ليس من السهل على المتتبع العادي فهم منطق السياسة الروسية داخل تجاذبات الموقف الدولي ؛إذ تبدو سياسة هذه الدولة،أحيانا تسير في تساوق مع المصالح الأمريكية في أكثر من ملف: في سوريا حيث التنسيق العسكري والأمني بين الدولتين و إسرائيل. وفي ليبيا ومصر حيث الدعم المشترك لحفتر والسيسي، وفي كثير من تفاصيل موقف الدولتين من مشروع “طريق الحرير” الصيني، والتهديد النووي الكوري الشمالي... وأحيانا يبدو الموقف الروسي على نقيضه الأمريكي كما في فنزويلا، وأوكرانيا ومنطقة القوقاز.. سياسة غير ثابتة قد تُربك المحلل السياسي إذا لم يستحضر مُعطيين هامين: الأول التفريق بين روسيا اليوم والاتحاد السوفييتي الأمس؛فروسيا دولة ليبرالية رأسمالية تنافس القوى الكبرى للاستئثار بأكبر قدر ممكن من المنافع الاقتصادية التي تتيحها أسواق العالم. فهي دولة غير أيديولوجية كما كان وضع الاتحاد السوفييتي أمس ،ولا هي مهمومة بالصراع المذهبي الذي كان يؤطر سياسة موسكو تجاه الغرب أيام الحرب الباردة.
المعطى الثاني هو أن روسيا اليوم دولة "ضعيفة" نسبيا إذا ما قورنت بالصين وأمريكا ،فاقتصادها غير قادر على منافستهما خارج موارد الطاقة والأسلحة.وسياستها مبنية، بهذا الاعتبار، على الاستفادة من الهامش الذي يتيحه صراع الجبارين على الاستفراد بالموقف الدولي. لذلك كانت سياستها غير ثابتة تتحول في اتجاه من "يدفع" أكثر!
الصراع المفيد
سبق لأمريكا في حقبة الاتحاد السوفييتي أن واجهت تقارب الصين والاتحاد في سياق محاربة المد الشيوعي.وقد نجحت فعلا في تحييد الصين بالشكل الذي أضعف الاتحاد السوفييتي وأودى بهزيمته في النهاية . والآن تعيش أمريكا نفس الموقف: فهي من جهة تخشى قوة الصين وتلاحظ تقاربها المتنامي مع روسيا. وهي تريد إفساد هذا التقارب لعزل الصين وإضعافها. لذلك فهي تحاول إرضاء روسيا باستغلال وضعها المالي غير المُطَمئِن ،وإشراكها في بعض الملفات الساخنة لتقتات على منافعها الاقتصادية؛ فقد سمحت واشنطن لروسيا أن تتدخل إلى جانبها في سوريا عام 2015 ، وسمحت لها ،بالموازاة، بإقامة علاقات اقتصادية مُربحة مع حلفائها التقليديين ، بالشكل الذي مكنها من بيع أسلحة بمليارات الدولارات للإمارات ،والسعودية ، و مصر، وتركيا،وقطر، وإيران... كما دفعت أمريكا حليفها حفتر لعقد صفقات تسليح كبيرة مع روسيا، والتفاوض معها بشأن إقامة قواعد عسكرية دائمة بليبيا..كما أن أمريكا لم تعترض جديا على دخول "الجيش الروسي" لمساندة "مادورو" في فنزويلا ،وتجاهلت ،عمدا،مبدأ مونرو الذي يحرم على القوى الأوروبية التدخل في أي دولة من دول أمريكا الجنوبية ويعتبره عملاً عدوانياً ضد الولايات المتحدة.سامحة للروس بإتمام صفقة بيع صواريخ أرض-جو المتطورة من طراز S-300 للقوات الفنزويلية التي تعتمد في تسليحها على المعدات الروسية منذ عام 2001.كما أن الولايات المتحدة جمدت،إلى حين،تحرشها بروسيا في ملفات أوكرانيا والقوقاز...
من جهتها تبدو الصين واعية جدا بأبعاد هذا التقارب الأمريكي الروسي، لذلك فهي تحاول،في المقابل، تقديم عرض أقوى إغراءً.ظهر ذلك جليا في المنتدى الاقتصادي الدولي الذي عُقد قبل شهور بمدينة سان بطرسبورغ الروسية؛فقد كشف الرئيس الصيني شي جينبيغ عن خطوات واعدة في تكامل العمل بين الصن وروسيا عبر دمج مشروعي «طريق الحرير» و«التحالف الاقتصادي الأوراسي»( الذيي ضم روسيا وأرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقرغيزستان)في مشروع واحد عظيم بما يقضي نهائيا على التوجس القائم بين الدولتين. كما أعلن الطرفان عن نيتهما في إطلاق صندوق مشترك جديد للاستثمار مُقيّم باليوان لكسر هيمنة الدولار الأميركي، بل والتخلّي عنه في التعاملات البينية.فيما وقعت شركة هواوي الصينية على عقد لإدخال شبكة جي 5 إلى روسيا، وإنشاء صندوق مشترك للابتكار العلمي بقيمة 1 مليار دولار،وتمويل مشترك لمشروع تسويق إلكتروني بمجمل 382 مليون دولار.
أما في مجال الطاقة ،فقد اتفق الطرفان على مشاريع كبيرة تهم الطاقة النووية، ومشاريع جديدة لتسويق الغاز الروسي إلى الصين. والتعاون المشترك لتطوير منشأة للغاز الطبيعي في القطب الشمالي...
إن بوتين، وقد كان مدير "الكي جي بي" في الحقبة السوفييتية ، على اطلاع جيد بنوايا الدولتين، وهو الآن يلعب على تناقض مصالحهما باقتدار ودهاء كبيرين بما يقوي الحاجة إلى روسيا لدى الطرفين ويجعلهما أكثر سخاء في خطب ودِّه. لذلك يبالغ في دلاله كسبا لمزيد من المشاريع المربحة لوطنه.
من هذه الصورة العامة للموقف الدولي يمكن فهم" التناقض" الملحوظ أحيانا في سياسة روسيا تجاه قضايانا، فهي دولة ،كما سبق أن أوضحنا،غير مؤدلجة تبحث عن مصلحها الاقتصادية على هامش المُتاح ،ومن ثم فبوصلتها السياسية قابلة للتحول من النقيض إلى النقيض في اتجاه، دائما ،من "يدفع أكثر"!
* كاتب مغربي