وفي الطريق العام تعقبته سيارة للنقل العام فاصطدمت بسيارته فلقي مصرعه على الفور واختفت السيارة وقُيِّد الحادث ضد مجهول.

والعبقرية السعودية الدكتورة سامية عبد الرحيم ميمني عملت على ترتيب معايير الإصابات الدماغية وطرق علاجها وقد اسْتُفيد من بحوثها واختراعاتها الطبية الشيء الذي جعل الطب في تقدم مستمر، وقد قلبت موازين عمليات جراحة المخ والأعصاب وجعلت من الجراحات المتخصصة الصعبة جراحات بسيطة موضعية بالتخدير الموضعي، ولحادث كسْر جمجمة والدها بحادثة سير وفراغ السعودية من التقدم العلمي المطلوب أثر كبير في بحوثها، هذه العالمة العبقرية اخترعت جهاز "الجونج" وهو جهاز يساعد على التحكم في الخلايا العصبية ما بين فتحها وإغلاقها، واخترعت جهازا يساعد على اكتشاف حالات السرطان المبكرة، وعرض عليها مبلغ 5 ملايين دولار إضافة إلى الجنسية الأمريكية مقابل التنازل عن بعض مخترعاتها فرفضت وقالت: "فائدة اختراعي ستعم العالم كله وليس بلادي فقط" هذه العالمة الجليلة والعبقرية الفذة قتلت خنْقاً في شُقّتها ووجدت جثتها داخل ثلاجة عاطلة.    

وعلماء العراق وأساتذة الجامعات وغيرهم من أصحاب الفكر والرأي تم اغتيالهم بمساعدة أمريكا بعد احتلالها للعراق سنة 2003م بحيث سلمت شعبه للزنادقة الشيعة، تم اغتيالهم وقتلهم على يد ميليشيات المنافق القذر خمينائي وأولاد المتعة من الشيعة الأنجاس العراقيين.

والشاب التطواني العبقري العصامي المثابر عبد الله شقرون المزداد بمدينة تطوان في 05 غشت سنة: 1984م اغتيل بعد أن نشط على اليوتوب ونقل عبره أحاديث وشروحات عن مخترعه وهو محرك بقابلية أن يعمل في السيارات والطوافات وغيرها، بقابلية أن يعمل بالماء دون أن يستهلكه، ومن سنة 1960م إلى سنة 1980م والولايات المتحدة الأمريكية تحاول صنعه فلم تهتد إليه.

قُدِّمت للشاب العبقري إغراءات مالية وصلت إلى 308 مليون أورو من أجل بيع مخترعه وهو المحرك المذكور فرفض لأنه خشي من استعماله في الطائرات المقاتلة لتقتل المسلمين فيتحمل وزر ذلك مع القَتَلَة، ولأنه كان يطمح أن يعيد مجد المسلمين على حد تعبيره فيحيي بعمله العصر العلمي التجريبي الذي برز فيه العلماء العرب والمسلمون وكانوا مدارس للتقدم العلمي في أوروبا، قال لمن ناقشهم بعد عرض مخترعه أن عهد الفارابي وابن الهيثم والخوارزمي سيعود، وهو من المخترعين المصممين وعددهم عبر العالم واحد في المائة فقط، المخترعون 10 في المائة بينما المخترعون المصممون واحد في المائة عبد الله شقرون أحدهم، وهو العربي الوحيد المصنف ضمن لائحة المصممين المخترعين على مستوى العالم، وهؤلاء هم الذين يسيطرون على تكنولوجية العالم أجمع، ومن أقواله الرائدة: ((من أراد التقدم والارتقاء فإن عليه بالتقييم والانتقاء بعد كل تعلُّم وارتواء))، توفي سنة:2015م.

والدكتور إبراهيم الفقي ذي الشهرة الواسعة والمحاضرات الرائدة لقي حتفه في غرفته حرقا سنة: 2012م على يد أعوان الرخيص حسني مبارك وكان نشطا مع الربيع العربي في مصر، وكان يوجه الشباب رجاء أن تحظى مصر بالتحرر الحقيقي فتنعتق من التبعية للولايات المتحدة الأمريكية.

وشقيقي الأصغر السياسي الشاب الكاتب الصحفي مصطفى محمد البقاش اغتيل سنة 2011م بالطريقة الحديثة وهي الأخبث من تلك التي اغتيل بها ياسر عرفات، ولقد تآمر على اغتياله المخابرات الإسبانية كما صرحت بذلك صحيفة الشفافية في عددها 244 بتاريخ: 07 أكتوبر 2011م لسبب بسيط هو أنه لم يعمل لحسابهم، ولم يرض بالدور الذي أريد له، وأسس حزب التكتل والنهضة في إسبانيا وهو حزب إسلامي، وأعلن في عدة لقاءات صحفية أن أحد أعضاء حزبه سيكون في يوم من الأيام رئيسا لوزراء إسبانيا، وكان الشاب ينتصر للمهاجرين، وكان يحمل ثقافة إسلامية تؤمن بعودة المسلوب إلى صاحبه كمدينة سبتة ومليلية..

والأميرة ديانا اغتيلت بسبب وجود أمير في بطنها، بسبب جنين لأب مصري مسلم يحتمل أن يصبح ملكا لبريطانيا، اغتيلت في حادثة سير محبوكة حبكة القاص البارع والروائي القدير، ثم نقلت إلى مستشفى "بيتي سالبترير" بباريس حيث قضت فيه سنة: 1997م.

والعبقري الفلسطيني فادي البطش اغتيل بسبب عبقرتيه وليس بسبب انتمائه السياسي، فقد تناقلت وسائل الإعلام العالمية يوم 21 أبريل 2018م خبر اغتيال الدكتور الباحث فادي البطش وهو في طريقه إلى المسجد لصلاة الفجر، تم اغتياله في ماليزيا بإطلاق رصاصات بعد أن تمت محاورته لمعرفة هل هو فعلا فادي البطش، وحين تأكدوا من شخصيته أطلقوا عليه النار.

وهو دكتور في الهندسة الكهربائية بتميز، وعالم باحث، ومخترع..

هذا الشاب ذو الخمسة والثلاثين عاما قد نعته حماس الشيء الذي يذهب بنا إلى اعتباره عضوا بها مما يجعل عين إسرائيل لا تنام حتى تنهي حياته وقد حصل، والسؤال هو: هل يستحق الشهيد الاغتيال بسبب انتمائه إلى حماس إذا كان منتميا فعلا لحماس؟

إن كبار الشخصيات الحمساوية تتنقل بين عدة دول ولم يغتلها الموساد، كثير من السياسيين الحمساويين قد ذهبوا إلى دول عربية ولم يتم اغتيالهم ونحن نعلم أن الدول العربية لا تحمي أي عدو لإسرائيل، بل إن أكثرها إن لم تكن كلها لا تتورع في الدخول في صفقة اغتيال لسياسي فلسطيني أو عربي أو مسلم عدو لإسرائيل إذا طلب منها ذلك، فلماذا إذن تم اغتيال فادي البطش ولم يتم اغتيال قائد حماس وقد كان في مصر بيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعبد الفتاح السيسي يهودي من أصول مغربية؟

إن الظاهر للاغتيال؛ سياسي، ولكنه في عمقه اغتيال عقَدي يتعلق بوضع حد لكل مخترع عربي أو مسلم يمكن أن يفيد أمته ويحررها من التبعية، والأمر عادي بالنسبة للغرب بحيث نعلم أن اغتيالات كثيرة وعبر عقود عديدة قد تمت في كثير من البلدان لعقليات عبقرية خيف من عبقريتها أن تفيد الأمة وتحررها فتم اغتيالها.

والمخترعون للبطاريات الهدروجينية وبطاريات التي تشحن بالبكتريا وبطاريات الكرافيت والبطاريات التي تشحن بالماء التي تدوم سنين دون شحن أين ذهبت حيث لم تر النور؟ وهل تم اغتيال مخترعيها؟

ما سقته غيْض من فيْض، وما يجدر التنبه إليه هو أن من يعمل لصالح الإنسانية مستهدف بالقتل، ومن يعمل لله ورسوله والإسلام أكثر استهدافا.

واليوم إذا توصل الإنسان إلى اختراع من شأنه ضرب الاقتصاد الرأسمالي، من شأنه إزاحة أصحاب الفيتو عن مراكزهم، من شأنه تعطيل مصانع إنتاج الطاقة، من شأنه قلب روتين الحياة وطريقة العيش في ملايير البشر فإن اختراعه سوف يهيمنون عليه ويسرقونه ويتكتمون عليه ولن يرى النور ويبقى أمره بين القتل والإخفاء، وهل يتم اختيار الإخفاء؟ كلا إلا قليلا لأن له تبعات، فالقتل والتصفية الجسدية هما الكفيلان بإنهاء الموضوع، وأسلوب القتل والتصفية كما قلت قد تطور عن سابقه على المخترع أن يعيه ويجعل خطورته  نصب عينيه، وأخطر شيء في القتل والتصفية أن تتم سرقة المخترعات واستعمالها للزيادة في إذلال الأمة وإخضاعها لغير المستحق الخضوع وهو الله تبارك وتعالى، فالقتلى ممن هم على عقيدة الإسلام يوقنون أنهم سيموتون غير ناقصين من أعمارهم ثانية واحدة فتلك عقيدتهم لأن الموت سببه الأجل وليس التصفية الجسدية ولا أي شيء من مظاهر تؤدي إلى الموت، فالموت حقيقته غير معروفة، والروح حقيقتها غير معروفة، والذي اصطلح عليه البشر بناء على استقراء ومشاهدة هو التمييز بين المتحرك والجامد، المتحرك حي، والجامد ميت، كما أن الموت إحداث خلل في المكان الذي تحط فيه روح الإنسان وهو البدن، فإذا حصل الخلل لدرجة أن بات أمر بقائها فيه مستحيل خرجت أو أُخْرجت وكان ذلك بأجل، إذا هُدِم البدن خرجت الروح أو أُخْرجت، وإذا لم يهدم البدن ولم يحدث فيه أي خلل وحضر الأجل خرجت الروح ومات الإنسان وهذه عقيدة المسلمين.

والآن فلتصغ إلى ندائي أيها المخترع المسلم وأيها الإنسان المخترع الحر:

إنّ إحساسك بالذل والهوان، وإنّ وضع أمتك في الظلم والقهر، وإن المحاربة لله ورسوله في بلادك، وإن الحيلولة دون بورز حضارتك، وإن الاستماتة في منع سيادة شريعتك، وإن العراقيل الموضوعة لنشر ثقافتك كل ذلك يجعل منك مظلوما، فكيف يحق لغيرك العيش لحضارته وثقافته وتحرم منه أنت؟

وإن الهيمنة على مقدرات بلادك، وإن نصب حكام عملاء على شعوبك يجعل منك غير راض على الظالم، وإن الانتصار للمظلوم شيمة الرجال وتاج العز على رؤوس الأحرار وأنت منهم بإذن الله تعالى، وقد رأيتَ ما جرى لشعوبك وبلادك منذ قرون وإلى اليوم، فقد آن الأوان لتتناول رأسك وتشقّه وتستخرج منه مخّه فتبحث فيه عن أسباب العزة، ثم تعيده إلى وضعه بعد أن تكون قد اهتديت إلى تلك الأسباب.

إن حالك حال القوّامين على القاصرين، فالأمر أمرك والقاصرون مشرئبون بأعناقهم إليك ينتظرون منك كل شيء ينفعهم ويفرحهم عليك أن توفره لهم حتى ينضجوا في أمن وأمان، وحتى يشبّوا في عزّ وسؤْدد، وحتى يعيشوا بكرامتهم لمبدئهم وشريعتهم، عليك أن تسقيهم كأس الإنصاف حتى يختلط بدمائهم فيشبّون بدماء لونها لون الإنصاف، والإنصاف الأوْلى؛ أن تبدأ بأهلك، وأهلك هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وكل مظلوم في العالم وليس أهل الوطنيات ولا القوميات ولا العرقيات.. أهلك هم أهل القرآن والسنة النبوية الشريفة والمقهورين على العيش وفق حضارة مستعمِر غيَّر أسلوب استعماره في بلدانهم وهم لم يغيروا كراهيتهم له ورفضهم لطريقة عيشه، فلتستهدفهم بالرعاية والعناية وتؤمّنهم على دينهم ومعاشهم فلا مأمن لهم في ظل هيمنة الغرب وروسيا والصين والحكام العرب فهم جميعا يرفضون نضجهم وتحررهم فما السبيل؟

صحيح أن الاستهداف الأول يجب أن يكون للفكر والثقافة حتى تُبْنى بهما العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية وقد بات المسلمون في معظمهم يملكون العقلية إسلامية والنفسية الإسلامية بغض النظر عن خلط بعضهم للعقلية الإسلامية بالعقلية الرأسمالية والعقلية الاشتراكية.. وخلط النفسية الإسلامية بالمشاعر الوطنية والكهنوتية.. صحيح أن العمل يُبْدَئ به من هنا ولكنه قد بُدئ به منذ زمن واستوفى ما استهدف حتى بات مطلب تطبيق الإسلام وسيادة شريعته وبسط حضارته وبروز ثقافته مطلب جميع المسلمين، فلم يبق إلا التمكين لشريعة الإسلام، والتمكين أصبح محارَباً وأصبح كل من ينادي به إرهابيا.

لماذا يتدخلون في بلداننا؟ أيعتبروننا قاصرين؟ ألم نقرأ ونسمع عن الحرب العالمية الثانية أن الشعوب التي اسْتُعْمِرت قد كانت قاصرة ولذلك تم استعمارها؟ هل تظن أن جعْبة الظَّلَمَة قد تخلو في يوم من الأيام من وسائل التبرير؟ هل لا زلت تصدق أكاذيبهم؟ فماذا ينفع إذن؟

إن المتغطرس القوي لا يرعوي إلا بقوة تضاهي قوته، والقوة في المسلم قوة روحية بارزة لا تصمد أمامها الجبال، وهذا معروف ويؤخذ بعين الاعتبار عند كل معركة مع المسلم حتى ولو كان أعزل، ولكن القوة المادية هي اللغة التي يفهمها المتغطرس فكان لزاما أن يتوفر عليها المسلم، ثم إن هذه القوة إذا قصد بها السلاح النووي فهي قوة رادعة تضع صاحبها في خانة من يحسب لهم ألف حساب، ولا يخفى علينا فشل الولايات المتحدة الأمريكية في احتواء كوريا الشمالية، ولكن أمر الحصول عليها بات محاصرا من طرف أصحاب النقض فكان الانشغال عليها مضيعة للوقت لأنك تحت المجهر وفي ساحة نُصِّبت فيها البروجيكتورات فلا تستطيع الوصول إليها لأن أمر الوصول إليها مفضوح مهما تَسَتَّرْت، يبقى أن تبحث عن قوة تضاهي القوة النووية في جبروتها وتكون في المتناول ويكون أمر الحصول عليها سهل ميسور وبأبسط الأثمنة وبأيسر الطرق وفي أضيق الأمكنة فما هي إذن؟

أيها المخترع المسلم، أيها الحر الأبي:

أعيد قولي وأكرر، عليك أن تخرج مخّك من رأسك وتضعه بين يديك فتبحث فيه عن أسباب تلك القوة، ثم تعيده إلى رأسك وتبدأ باسم الله حتى الحصول عليها، وحتى لا تضيّع وقتك في تحديد الهدف اذهب إلى دينك ففيه توجيه من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم نحو الرماية، فالقوة عنده الرماية القوة الرماية القوة الرماية، فاختر بم ترم به عدوك ولن تعوزك حيلة، اركب الهواء وحطّ رحالك في غُرَف نوْم القَتَلَة والمجرمين أمثال ترامب وبوتين وأولاند وكاميرون وبشار وخمينائي وغيرهم ولا تخرج مسدسك لتفرغه في رؤوسهم لأن المسدس سلاح رجعي، بل أخرج الشُّواظ من عينيك ومجرد أن ينظر إليها الأعداء تحرقهم، إن عدوك يرميك بالقنابل النووية والفسفورية والعنقودية.. يرميك من بعيد ويملأ سماءك بسلاحه فارمه أنت بما لا يتصور هو دون أن يكون لما ترميه به كتلة مرئية وحجم ظاهر كالتي لقوته...

ويبقى النداء الأخير، فندائي الأخير كما يلي:

ـــ إذا حصلت على اختراع يمكن أن يعزّ الإسلام والمسلمين ويجعل العالم يحترمك والظَّلَمَة يجثون على رُكَبهم عند سلطانك، والمهيمِنون والمستعمِرون يحملون أدرانهم إلى بلدانهم ويؤدوا فاتورة هيمنتم واستعمارهم ولا يُستأذنوا في نشر الثقافة الإسلامية وسط شعوبهم؛ فلا تُبْدِه لأحد ولو كان أبوك، لا تبده لأحد، بل أبرزه في معرض استعماله ضد العدو حتى يرعوي وحتى يرحل عن بلادك ويتخلى عن ظلم أمتك وقهرها، ثم سلمه لمن يكون في مستوى المسؤولية عنه، ويكون أهلا لحمله مع الاستخارة لله عز وجل، ولا تنسى أولا وأخيرا أن تعرف يقينا أنك مستهدف باستهدافك التحرر والخروج من سيطرة الظالمين، فعليك أن تؤمِّن الطريق لوصول مخترعاتك إلى المخلصين لله ورسوله حتى إذا وقف أجلك لم يكن لمخترع تخترعه ضياع، فالأمة في أمسّ الحاجة إلى شيء يعزّ دينها ويؤمِّن عيشها على شريعتها وحضارتها، فهيّا أَرِنا شهامتك، أَظْهِر لنا عبقريتك، قف منا موقف القوّام على القاصرين ولا تتركنا لمزيد من الحرمان، لا تتركنا لمزيد من الضياع فنحن أَيْتامٌ على موائد اللئام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطائرات بمحركات كهربائية

والسقوط الأقل خسارة في الأرواح

 

حلم العالم الأندلسي الموسوعي عباس بن فرناس بالطيران قديما فلم يوفق، ولكنه زرع حلمه في الأجيال وظل ذلك الحلم بذرة حية في عقول الباحثين إلى أن حل عصر الطيران في القرن العشرين.

والمركبات والصواريخ التي صارت تخترق الأجواز تستعمل أنواعا كثيرة من الوقود، من الوقود الأحفوري إلى الهيدروجين والأكسيجين السائلين..

والطائرات المدنية والعسكرية التي تستعمل الوقود الأحفوري في تحريك محركاتها تخزن تلك الطاقة في أجنحتها أو في حاويات لضمان استمرار الضخ من أجل الاستهلاك الذي تتطلبه المحركات كسبا للوقت في الرحلات، وكل الرحلات محددة في الزمن بسبب كمية الوقود المحمول على الطائرات.

وفي القريب العاجل سيُسْتغنى عن استعمال الوقود الأحفوري نهائيا وسيصبح جريمة يعاقب عليها القانون، وسيمسي منع استخراجه وتسويقه قانونا، وسيضحى مستخرجه والمتاجر فيه صاحب جنحة تجر صاحبها إلى المحاكم، كما سيصير عصرنا عصر سخرية من الأجيال التي ستستغني عن الوقود الأحفوري لأن رواده من العلماء والساسة قد ساهموا في تخريب المناخ وأنتجوا ما تم استعماله في التكنولوجيا من طاقة تشهد على عقلية دونية إن لم تكن إجرامية.

ستطير الطائرات دون قطرة واحدة من الطاقة الأحفورية، وستعمل محركاتها بالكهرباء، وفي هذا غياب أسباب الحريق في حوادث الطائرات، ولكن غياب تلك الحوادث يتطلب التفكير في الوقائع الجديدة التي سيخلقها استعمال الكهرباء في النقل الجوي، ومعنى ذلك أن الحرائق جراء الحوادث لن تحدث بسبب الوقود لغيابه، قد تحدث بأسباب أخرى ولكنها لن تصل إلى مستوى الكوارث بالوقود الأحفوري، وعليه وجب وضع مخططات للنجاة من حوادث سقوط الطائرات أو على الأقل التخفيف من أضرار السقوط.

أولا: السقوط في البحار أو الأنهار

أرى أن أهم ما يجب التفكير به هو محاولة السقوط في البحر أو النهر إذا أمكن، وإذا حصل ظهر إشكال الغرق والخنق في الطائرات، فالحل هو أن تبنى الطائرات بشكل يضمن السقوط المانع للانشطار، أو أن تبنى قمرة القيادة ومكان مقاعد الركاب على شكل منفاخ يمتص الصدمات ويمنع تسرب المياه وأن تركب المقاعد على شكل مانع للخروج عن موضعها، وهذه القمرة مع مقاعد الركاب مركبة تركيب الغواصات تسمح للركاب بالعيش في قاع البحر وقتا كافيا حتى حضور الإسعاف، أو تكون على شكل كبسولة هوائية.

هذا إذا لم تنشطر الطائرة وتتحطم ولكنها إن تحطمت تلقائيا فإن مكان الركاب والربان غير المفصولين معد على شكل بالون يطفو على سطح الماء، وإذا لم تنشطر وتتحطم يمكن تجهيز آلية لتحطيمها، أي فصلها عن البالون حتى يندفع نحو سطح البحر لتكون النجاة أكبر والإسعاف أسهل نظرا لإمكانية رؤيتها من الجو.. 

ثانيا: السقوط على اليابسة

السقوط على اليابسة سقوط أكثر خطرا من السقوط على المياه ولكن تركيب جزء من الطائرات يضم الناس والربان على شكل بالونات قابلة لامتصاص الصدمات كفيل بإحداث كثير من الصدمات على اليابسة وفيه ما فيه من تحطم الطائرة إلا أن الأهم هو مكان الربان ومكان الركاب غير المفصولين، فالركاب والربان عند هذه الحوادث يكونون في المكان المعد كشكل بالون بقابلية امتصاص الصدمات كما لو كان بالونا لا يستقر إلا بعد أن يفقد طاقة السقوط وطاقة الرياح وعندها يمكن إسعاف الناس بشكل أسلم مما سبق. 

هذه صورة مستقبلية للقريب العاجل، صورة يجب تحقيقها، والدلائل تشير إلى قرب تحقيقها لأننا نعلم أن أعداء البشرية لم يعودوا قادرين على إخفاء ما يفيد الناس، صحيح أنهم قد أخفوا كثيرا من نتائج البحوث التي تفيد البشرية من أجل الإبقاء على مصالحهم، ولكنهم اليوم أعجز من أن يمنعوا البشرية عن إصلاح ما أفسدوه، فالصورة جاهزة في رأيي لولا الخوف من أعداء البشرية الذين لا يقبلون التخلي عن المليارات والنفوذ وحكم العالم بنظام غاشم هو النظام الرأسمالي العفن ولو أدى ذلك إلى اغتيال العلماء والباحثين كما هو دَيْدنهم..

عقلية هؤلاء هي نفس العقلية التي حجبت الخير عن الناس وأخفت بحوثا معتبرة من شأنها المساهمة في الحفاظ على مناخ الأرض خدمة للأحياء، عقلية هؤلاء هي نفس عقلية "جون بير بونت مورجان" فالمكتشف للتيار المتردد العبقري نيكولا تسلا قد توصل إلى كيفية نقل الكهرباء لا سلكيا فما كان من مموله "جون بير بونت مورجان" أكبر محتكر للنحاس في العالم آنذاك والذي يصنع منه مُوَصِّلات تنقل الكهرباء إلى أبعد الأماكن إلا أن تخلى عن مساعدته وحطّم مختبره فلم ير المشروع النور بسبب ذلك، ولكن وبعد فترة اغتيل المخترع "نيكولا تسلا" وقضى وذهب بأسراره إلى القبر، لا بل شارك في أسراره وسرقة مخترعاته مغتالوه، فقد بدأت ظاهرة استخدام الكهرباء التي تعمل بالطريقة اللاسلكية تغزو عالم التكنولوجيا، وقد تنبأ خبراء أن الهواتف والكمبيوترات المحمولة ستتوقف عن استخدام الأسلاك للحصول على الكهرباء خلال سنة فقط، وأكدوا أن هذا الأمر سيصبح عمليا خلال خمس سنوات.

تخلى "جون بير بونت مورجان" عن نيكولا تسلا لأن مصلحته في بيع النحاس الذي تُصنع منه موصلات للكهرباء ستضرب إذا وزع التيار الكهربائي لاسلكيا، هذه العقلية هي عينها عقيلة أصحاب الحضارة الرأسمالية العفنة وهم حريصون على كل جديد لمنعه إذا كان يسبب ضررا بمصالحهم، انظر مثلا إلى المجرم "ترامب" ألم يتخل عن اتفاقيات المناخ في ولايته هذه مما يدل على أن "جون مورغان لا يزال يعيش معنا؟ ثم هل نركن إلى القول أن الأرض تمر بدورات طبيعية وهذه إحداها ولذلك تخلى "ترامب" عن التزام دولته باتفاقية المناخ؟ لا، لا نركن لمثل هذا القول ونحن نشاهد المصانع الضخمة للصين والدول الكبرى تضخ السم في الهواء؟ ألا يؤثر ذلك على المناخ؟ الجواب قطعا نعم، وعليه لا مناص من الالتزام باتفاقيات المناخ إلى أن نصل وبسرعة إلى استبدال الوقود الأحفوري بالكهرباء.

إن الاغتيالات للعلماء والعباقرة كثيرة؛ نعرفها، ولكن منع ضياء الشمس بالغربال مستحيل في حق القتلة والمجرمين أعداء البشرية، وقد خرج الأمر عن سيطرتهم فباتوا يشدون على المطاط للزيادة في تمديده زيادة في عمر استغلالهم ولكن للعمر أجل وللمطاط حد لن يتمدد بعده أبدا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المدرسة المَمْدَرية في النقد المَمْدَري

 

المدرسة المَمْدَرية في النقد المَمْدَري من الأدب الظليل لأنها تستظل بظل إبداع تمارس النقد عليه، والنقد في المدرسة الممدرية نقد ظليل، والناقد فيها ناقد ظليليّ.

المدرسة الممدرية في النقد الممدري لا يمكن أن تصبح في يوم من الأيام أداة إسقاط على أيّ إبداع سواء كان عربيا أم أعجميا لأنها لا تملك شيئا مُفصَّلا يأتي على القياس، وليست هي قالبا يمكن أن يُقْحَم فيه ما يراد إبداعه أو صنعه على نفس القياس، بل تملك شيئا لا يظهر إلا عند ممارسة القراءة البادية للإبداع في النصوص الأدبية، أي تملك الاستعداد للإبداع، وبذلك لن تنتهي كما انتهت إليه المدرسة البنيوية ولا المدرسة التفكيكية ولا غيرهما لأنها بعيدة كل البعد عن تلك الاتجاهات، ومحصنة كل التحصين من أن تصير إلى مصيرهم، فليست هي سحابا يَخرجُ الوَدْقُ من خلاله، ثم يأتي الناقد ويقف تحت السحاب لتمطره بغيثها، كلا، فذلك يعتبر إسقاطا، فنزول الماء على الصخر والبحر لا يُنتج إنباتا للكلأ الذي تنبته الأرض لو أن ماء المُزْن نزل عليها، والإسقاط إذا كان على شيء ليس من جنسه، ولا هو قابلا لقياسه عليه؛ يكون ذلك تعسُّفا على النصوص وإخراجاً لها عن طبيعتها الأدبية، ومما يُؤْسَف له أن الكثيرين يمارسون هذا النوع من النقد، يأخذون ما تعلموا في المدارس الغربية التي أنتجت أدبا مبنيا على لغاتها ثم يسقطونه على الأدب العربي الذي يتميز كل التميز بمرونة لغته وانسيابها وسعتها الكبيرة في التفعيل والاشتقاق والتركيب، فلا تَبَجُّعات فيها ولا انكسارات، إنها اللغة الثّرّة الثّريّة التي لا يمكن إلا أن تعلوا على أزيد من حوالي 7 آلاف لغة محكية من لغات العالم اليوم وسائر اللغات قديمها وحديثها لغناها وفقر غيرها، ففيها 16000 جذر لغوي بينما غيرها كاللاتينية التي عنها نشأت ومنها جاءت لغات كالفرنسية والإيطالية وغيرهما؛ بها 700 جذر لغوي، ولا أقول اللغة الإسبانية فاللغة الإسبانية الحديثة نشأت عن اللاتينية والعربية، ولا يعني ذلك أن غيرها من لغات أوروبا خالية من الاقتباس من اللغة العربية، كلا، فالإنجليزية مثلا من الأنجلو  *** ون بها 2000 جذر لغوي وقد أخذت هي الأخرى من العربية، خذ مثلا  كلمة "طال" بمعنى طويل، وهي عينها في اللغة العربية، و"طال" في الإنجليزية Tall  كلمة جامدة لا يصدر عنها شيء ولا يُسْتولد منها شيء خلاف الكلمة العربية ففيها طال يطول وطويل وأطول وطائل وطلّ وذو الطول ومستطيل.. وخذ كلمة أخرى هي جيد وهي في الإنجليزية "جيد" Good وللتعبير عن الأجود يزاد على الكلمة في الإنجليزية فيقال: "فيري جود"  Very Goodبينما في العربية يلون وزن الكلمة فتقول: أجود، أضف إلى ذلك كثرة ما يخرج عن اللفظة العربية مثل رضى ورضوان، وعنف وعنفوان، ورحيم ورحمن، وقاتل وقتيل وجمود اللفظة الإنجليزية وهكذا، فكلمة كهف عربية أخذتها عنها اللغة اللاتينية واللغات التي انبجست عنها، ففي اللاتينية "كافوس" Cavus، وفي الإنجليزية "كاف" Cave، وفي الفرنسية "كاف"Cave، وفي الإيطالية "كافا" Cava ، فبتلك اللغات الناشئة عن اللاتينية باستثناء اللغة الإنجليزية لأنها من الأنجلو  *** ونية؛ حصل الإبداع، ومنها نشأ النقد، ثم جاء من تتلمذوا على يد النقاد الغربيين، وتخرجوا من المدارس النقدية الغربية فاستقوا ذلك الإسقاط الذي نعيبه عليهم لأنه لا يطابق واقع النصوص الأدبية العربية، وما ذُكر عن اللغة العربية كاف لإدراك الباع الشاسع بين لغة عظيمة ثَرَّة ثَرِيّة وبين غيرها، به ندرك أيضا عدم الموافقة والمطابقة، كما أنه قد جالستُ متخرّجين في المعارف النفسية والاجتماعية، أي ما يسمى بعلم النفس وعلم الاجتماع فوجدت نفس الإسقاط على النصوص الفكرية الذي مارسه بعض الفلاسفة بعد انصرام القرن الأول الهجري خصوصا عنما دانت شعوب كثيرة للإسلام واعتنقته عن رضى واختيار، وكان من شعوب الشام والعراق ومصر وغيرها أفراد قلائل وجماعات صغيرة لم يؤمنوا بالإسلام ولم يستسيغوا هجوم القرآن على العقائد الفاسدة كتأليه الكواكب والأوثان وعيسى، ولم يقبلوا منه إثباته للحشر والمعاذ والنبوات خصوصا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت لديهم أفكار مناقضة له فصاروا يثيرون الشبهات ويناقشون المسلمين في العقائد إلى أن انبرى من يرد عليهم من المسلمين فتعلموا الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني وغير ذلك من الثقافات الأخرى بغية مناقشة المشككين والرد عليهم فنشأت مسألة علم الكلام إلى أن ختمت بوجود فلاسفة صاروا يؤولون الإسلام ليوافق ما عليه الفكر اليوناني والمنطق اليوناني والفلسفة اليونانية، أخذوا ما تُرجم من الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني وشرعوا يؤولون ثقافة الأمة لتوافق المنطق اليوناني والفلسفة اليونانية، وكان ذلك عيبا كبيرا، ولكنه لم يؤثر على صفاء الثقافة الإسلامية ونقاوة العقيدة الإسلامية التي هي مصدر لها لا مصدر لها غيرها، ولحسن الحظ أن ذلك لم يخلّ برؤية الحقيقة عند من يملكون ذهنا صافيا، وطريقة ناجعة في البحث وهم من أوصلوا إلينا مشكورين مأجورين؛ ثقافتنا، أوصلوها إلينا صافية لا يعتريها ما يعكِّر صفوها، نقلوها إلينا بأصح الطرق نقية لا وجود لشوائب فيها، جاءوا بها مبلورة يُنْظر إليها من جميع الجوانب.

تأسست المدرسة النقدية في النقد المَمْدَري، أو المدرسة المَمْدَرية النقدية للإبداع، أو مدرسة النقد الإبداعي، أو النقد الظليل عندما مورست القراءة البادية للإبداع لأعمال المبدعين من شعر وقصة وحكاية.. كما تأسس عندها مباشرة النقد المَمْدَري غير أنه لم يتبلور لدي إلا بهذه الدراسة المختصرة..

ظهرت القراءة البادية للإبداع في مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية بطنحة، ظهرت في المؤسسة التعليمية المذكورة، ثم تطورت لتصبح ذات شِقّين، شِقّ يظهر من خلال القراءة البادية للإبداع، وهي التي مورست في تلك المؤسسة، وهي قراءة أوّلية تمارَس مباشرة بعد انتهاء المبدع من إلقاء شعره أو قصته أو حكايته، إنها مُبْتدأ الرأي في النظر إلى العمل الإبداعي بقراءة منطوقة.. وهذه العملية إبداع دون شك لأنها تُبْنى على إبداع سابق، ويمارَس فيها نقد خفيف من أجل تصحيح البناء اللغوي للنصوص العربية فقط، وهذا الجانب؛ اُلأصلُ فيه أن يغيب، ولكن حضوره ثابت عند من يقعون في أخطاء لغوية، وغائب عند من يحسنون إخراج النصوص خالية من العيوب في التركيب والنظم والتأليف، والأخطاء من هذا النوع تتفاوت من مُتَمَكِّن من اللغة إلى آخر، وهنا يحضر النقد ويُحْصَر في التصحيح، تصحيح الأخطاء اللغوية، وتصحيح النظم والتأليف إذا كانا لا يلتزمان بسلطان اللغة العربية، أما عند تجاوز ذلك فالأمر يصبح قراءة بادية للإبداع منطوقة في شقها الأول.

ويصبح قراءة بادية للإبداع في شقها الثاني مكتوبة عند الاختلاف في الإلقاء والتلقي، فالمبدع إذا كان يلقي إبداعه مرتجلا إياه، أو قارئا له من كتاب أو ورقة، أو من خلال هاتفه الذكي وكان الذي يتلقّى ذلك الإبداع يستمع ثم يبدي قراءته المنطوقة لما استمع إليه في حينه فهو عندئذ يكون ممارسا للقراءة البادية للإبداع في شقها الأول، أما إذا تناول النصوص وهي مكتوبة، ثم كتب عنها، كان ما كتب قراءة بادية للإبداع في شقها الثاني، ولقد حققتُ ذلك الشق في ديوانين "شعريين" الأول بعنوان: على صحوة الجموح لمليكة الجباري، والثاني بعنوان: مساءات يعقوبية لحميد اليعقوبي، ولا يقال بهذا الصدد أن قَوْلَ القراءة البادية للإبداع ينفي حصول القراءة الثانية أو ما عبّرتُ عنه بالشق الثاني، لا يقال ذلك لأنه وإن لم يتحقق تكرار القراءة في النصوص فإنها تكون داخلة في الشق الثاني ويستحسن أن تكون كذلك حتى يظهر المبنى لابسا معناه مقتعدا على معنى سابق والذي لا يكاد يلتفت إليه الممارس للقراءة البادية للإبداع في شقها الثاني أو الأول أو هما معا..

وبعد أخذ وردّ، وتقليب الآراء في هذا الذي سقْتُه؛ تقرّر لدي أن أسمّي ذلك نقدا مَمْدَرِيا، ونقدا ظليلا،  فكان النقد المَمْدري هو ما تحقق من خلال القراءة البادية للإبداع بشقيها الأول والثاني، وكان الممارِس للقراءة البادية للإبداع ناقد مَمْدَري، يمكن أن يكون النقد المَمْدَري مرادفا للقراءة البادية للإبداع، وهذا لا بأس به وهو تميز عن سائر أنواع النقد الممارَس من طرف ما يسمى بالنقاد الذين لم يستطيعوا استنبات مدارس نقدية من جنس الأدب العربي حتى يكونوا مدارس في النقد من داخل الإبداع باللغة العربية، ولم يتم استنبات أجناس نقدية لهم في الأدب العربي..

ولكي أبدي وضوحا في تقعيدي للنقد المَمْدَري أو النقد الظليل أسوق له ثلاث قواعد يقوم عليها وهي:

أولا: استحضار سلطان اللغة العربية في كل نص أدبي يراد أن يمارَس عليه النقد المَمْدَري، أو النقد الظليل، فإذا شرع القارئ في قراءة نصه وكانت به أخطاء لغوية أو خروج عن سلطانها الذي يجب احترامه؛ وجب حينها على الناقد المَمْدَري ألاّ يسمح بمرور تلك الأخطاء وإن كان الأصل ألاّ توجد، ولكن لا بأس خصوصا بشأن من نروم تعليمهم وتأديبهم من تلاميذ وطلبة وشعراء وأدباء، المهم أن يبدأ برؤية النص وهو مكتمل المبنى بلبنات من جنس اللغة العربية، وإذا لم تكن من جنس اللغة وجب إدماجها في الجنس بطريق التعريب، والتعريب هو صياغة اللفظة غير العربية بالوزن العربي، ولا يقال بهذا الصدد أن ذلك خروج عن العربية مادام الأمر يتجاوز اللفظ العربي إلى اللفظ الأعجمي، لا يقال ذلك لأنه في الجاهلية مثلا قد ورد في شعر امرئ القيس "السجنجل" وهي المرآة ولم يقل أحد أنها غير عربية لأنها قد أخضعت للوزن العربي وهو ما اعتبر عند العرب عربيا لأنه لفظ مُعَرّب، وهناك الكثير، ونزيد فنقول أن القرآن الكريم عربي بشهادته هو عن نفسه في قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ () يوسف))، وقوله تعالى: ((وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ () الشورى))، وقوله تعالى: ((وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ () نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ () عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ () بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ () الشعراء))، وقوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ () إبراهيم))، ومعنى ذلك نفي أن يكون القرآن الكريم أعجميا، نفي أن يكون فيه شيء من العجمية، ونفي أن يكون غير عربي، وصفة العربية صفة للفظه وليست صفة لمعانيه لأن معانيه ليست عربية، ولكن فيه لفظة: "مشكاة" وهي لفظة هندية وقيل حبشية، وفيه لفظة القَسْوَرة وهي حبشية، وفيه لفظة: "الاستبرق" وهي فارسية، وفيه لفظة "سجّيل" وهي فارسية أيضا، وفيه لفظة: "طه" وهي نبطية وفيه لفظة: "القسطاس" وهي رومية، وهكذا، ومع ذلك لا يصح أن يقال عن القرآن الكريم  أن ألفاظه غير عربية، بل يقال أن بالقران ألفاظا تم تعريبها من اللغات غير العربية فصارت بطريقة التعريب وتقنية الإخضاع للوزن العربي؛ عربية، صارت عربية وعربية فحسب مع وجود أصول لها في غيرها، وهذا هو الذي يزيد من رفع قيمة هذه اللغة العظيمة التي احتفظت بتقنية التعريب وطريقة الإخضاع للوزن العربي حتى تسع كل اللغات، وذلك دليل على مرونتها وسلاستها وقدرتها على الاستيعاب، استيعاب جميع لغات الدنيا لو أن أهل اللغة عرّبوا من الألفاظ الأعجمية؛ من الروسية والصينية، من اللغات الأوروبية والإفريقية والأسيوية والأمريكية والأسترالية ما كان جميلا عند النطق به، ثم أدخلوه العربية.

لا يُسمح في النقد المَمْدَري أو النقد الظليل لمبدع مثلا أن يصوِّر ذهاب بطله أو أحد من قصته أو روايته أو حكايته أو شعره إلى مريض في المستشفى وهو يضع لذلك كلمة زيارة، فالزيارة تكون للمعافى، والعيادة تكون للمريض، وهكذا في كل ما يسيء إلى اللغة العربية ويخرج عن سلطانها مثل طلب القعود على الجَنْب والذي طُلب منه القعود على الجَنْب جالسٌ القرفصاء، فالقعود لا يكون إلا عن قيام وهكذا.

ثانيا: قراءة النص الأدبي ضمن زمن مقبول من شعر وقصة ورواية وحكاية وخاطرة وغيرها في حضرة الناقد المَمْدَري يستمع إليها مباشرة، وعند الانتهاء من القراءة يشرع في ممارسة النقد المَمْدَري أو النقد الظليل في شقّه الأول ويكون ذلك ارْتِجالا، لا يُشْترَط الارتجال في الذي يقرأ نصه الأدبي، بل يُشْترط في الناقد المَمْدَري لأنه يجهل ذلك النص، ولم يسبق له أن قرأه حتى يُوظِّف المعلومات السابقة  ويُعْمِل عقله فيه ويتأمّل دلالاته ويقف على صوره الأدبية وما فيها من مراتب الجمال الأدبي، يفعل كل ذلك بعد أن يستمع للنص الأدبي، وبحسب قدرته على الاستحضار يبدع قراءة بادية ثانية للإبداع، يبدع قراءة تستظل بظل إبداع آخر، وإذا استطاع أن يُطَعِّم قراءته بالأدب المَمْدَري الذي يقوم على التثقيف الفني والرياضة الذهنية، ويستهدف غاية مزدوجة هي المتعة العاطفية والمتعة الذهنية؛ ظهر ما يسوقه أجمل مما لو لم يكن من الأدب المَمْدَري لأنه به يبدع أدبا مَمْدَريا.

ثالثا: قراءة النص الأدبي من طرف الناقد المَمْدَري ضمن زمن لا ضرورة أن يُحْصر في ساعة معينة لأن القارئ للنص الأدبي يمكن أن يكون قارئا له عدة مرات وفي أزمان متباعدة، كما أن النص الأدبي قد يكون طويلا وذلك كأن يكون قصة طويلة أو رواية، ثم يشرع الناقد المَمْدَري في ممارسة النقد المَمْدَري أو النقد الظليل بقَيْدٍ يمكن التحرُّر منه، وهو قيْد الإتيان بالأدب المَمْدَري لأن له من الوقت ما يكفيه لفعل ذلك، ولأن به يتحقق الأدب المَمْدَري في النقد الممدري، ثم بعد ذلك يقرأ عمله أو ينشره وهو عينه الشق الثاني من النقد المَمْدَري، ولأجل تحقيق الأدب المَمْدَري في النقد الممدري بمكونيه الاثنين: التثقيف الفني، والرياضة الذهنية، فالأمر سهل ميسور لو أن الناقد المَمْدَري اعتمد على التشبيه والكناية العلمية للإتيان بالأدب المَمْدَري لأن التشبيه والكناية العلمية بالنسبة إليه شيء في المتناول، شيء في الممكن ما على الناقد المَمْدَري إلا أن يمتلك معلومات علمية يتم توظيفها في جانب التشبيه والكناية العلمية، كما يتوجّب عليه أيضا أن يكون ذا قدرة على تطويع الكلمات والجمل والفقرات والنصوص تطويعا يجعله يُنَوِّع في النظم والتأليف إلى أن يصل إلى الذروة، إلى أن يصل إلى مراده، وذلك كأن يسوق عبارة:

نظر بعين أضربت إحدى قَرْنِيّتها عن تلقّي الأوكسيجين من الهواء.

أي أنه يشبِّه نظر الناظر إلى الأشياء بعين واحدة، أي نظر بعين عوراء، وبالعبارة كناية علمية عن العَوَر، لأن قرنية العين في جسم الإنسان تتلقّى الأوكسيجين من الهواء مباشرة، بينما سائر أعضاء الجسم البشري تتلقى الأوكسيجين من الدم.

أو يقول قاصدا تحقيق "الانصزالية"(1):

وحين اشتد البرد أُغْمِي على زوجه الثانية فركض يَبْغي جَلْبَ قَبَسٍ من النار حتى لا يقتلهم الصقيع، وبينما هو يركض؛ وقع لموت إحدى حبيبتيه، ثم نهض وأكمل جَرْيه ليعود إلى أهله لعلهم يصطلون.

أما إذا لم يأت الناقد المَمْدَري بالتثقيف الفني والرياضة الذهنية ويستهدف المتعة العاطفية أو المتعة الذهنية أو هما معا فإن ذلك لا يخرجه عن صفة الناقد المَمْدَري لأنه قد تدثّر بالمَمْدَرية وركب أجناسها الأدبية فكان بذلك ناقدا مَمْدَريا.

وقبل أن أنهي دراستي راودني سؤالان ملحان وهما:

ــ أولا: إذا كان النقد المَمْدَري أو النقد الظليل نقدا للنصوص العربية بالتقعيد الذي وضعتُه له فلماذا لا ينسحب ذلك على النصوص غير العربية؟

ــ ثانيا: هل يمكن للنقد الممدري أو النقد الظليل بالتقعيد الذي وضعتُه له بقابلية أن ينسحب على الأعمال الأدبية المترجمة؟

والجواب على السؤال الأول أن النص الأدبي في لغته المكتوب بها لا ينتج إبداعا من جنس النقد المَمْدَري ما لم يكن الذي كتب النص والذي قرأه قراءة بادية منطوقة في شقها الأول أو مكتوبة في شقها الثاني قد فعلا بنفس اللغة المكتوب بها النص، فالنقد المَمْدَري أو النقد الظليل ركوب على إبداع سابق يَشترط صحة اللغة وسلامة التركيب، وشرط صحة اللغة وسلامة التركيب موجود في اللسان غير العربي، واللسان غير العربي أعجمي، والأعجمية صفة للسان ولا علاقة لها بالقومية، وما دام الأمر كذلك ففي اللسان غير العربي روائع في الشعر والقصة والرواية.. وهي نصوص أدبية ينسحب عليها ما ينسحب على النصوص العربية، والأمر هنا ليس للتقييم ولا للمفاضلة، ولا يعيبها شيء إلا أن يتناول الناقد المَمْدَري النصَّ ويبني عليه بلغة غير اللغة التي كُتب بها، وإذا فعل خرج من دائرة النقد الممدري إلى دائرة الترجمة، فتكون ترجمة فوق ترجمة، فالفرنسية والإسبانية مثلا لغتان يمكن أن يمارس بحق نصوصهما الأدبية النقد المَمْدَري ولكن بنفس اللغة الإسبانية والفرنسية شريطة أن يكون الناقد متقنا للغة المكتوب بها النص، وبذلك يمكن القول أن النقد المَمْدَري أو النقد الظليل ينسحب على سائر النصوص الأدبية سواء كانت عربية أو أعجمية، سواء كانت بلسان فرنسي أو إنجليزي أو باشتوني أو أمازيغي أو كردي أو روسي أو غيره.

فإذا أبدع المبدع شعرا باللغة الفرنسية مثلا ثم قرأ نصه بحضرة أديب أو مُتَذَوِّقٍ للنص الأدبي مُتْقنٍ للغة الفرنسية ولو لم يكن من القومية الفرنسية ولا الجنس الفرنسي ثم أبدع فوق ذلك النص كان في القراءة البادية للإبداع المنطوقة في شقها الأول، وإذا أخذ النص وقرأه دون حضور المبدع ثم شرع يبني عليه إبداعا آخر كان في القراءة البادية للإبداع في شقها الثاني، أي كان في القراءة الثانية المكتوبة، وهذان شرطان أساسيان للنقد المَمْدَري أو النقد الظليل يضاف إليهما بداهة الشرط الثالث وهو في الترتيب؛ اُلأول، إنه شرط ضرورة إتقان اللغة المكتوب بها النص، وبهذه التقنية البسيطة يصبح النص الأدبي الفرنسي نصا مورس عليه النقد المَمْدَري، وكان الذي فعل ذلك ناقدا مَمْدَرِيا.

ولا يقال بهذا الصدد أن ما عِبْتَه على النقاد سابقا بشأن الإسقاط قد وقعتَ فيه حين أقحمت النصوص غير العربية في النقد المَمْدَري لتجعل منها أدبا مَمْدَريا وهو إقحام معيب.

والجواب على ذلك أنني لم أمارس الإسقاط، لأن الإسقاط إتيان بمقاييس لنصوص غير عربية وإسقاطها على النص في الأدب العربي دون أن تكون هناك علاقة تجيز الإسقاط، وأنا هنا لا أبحث عن علاقة بديعية (نسبة إلى علم البديع) حتى تكون للنقد المَمْدَري في النصوص غير العربية مصداقية، كلا، فالنقد المَمْدَري أو النقد الظليل بالتقنية التي وضعتُها له مستقلّ عن أيّ تأثير، ولكنه عاشق للنصوص الأدبية، وما دام عاشقا للنصوص الأدبية عربية وعجمية فالنقد المَمْدَري يُعْنى بها شريطة أن يُنْظر إلى النص بنفس العين اللغوية التي كُتب بها ذلك النص، وهذا كاف لإدراك غياب الإسقاط، وكاف أيضا لإدراك إمكانية دخول النقد المَمْدَري على سائر النصوص الأدبية عربية وعجمية.

والجواب على السؤال الثاني أن الأعمال الأدبية المترجمة تنحو نحوين، تسير إلى نقل الأعمال الأدبية نقلا ناقصا، وتعمد إلى الإبداع الذي ينتج عن الإبداع المقروء لدى المترجم، وفي هذا ظهور نقص في نقل العمل الأدبي كما هو، وظهور لتعويض ذلك بإبداع جديد يأتي به المترجم، وهذا العنصر يدخل في القراءة البادية للإبداع في شقها الثاني، وبذلك يظهر النقد الممدري بهذا الشق.

وبما أن العمل المترجم عمل قد بُصم ببصمة المترجم سواء أتقن نقل الإبداع أم لم يتقنه؛ المهم أن العمل المنقول إلى غير لغته الأصلية عمل أدبي، ومادام عملا أدبيا فإنه يسري عليه ما سرى على غيره من الإبداع في النقد الممدري، وبه يدخل العمل المترجم إلى النقد الممدري والنقد الظليل ولكنه لا يلتفت إلى المبدع الأصلي، بل يركز على الترجمة، أي يركز على عمل المترجم، وعمل المترجم إبداع فوق إبداع، وهو بذلك يدخل النقد الممدري وينسحب عليه، صحيح أنه لا يستوفي جميع شروط النقد المَمْدَري والنقد الظليل ولكنه يأخذ بِثِنْتَيْ القاعدتين وهذا كاف لإحداث النقد المَمْدَري أي النقد الظليل والإتيان به وإبداعه.    

وعليه فدخول النقد المَمْدَري الأدب الأعجمي المترجم وغير المترجم سواء كان فرنسيا أو صينيا أو روسيا أو إنجليزيا أو غيره يجعل من النص الأدبي الأعجمي نصا قد مورس عليه النقد المَمْدَري، أي النقد الظليل، وكان الممارس له ناقدا مَمْدَرِيا بلسان أعجمي، وكان الذي يمارس النقد المَمْدَري أي النقد الظليل للنص الأدبي العربي ناقدا مَمْدَرِيا بلسان عربي وهكذا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الانصزالية: الانصزالية من: صهر، وعزل. الانصزالية كلمة مركبة من كلمتين هما: الانصهار، والعزل. وتعني تقنية الانصزال؛ تقنية الانصهار وتقنية التعازل.

والتقنية الانصزالية تقنية سردية تأخذ جرمين ممدريين أو أكثر وتصهرهم، وفي هذا الانصهار لجرمين ممدريين ظهور لتعازل الأجرام الممدرية لا يميزه إلا اللبيب المتذوق، فهو ليس كخلط الماء بالزيت يظهر كل جسم معزولا عن الآخر بعد فترة من توقف الخلط وركود السائلين، بل هو خلط ومزج لجرمين أدبيين يصعب فرزهما، يظهران في واحد، وهما اثنان، يمتزجان ويختلطان وينصهران حتى يبدوان وكأنهما جرم واحد، وهذه التقنية منوطة بالكاتب الذي يعمد إلى سرده فيتقن لعبة الانصزالية، وفي رأيي أنه إذا لم يستطع جعل المتلقي والقارئ حائرا شاكا مهزوزا لا يكاد يفرق ويميز بين الجرمين الأدبيين الممزوجين المختلطين المنصهرين، فإنه لم ينصزل. المصدر: ـ

الكتاب: النظرية الممدرية (في الفكر والأدب والفلسفة..) ـ النشرة الورقية الأولى (الطبعة الأولى): 2012 ـ الحقوق: محفوظة للمؤلف                                        ـ الإيداع القانوني: 462 ـ 98 ـ ردمد: 1114 – 8640    ISSNـ الغلاف: للرسامة الإسبانية من أصل لبناني فاطمة سعيد مغير ـ السحب: ناسابريس بطوطة ـ حي بلير 17 رقم: 28B   طنجة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البحور الشعرية الجديدة

(البحر الرباعي والثلاثي والثنائي

في الشعر العربي)

 

إن نعتي للبحر الشعري بالبحر الخماسي والرباعي والثلاثي والثنائي نعت لعدد تفعيلات البحر الشعري في صدره أو عَجُزه، فالطويل مثلا بثمان تفعيلات ولكنني أعتبره فيما توصلت إليه بست تفعيلات، ثلاث للصدر، وثلاث للعَجُز، وهكذا سائر البحور التي عنيتها وعينتها، فما كان رباعيا كان رباعيا بصدره وعَجُزه وهو عندي ثلاثيا بصدره وعجزه، فتسميتي لهم بغير جمع جميع التفعيلات جاء من باب الاختيار والتمييز، فإذا قلت البحر الثلاثي لم يذهب ذهن القارئ والمتلقي إلى بحور الفراهيدي، فلا بد أن يلتفت إلى أن هذه التسمية جديدة ولا أقول دخيلة لأن الدخيل يكون دخيلا من غير الجنس الذي دخل عليه.

البحر الخماسي بحر مستبعد من الشعر العربي نظرا لوجود أربع تفعيلات في البحر الطويل والبسيط والمتقارب والمتدارك والخفيف، ولم أُبْعِد التفعيلة الخامسة من البحور المذكورة إلا لأني حاولت نظم شعر بتفعيلة خامسة لكل بحر له أربع تفعيلات مضيفا إليها تفعيلة خامسة فلم أتذوّق النتيجة، والأدب ذَوْق، صحيح أنه من الممكن ألا أكون بذوق رفيع حتى أحكم بحكمي الوارد عن الإضافة، ولكن لا بأس أن ينبري غيري فيأتي بما لم أستطع الإتيان به، وعليه قررت التخلي عن الإتيان بالتفعيلة الخامسة للبحور التي لها أربع تفعيلات لأنتقل إلى البحور التي لها ثلاث تفعيلات، والتي لها تفعيلتان اثنتان لأضيف إليها تفعيلة جديدة فيصير البحر ذو التفعيلات الثلاثية؛ رباعيا، والبحر ذو التفعيلات الثنائية؛ ثلاثيا وهكذا.

البحر الرباعي والبحر الثلاثي بحران جديدان من بحور الشعر العربي، وهما بحران جيء بهما من الأدب الظليل، سقتهما من خلال الاستظلال بقراءتي لأشعار الصديق "إدريس اجغدر" وقد طلب مني النظر في قصيدة له بعنوان: "أفول شمس" وهي قصيدة في رثاء أمه، وحين شرعت أنظر في القصيدة أعجبني فيها توظيفه لكلمات عربية شبه مهجورة وهي جميلة في السياق الذي وضعه لها، وأنا أقلّب القصيدة وأحاول تذوّقها لأن الذوق أدب، والأدب ذوق؛ جمح بي خيالي فتصورت إمكانية كتابة شعر عربي من جميع بحور الشعر العربية، ثم كدت أستقر على رأي يدفعني إلى حمل القصيدة على الخضوع لبحر من بحور الشعر العربي من حيث التصرف فيها خصوصا وأن بها كثيرا من الكلمات في بداية الصدر وبداية العجُز من تفعيلات بحور الشعر العربي، غير أن تفعيلاتها تكون تارة في صدر البيت الأول من بحر الهَزَج، وتكون في عجُزه من بحر الرمل، ثم تكون تارة أخرى في البحر الطويل والوافر والكامل وهكذا والنتيجة أخذ تفعيلة من هذا البحر وتفعيلة أخرى من بحر ثان وتفعيلة ثالثة من بحر ثالث وتفعيلة رابعة من بحر رابع أو ينوّع تنويعا يتنقّل من خلاله مثلما تفعل عاشقة الرحيق في جميع البحور الشعرية التقليدية أو الكلاسيكية "التقليدية ليست قدحا، فالقديم أُسٌّ يقوم عليه الجديد، وإحداث العملية العقلية لا يمكن أن يحصل دون شروط منها شرط الاعتماد على معلومات سابقة وهي تقليدية، وأعظم ثروة فكرية ومعرفية والتي لا يمكن أن يأتي أحد بمثلها أو بخير منها كمّاً وكيْفاً هي في القديم، هي لأمتنا ولكل من انتمى إليها من سائر الشعوب والأمم، هي تراثنا الثقافي والحضاري الثر الثري، هي كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هي الثروة التراثية والحضارية العظيمة التي خلفها لنا علماؤنا وفقهاؤنا ومفكرونا مشكورين فهي تقليدية، ونحن عشاق التقليدية مع التنبه إلى الفرق بينها وبين العادة التي نشأت لمجرد المحاكاة غير الواعية، أو لمجرد تكرار الفعل والإتيان به على سبيل العادة وليس على سبيل الوعي عليه، والفعل الذي يأتي به الإنسان بوعي دون عادة هو نظام علاقة الإنسان بربه وهي متكررة في حياة المسلم بمجرد أن يبلغ الحُلُم إلى نهاية حياته كالصلوات الخمس والعبادات بشكل عام، بل إن فعل قلده من غير معنى قلده القلادة أو جعل حمالة السيف في عنقه، أو فوّضه؛ تأتي بمعنى الإتيان بفعل شبيه بفعل على سبيل الطلب من أجل السمو والإتيان بالفعل الحضاري الراقي، وأعظم ما يسعى المرء إلى تقليده حتى يسمو ويرتقي أن يأتي بفعل شبيه بفعل هو في القِدَم، هو في شخص الأسوة الحسنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولكنني لم أعمل على هذا التصور حتى أبلوره ثم أستنتج ما يكون بقابلية التبنّي أو التخلّي، أترك هذا الجانب فربما عدت إليه، وربما انبرى غيري لدراسته والنظر في إمكانية جعل ذلك جديدا في الشعر العربي وجميلا، وبين أخذ وردّ كدت أستقر على رأي يدفعني إلى حمل قصيدة الصديق "اجغدر" على الخضوع لتصرفي لولا عدم استساغتي لذلك، وأهم ما نتج عن ذلك بروز شيء لفت نظري فأوقفني وهو ركوبي عليها واستظلالي بظلها، فعلت ذلك مثلما فعلتُ حين قعّدتُ لمدرسة جديدة في النقد فكان النقد المَمْدَري، حصل ذلك قبل التقعيد للنقد المَمْدَري أو النقد الظليل كما أسميته بحيث كانت هناك قراءة بادية للإبداع حيث اسْتَظْلَلْتُ بالإبداع لآِتي بإبداع فوق إبداع، فكان ذلك جنسا أدبيا جديدا في الأدب العربي خصوصا في الأدب المَمْدَري، واليوم، وبفضل ما حملني عليه صديقي؛ تنبهتُ إلى إمكانية صياغة بحرين جديدين من بحور الشعر العربي أقرض من خلالهما شعرا عربيا وأكون البادي به حتى يكونا لغيري بحران يقْرض من خلالهما شعرا عربيا فيُؤتى به على منوالهما فتكون إضافة جديدة في الشعر العربي، هذا بشرط أن أبدع شعرا فيهما وأنظر إلى قيمته الفنية خصوصا في جانب الإيقاع والموسيقى ومكانته من الذوق، ثم أُجِزْهما.

ولا يقال بهذا الصدد أن الخليل بن أحمد الفراهيدي حين وضع علم العروض وسطّر لنا البحور باستثناء البحر المتدارك كان قد نظر في الشعر العربي فوجده محصورا في هذه البحور التي عرفناها والنتيجة أن الشعراء في الجاهلية وفي بدايات الإسلام كانوا يُخْضِعون شعرهم لعلم العروض وهم لا يعرفونه، فعلوا ذلك مثلما فعل الخطباء والبلغاء في كلامهم الذي كانوا يخضعونه لعلم النحو وهم لا يعرفونه أيضا لأنهم بالسليقة كانوا يفعلون، لا يقال ذلك لأن البحرين الجديدين الذين سأسوقهما لن آت بهما من خلال قراءتي لشعر عربي غفل عن استخراج بحره الخليل بن أحمد الفراهيدي أو صاحب المتدارك، بل هما بحران موضوعان أولا، ثم الإتيان بالقريض على منوالهما ثانيا، وفي الأخير للذوق الرفيع الحكم عليهما حتى يدخلا الشعر العربي ويستقيمان فيه.

وتسمية البحرين الجديدين بالبحر الرباعي والبحر الثلاثي أوحى إلي بهما ما أخرجه لنا الخليل بن أحمد الفراهيدي، صحيح أنه قد تم تدارك البحور بالبحر المتدارك فكانت البحور ستة عشر بحرا وتفعيلاتها ما بين أربع كالبحر الطويل والبسيط والمتقارب والمتدارك والخفيف، وثلاث تفعيلات كالبحر المديد والوافر والكامل والرجز والرمل والسريع والمنسرح والمضارع، وتفعيلتان اثنتان كالهزج والمقتضب والمجتث، ولكن رباعية وثلاثية بحرينا الجديدين قضت أن تكون قاعدتهما كالتالي:

أولا: كلُّ بحر من بحور الشعر العربي يتضمن ثلاث تفعيلات كالبحر المديد والوافر والكامل والرجز والرمل والسريع والمنسرح والمضارع تضاف إليه تفعيلة واحدة حتى يكون بحرا رباعيا.

ثانيا: كل بحر من بحور الشعر العربي يتضمن تفعيلتين اثنتين كبحر الهزج والمقتضب والمجتث تضاف إليه تفعيلة واحدة حتى يكون بحرا ثلاثيا.

ثاثا: كل بحر من بحور الشعر العربي أضيفت إليه تفعيلة حتى صار رباعيا أو ثلاثيا يطلق عليه اسم تابع لما وضعه الخليل بن أحمد وما وضعه صاحب المتدارك، أي أن البحر المديد مثلا حين يصير رباعي التفعيلة مثلا يسمى بالبحر المديد الرباعي تمييزا له عن البحر المديد الكلاسيكي، والبحر المقتضب حين يصير ثلاثي التفعيلة مثلا يسمى بالبحر المقتضب الثلاثي وهكذا، والنتيجة أن بحور الشعر العربي مؤقتا سبعة وعشرون بحرا هي:

(1)             البحر الطويل.

(2)             البحر البسيط.

(3)             البحر الخفيف.

(4)             البحر المتقارب.

(5)             البحر المتدارك.

(6)             بحر الرجز.

(7)             بحر الرجز الرباعي.

(8)             بحر الرمل.

(9)             بحر الرمل الرباعي.

(10)       البحر المنسرح.

(11)       البحر المنسرح الرباعي.

(12)       البحر المضارع.

(13)       البحر المضارع الرباعي.

(14)       البحر المديد.

(15)       البحر المديد الرباعي.

(16)        البحر الوافر.

(17)       البحر الوافر الرباعي.

(18)        البحر الكامل.

(19)       البحر الكامل الرباعي.

(20)        البحر السريع.

(21)       البحر السريع الرباعي.

(22)       البحر المقتضب.

(23)       البحر المقتضب الثلاثي.

(24)       البحر المجتث.

(25)       البحر المجتث الثلاثي.

(26)        بحر الهزج.

(27)       بحر الهزج الثلاثي.

هذه هي بحور الشعر العربي من خلال الدراسة الاستظلالية.

هذه بحور شعرية جديدة ظهرت مستظلة بظل علم العروض، وعلم العروض من حيث ما يحتوي عليه من عَروض وضَرْب وأسباب وأوتاد وزحاف وعلل وغير ذلك يظل هو هو من حيث اعتماده لتصحيح البحر الرباعي والبحر الثلاثي وتقطيعهما، يظل نفس العلم منطبقا على البحر الرباعي والبحر الثلاثي سواء وقع في البحور الشعرية العربية التي هي بثلاث تفعيلات أو اثنتان، أي سواء وقع في البحر المديد الثلاثي ونظيره، أو المجتث الثنائي ومثيله، فعدد تفعيلات البحور ترفع حتى تصير أربعا في جميع بحور الشعر العربي التي تحتوي على ثلاث تفعيلات، وترفع حتى تصير ثلاثا في جميع البحور الشعرية العربية التي تحتوي على تفعيلتين اثنتين وهكذا غير أنه من الذوق أن الأدب يركز على التراكيب وبما أنه كذلك فقد تحصل الزيادة في الزحاف والعلل وقد ينقص منها ولكن شريطة ترك عروض الخليل على حالها، وشريطة أن يظهر الشعر في البحور الجديدة مرتقيا مراتب عليا في الجمال ..

وقد جاء في كتاب نور القبس المختصر من المقتبس في أخبار النحاة والأدباء والشعراء والعلماء صفحة: 71 لأبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قوله: ((أحدث الخليل أنواعا من الشعر ليست من أوزان العرب (...) أخبرني أصحابنا أن للخليل بن أحمد قصيدة على فَعَلَنْ فَعَلَنْ ثلاث متحركات وساكن، وأخرى على فَعْلَنْ فَعْلَنْ بمتحرك وساكن)). 

لا يقال بهذا الصدد أنك قد سُقْتَ بحرين اثنين هما البحر الرباعي والبحر الثلاثي وجعلت منهما بحورا كالبحر الكامل الرباعي والبحر السريع الرباعي والبحر المقتضب الثلاثي والبحر المجتث الثلاثي وغيرهم تضيفهم إلى علم العروض وقد سبقك إلى ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي حين ساق بحرين اثنين ليسا من أوزان العرب، لا يقال ذلك لأن الفراهيدي اتُّهم بأنه قد اخترع بحورا للشعر العربي لم تكن موجودة في الواقع ولها موضع في نظامه العروضي كما زُعِم، لا يقال ذلك لأن الفراهيدي لم يدّع ذلك، ولأن الذين اتهموه هم من المتأخرين، ولأن الفراهيدي في كتابه "العين" وهو أول قاموس لغوي على مستوى البشرية؛ قد فرق فيه بين الجذور اللغوية المستخدمة فعلا والجذور النظرية، ولأن الشعر العربي على كثرته وعلى كثرة دارسيه وشرّاحه خاض بحره الخليل وجاب أعماق قصائده فلم يجد فيها ما يخلو من خضوع لعلم العروض الذي اكتشفه باستثناء الشعر الذي خضع للبحر المتدارك، والنتيجة أنما قيل عنه بهذا الصدد يحتاج إلى إثبات أظنه من غير الممكن، أما إذا ثبت أن الخليل فعلا قد جاء ببحرين جديدين للشعر العربي وأنه نظم شعرا على منوالهما فسيكون الخليل بن أحمد هو اللبنة الأولى التي بنيتُ عليها ما توصلتُ إليه وأنا لا أعرف.

وهناك تنظير آخر للشعر العربي يتجلى في الإنقاص من تفعيلات البحور بتفعيلة واحدة وقرض الشعر على منوال ذلك باستثناء الإنقاص من البحور التي لها تفعيلتين اثنتين.

يسير الأمر على نفس ما سار عليه باعتماد الزيادة في التفعيلات، باعتماد زيادة تفعيلة واحدة لكل بحر من بحور الشعر العربي له ثلاث تفعيلات لتصير أربع تفعيلات، والذي له تفعيلتان اثنتان لتصير له ثلاث تفعيلات، ولكن هذه المرة باعتماد الإنقاص وليس الزيادة، باعتماد الإنقاص من تفعيلات البحور الشعرية العربية شرط أن تحصل السلاسة والسلامة في النظم والتأليف والإيقاع..

ولقد ورد فيما سبق قولي: هذا بشرط أن أبدع شعرا فيهما وأنظر إلى قيمته الفنية خصوصا في جانب الإيقاع والموسيقى ومكانته من الذوق، ثم أُجِزْهما.

وورد أيضا: بل هما بحران موضوعان أولا، ثم الإتيان بالقريض على منوالهما ثانيا، وفي الأخير للذوق الرفيع الحكم عليهما حتى يدخلا الشعر العربي ويستقيمان فيه.

وخلاصة القول في هذا الذي سقته أخيرا يتبين أن الأمر محصور في الذوق حتى تتأتى الإجازة، ولقد حاولت قرض شعر ونظمه على البحر الرباعي والثلاثي فلم أفلح، صحيح أنني لم أستفرغ وسعي كله، ولكنني رأيت ربما كسلا مني؛ أن الحماس غائب حتى أنظم شعرا، ولم لا والمعلوم أن النظم تحت الطلب لا يكون، وإذا حصل كان دون المستوى، وعليه أترك للقارئ المحترم أمر البحر الرباعي والثلاثي، أي أترك لك حضرة القارئ المحترم ما زدت من تفعيلات في البحور الثلاثية للخليل بن أحمد لتصير رباعية، وما زدت في البحور الثنائية لتصير ثلاثية، ولكن سأحاول من باب الإنقاص من التفعيلات في بحور الخليل بن أحمد ليصير لدي بحور زائدة عن السبعة والعشرين بحرا كما أسلفت حين سقت فرضيات للبحور المذكورة لتصير تسعة وعشرين بحرا، ستة وعشرون بحرا منها أُنْقصت تفعيلاتها إما لتصير ثلاثية إذا كان الإنقاص من الرباعي، أو تصير ثنائية إذا كان الإنقاص من الثلاثي، وبقيت ثنائية الفراهيدي على حالها لم ننقص منها تفعيلة واحدة فكانت ثلاث ثنائيات، والمجموع تسعة وعشرون بحرا وهي كالتالي:

(1)             البحر الطويل.

(2)             الطويل الثلاثي.

(3)             البحر البسيط.

(4)             البسيط الثلاثي.

(5)             البحر الخفيف.

(6)             الخفيف الثلاثي.

(7)             البحر المتقارب.

(8)             المتقارب الثلاثي.

(9)             البحر المتدارك.

(10)       المتدارك الثلاثي.

(11)       البحر المديد.

(12)       المديد الثنائي.

(13)       البحر الوافر.

(14)       الوافر الثنائي.

(15)       البحر الكامل.

(16)       الكامل الثنائي.

(17)       بحر الرجز.

(18)       الرجز الثنائي.

(19)       بحر الرمل.

(20)       الرمل الثنائي.

(21)       البحر السريع.

(22)       السريع الثنائي.

(23)       البحر المنسرح.

(24)       المنسرح الثنائي.

(25)       بحر المضارع.

(26)       المضارع الثنائي.

(27)       بحر الهزج.

(28)       بحر المقتضب.

(29)       بحر المجتث.

هذه هي البحور الشعرية التي اعْتُمِدت من خلال الإنقاص من تفعيلات البحور الخليلية التي لها أربع تفعيلات وثلاث تفعيلات، أما التي لها تفعيلتان اثنتان فبقيت على حالها كبحر الهزج والمقتضب والمجتث.

بقي أن أمارس القريض على منوال هذه البحور لأرى مصداقية ذلك عند الذوق في الأدب العربي، لأرى حسن ذلك حتى أجيزه، ولكن مرة أخرى سوف أنظم شعرا تحت الطلب، والشعر الذي يأتي تحت الطلب كما سلف لا شك أنه دون المستوى لأن الشعر ذاتيٌّ كلّه فإذا دخل عليه دخيل أخرجه عن الذاتية فكان وإن علا كعبه؛ دون المستوى المطلوب، ولكن لا بأس أن أفعل في بحر واحد فقط بقطعتين شعريتين وأترك البحور الأخرى للشعراء الذين يتبنون هذه الدراسة.

ولكن لا بأس أن أفعل كالتالي:لتيلِأتناول البحر الطويل الثلاثي وهو بهذه التفعيلات:

فَعولُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ، فَعولُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ،

و: فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُـولُ، فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فَعُولُنْ

ولكن قبل ذلك لا بأس أن أشير إلى البحر الطويل التقليدي الذي له عَروض واحدة : مَفاعِلُنْ، وعروض البحر الطويل الثلاثي عروضتان اثنتان على وزن: فَعُولُنْ، و: فَعُولُ، أما الضرب فللبحر الطويل التقليدي ثلاثة أضرب هي: فَعُولُنْ، مَفَاعِيلُنْ، مَفَاعِلُنْ، وأما ضرب البحر الطويل الثلاثي فضرب واحد بالنسبة للنظم الذي قرضت شعرا على منواله وهو: فَعُولُنْ، وقد يتم النظم بزيادة في الضرب ليصير متساويا مع البحر الطويل التقليدي، أو يقل عنه، أو يتجاوزه بشرط إجازته عند استحسان النظم وِفْقَه، كما يمكن أن تتم الزيادة في العروض لتصير عروضتين أو أكثر وعلى نفس الشرط، لا بأس، المهم أن يكون قيدا للنظم إذا اعتُمِد في القريض، أما زحاف الطويل الثلاثي فهي نفس الزحاف في البحر الطويل الكلاسيكي، فيجوز الإتيان بالأثلم في بداية الصدر وهو: عُولُنْ فينقل إلى: فَعْلُنْ، والأثرم وهو: حذف النون في مَفاعِلُنْ فتصير مَفاعِلُ، ويجوز الإتيان بالأثلم والأثرم في نفس التفعيلة الأولى للصدر فتصير: عُولُ، فينقل إلى: فَعْلُ وهكذا كالقبض وهو حذف الساكن الخامس من جميع البيت إلا الكف فلا يجوز الإتيان به في البحر الطويل الثلاثي لاستحالته وهو حذف السابع الساكن في أجزاء الطويل التقليدي لأن البحر الطويل الثلاثي لا سابع له.

وهو:

فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعولن مفاعيلن فعولن

و: فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُـولُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعولن مفاعيلن فعولن

وتقطيعه هو:

ـــــ ـــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0.......... ـــــ ـــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ـــــ 0

ـــــ ـــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ    ........ ـــــ ـــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0

والنظم على منوال هذه التفعيلات:

 فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُـولُ ــــــــــــــــــــــــــ فعولن مفاعيلن فعولن

هو:

ألا أيّـهــــــا الَّيـْل البــهـيــــــــــــــــــــــــــــــــــمُ............... كـــــلانـــا غــواشٌ قــدْ تَمــــــــــدَّدْ

إذا ما الحِجـا غطّــــــاهُ سُخْــــــــــفُ...............يُقـــــيمُــهُ فِــكْـــرٌ إنْ ترَشَّــــــــــــــــدْ

أنا صِنْـــــو لَيـْلٍ فــــي السُّكــــــــــــونِ...............وقِــــبــْلـــــةُ وَلْــهــان تـــهَــجَّــــــــــــــدْ

إذا سَكَـنَ الْقَـــلْبَ الْحبيــــــــــــبُ؟ ..............أنـــــارَهُ بــالْهَــدْيِ مُحَـــمَّــــــــــــــــــــدْ

وتَــأْنــــس كــــــلّ الكــائـــنــــــــــــــــــــاتِ...............بِحِـــــبٍّ لِتــاجِ المَجْــد قلَّـــــــــــدْ

ومـــا عُــمْــر كـَـوْنٍ بالــطّــويـــــــــــــــــلِ...............سَيفْـــنــى ويخـــلُدْ ذِكْــرُ أحْمَــد.

والنظم على وزن:

فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعولن مفاعيلن فعولن

بتقطيع:

ـــــ ـــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0.......... ـــــ ـــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ 0 ــــــ ــــــ 0 ـــــ 0

هو

                 سَــمْــــــحٌ كــريــــــمٌ مَـــــــنْ تصبَّـــــــــــــــــــــــــرْ...........  رَحيـــمٌ بِنُبـْـلٍ قدْ تَــدَثَّــــــــــــــــــــــــــــرْ

حَــمــيمٌ إلـــــــى قَــلْـــــــبٍ حَمــيــــــــــــــــــمٍ ............ بشيمةِ عَفْوٍ قَدْ تَبَصَّــــــــــــــــــــــــرْ

لِــــذي رَحِـــمٍ شَــــــــوْقٌ مُقَـــــــــــــــــــــــــــدَّرْ............ لِذي خَــلَــدٍ حِلْمٌ تَنَشَّــــــــــــــــــــــــــرْ

يَشُـــــدُّ الحـِجــا فِكْرٌ تَمَهَّــــــــــــــــــــــــــــــرْ ........... يَدينُ لِمَنْ أعْطى وقَــــــــــــــــــــــدَّرْ

مــــا غــاب هَـــدْيٌ أو تَــعَـــــــــــــــــــــــــــذَّرْ ........... وأحْمَدُ يهْدي من تَنَصَّـــــــــــــــــــرْ

                 مَــنْ هــادَ أو ضـــــــلَّ واغْــتـَـــــــــــــــــــــــــــرّْ............ ومــن رام ظُــلْمــاً أو تَجَبَّــــــــــــــــرْ.

ولا يقال أخيرا أن البحور التي جئتَ بها خصوصا ما كتبتَ شعرا على منواله ليست من أوزان العرب، لا يقال ذلك، صحيح أنك لن تجد في الشعر العربي قصيدة شعرية على وزن البحر الطويل الثلاثي، ولكنني أول من جاء بشعر على وزن ذلك البحر، وأن ما سُقْتُه يستظل بظل الأوزان العربية للشعراء العرب، وليس شرطا أن يأتي بها عربي، بل قد يأتي بها من كان أعجميا اتخذ العربية لغة له، ولن يكون الانتساب إلى العرب شرطا لتطوير الشعر العربي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة أخيرة

 

أتمنى أن أجد من يبني على ما سقتُ من دراسة فيحسن وضع اللبنات في أمكنتها حتى يظهر الجمال الفكري والعلمي والمعرفي في البناء، وتظهر الدقة في الأداء، ويظهر الإحكام في المُخْتَرَع أو الذي تم إبداعه والحكمة من إيجاده.. كما أتمنى أن ينبِّهني من يرى ضرورة تنبيهي إلى ما لم أكن واعيا عليه، فالله أسأل أن يجعل هذه الدراسة خالصة له، وإذا لم تكن خالصة له فالله أسأل وأسأل ولن أملّ من السؤال أن يجعلها خالصة له ويتقبّلها مني، وأن يقيِّد لأمّتنا خيرا منها حتى تعود إلى استئناف حياتها الحضارية الراقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان البدء في كتابة الكتاب يوم: 18 أكتوبر 2018م

وتم بعون الله في 18 رمضان سنة: 1440 هـ، الموافق لـ: 23 مايو سنة: 2019م.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النشرات الورقية التي صدرت للمؤلف:

(1)  تائية الانتفاضة (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية 2002.

(2)  الكلام الذهبي (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية 1999.

(3)  حكومة الجرذان (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998.

(4)  الديك المترشح (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998.

(5)  الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الأولى سنة 1998 وهي أول كتاب عن الهجرة السرية من مضيق جبل طارق

(6) الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الثانية سنة 2003 والنشرة الإلكترونية الأولى وقد صارت فيها المجموعة من الأدب المَمْدَري سنة: 2007م

La Inmigración Clandestina (Historias Cortas)

(7)  الهجرة السرية بالإسبانية، الطبعة الأولى سنة: 2008.

(8) انتفاضة الجياع (رواية) الطبعة الورقية الأولى سنة 1999، والنشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م، وقد صارت من الأدب المَمْدَري.

(9)  التفكير بالنصوص (بحث أكاديمي). الطبعة الأولى سنة: 1999.

(10)  وجه العالم في القرن الحادي والعشرين (دراسة مستقبلية للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999.

(11)  الإعلام والطبيعة (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001.

(12) الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002.

(13) الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008.

(14) ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009.

(15) طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) الطبعة الورقية الأولى: 2009، والنشرة الإلكترونية الأولى: 2009.

(16) نساء مستعملات (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الورقية الأولى 2010.

(17) سخف الحداثة وخواء الحداثيين (في النقد والنقض) الطبعة الورقية الأولى: 2010، والنشرة الإلكترونية الأولى: غشت 2009.

(18) طنجة النصرانية (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الأولى 2011.

(19) حركة تصحيح مسار 20 فبراير (دراسة للشعارات المرفوعة) الطبعة الأولى 2011.

(20) النظرية المَمْدَرية (في الفكر والأدب والفلسفة)، الطبعة الأولى: 2012.

(21) الجهاز المناعي للقرآن (دراسة أسلوبية) الطبعة الأولى: 2012.

(22) المؤامرة البيئية على ساكنة طنجة (ظلم المحكمة الابتدائية وأمانديس؛ شاطئ مرقالة أنموذجا) الطبعة الأولى: 2012.

(23) بوتين.. حسن نصر الله.. والتلذذ بقتل الشعب السوري (رسالة من أديب مغربي إلى كل من السفير الروسي واللبناني بالرباط) الطبعة الأولى: 2012م.

(24) لصوص ثورة الشام المجيدة (أمريكا، أوروبا، روسيا، الصين، إيران، الشيعة، إسرائيل، تركيا، حزب الله والعرب) الطبعة الورقية الأولى، يوليو سنة: 2013م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النشرات الإلكترونية غير الورقية:

 

(25) جاهلية الشيعة وسخافة عقولهم (دراسة مقارناتية للدين الشيعي) النشرة الإلكترونية الأولى: الاثنين 14 مارس 2016 م.

(26) سيمفونية الكون (مجموعة قصصية)، النشرة الإلكترونية الأولى: الأحد 28 يناير 2018م.

(27) الإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) النشرة الإلكترونية الأولى: الاثنين 13 يناير 2018م.

(28) كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية) الإيداع القانوني للكتاب:

Dépôt Légal : 2019 MO 2128                                                             

ISBN : 978 – 9920 – 37 – 828

ISSN : 2665 - 8690

النشرة الإلكترونية الأولى: 20 رمضان: 1440 هـ الموافق لـ:25  مايو: 2019م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl