الرئيسية » تحاليل سياسية


ليبيا.. أخيرا اتفق

السبت 06-06-2020 07:37 مساء


 

ليبيا.. أخيرا تفق "الكبار" على صيغة لاقتسام ثروتها!

 

    بقلم : مصطفى أمزير.

 

    تتوالى الأحداث سراعا في ليبيا الجريحة بالشكل الذي يُغمض الصورة على المتتبع غير المتمرس بالتحليل السياسي، خاصة وأن هذا التحليل قد أصبح في الآونة الأخيرة، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، مطية للعادي والبادي! بالشكل الذي أصبح فيه الواحد، من خلال ما تجمع لديه من أخبار، يعتقد بأن لديه القدرة على تحليل هكذا موضوع معقد تخطط له دوائر الاستخبارات العالمية بليل، وتعقد في شأنه اجتماعات سرية، وتصرف عليه، لاستغفال الشعوب والتمويه على وعيها أموالا طائلة إعلاميا!

  سماع الأخبار لا يجعل المرء محللا سياسيا بأي حال من الأحوال، قد يجعل منه صحفيا ناقلا للأحداث! أما المحلل السياسي فيلزمه ، بالإضافة إلى تتبع الأخبار، الدراية بالموقف الدولي وبالقوى الفاعلة فيه ، وبالموقع الجيوسياسي للحدث في علاقته بتجاذب القوى المؤثرة ، بالإضافة إلى القدرة على التمييز بين التسريبات الإعلامية المخادعة ،والخطط والأساليب المتحولة،والاستراتيجيات الثابتة.. ولعل أكبر كارثة يعاني منها موضوع ليبيا هو تغليب العواطف في قراءة الوقائع بالشكل الذي تريده الدوائر الاستعمارية أن يكون، تغطية على مشاريعها البعيدة المدى.

    ولفهم مخططات الاستعمار الجديد في ليبيا، يلزمنا إرجاع الشريط قليلا إلى الوراء، إلى ثورة 17 فبراير 2011، اللحظة التي بدأت فيها القوى المساهمة في إسقاط حكم القذافي في نسج خيوط ما يجري الآن.

 

فلاش باك

 

        تعد ليبيا،اقتصاديا،مضخة غير ناضبة للثروة؛ففيها أكبر احتياطي للنفط في أفريقيا، كما أن غازها العالي الجودة المتدفق عبر صقلية يساهم بشكل حاسم في دوران عجلة الإنتاج في جنوب القارة العجوز،فيما لفرنسا وإيطاليا منذ عهد القذافي عقود استثمارية كبيرة دفعت الدولتين أيام الثورة إلى ركوب موجة التغيير بعدما تبين لها السقوط الحتمي للقذافي مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية على خط انتفاضة 17فبراير..ورغم حجم الإغراءات التي قدمها رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل،عقب نجاح الثورة، إلى الدول التي ساندتها ، واعدا بمنحها نصيب الأسد من مشاريع الاستثمار المزمع الإقدام عليها مستقبلا ،والتي من بينها 480مليارَ دولارٍ لإعادة الإعمار خلال عشرين سنة القادمة بواقع 24 مليار دولار سنويا،فإن جشع الشركات الأوربية والأمريكية كان أكبر من الوعود المعطاة،دافعا القرار السياسي ،في كلا المعسكرين،للضغط من أجل الاستفراد بغنائم ليبيا من خلال  إيصال الحلفاء المحليين إلى السلطة. وهكذا وقعت ليبيا في دوامة الصراع الأورو- أمريكي على بسط النفوذ والاستحواذ على أكبر قسط من ثروة هذا البلد. ولهذا السبب لم تستتب الأوضاع ولم يتسنّ للشعب الليبي تحقيق أهدافه من الثورة. دور فرنسا وتركيا و روسيا داخل المعادلة       إذا اتفقنا على أن الصراع المحتدم في ليبيا هو نتاج  التنافس الأورو أمريكي على ثرواتها ، فما الدور الذي تلعبه هذه الدول الثلاث(فرنسا، روسيا،تركيا) في سياق هذا الصراع؟ و ما سر هذا التناقض البادي على الموقف الفرنسي بين الخطاب السياسي الرسمي المنحاز إلى حكومة الوفاق انسجاما مع الموقف الأوربي العام ، و المساندة الاستخبراتية لحكومة طبرق الموالية للنفوذ الأمريكي؟ 

     يعلم الجميع أن علاقة  فرنسا بنظام القذافي كانت تمر بأبهى أيامها؛ فقد استطاع ساركوزي أن يجني للشركات الفرنسية من ذاك النظام عقودا استثمارية استثنائية. لذلك تلكأت فرنسا عند انطلاق الثورة الليبية في دعمها ، وانتظرت إلى أن تبيَّن لها السقوط الحتمي للقذافي، لتنضم ، بعد ذلك،للحشد الراكب على موجة التغيير. كما يعلم الكل  أن حفتر رجل أمريكا الأول في ليبيا ، فهي التي دفعت به لإنشاء ما يشبه إمارة في الشرق الليبي قابلة للتمدد و الضغط على المركز عند الحاجة ، بدعم مالي وعسكري من دول موالية في المنطقة كمصر والسعودية والإمارات.. وداخل لعبة المغالبة هذه ،يمكن فهم سياسة فرنسا في ليبيا ، فالصوت الدبلوماسي المسموع هو إلى جانب حكومة الوفاق الشرعية، والعمل المخابراتي المستتر هو إلى جانب حفتر! في ازدواجية مكيافيلية عنوانها " رابح رابح" تحاول فرنسا من خلالها وضع أحد قدميها في طرابلس والأخرى في طبرق تحسبا لأي تحول دراماتيكي في موازين القوى، كما حصل في ثورة 17 فبراير، ولسان حلها يردد المثل المصري: "نخاف  نطلع من المولد بلا حمص!" .

   أما دور روسيا وتركيا فهما ،باختصار، لضبط إيقاع الصراع بما يقتضيه اتفاق الكبار ، فقد تم استدعاؤهما (بمقابل طبعا كما في السيناريو السوري) من أجل لجم جموح الفصائل العسكرية، وقص طموحها، وترويضه بما يجبرها على القبول بالأمر الواقع. وأمر الواقع على ما يبدو، من خلال اجتماعي برلين وموسكو ، هو اقتسام النفوذ والثروة بين أمريكا وأوربا عبر صيغة سياسية يتم تهيئ خارطتها بإحكام خلال ما نشاهده من تحركات ميدانية وسياسية هذه الأيام. النهاية الوشيكة للصراع

      من يستعرض المشهد الليبي خلال الأسابيع الماضية يمكن له أن يستجمع مجموعة من المؤشرات اللافتة الدالة على ما تم الاتفاق عليه تحت الطاولة، من هذه المؤشرات:

- زحف قوات الوفاق على نقط تماس محددة مقابل انسحاب قوات حفتر بدون قتال ولا ملاحقة من قبل المهاجمين.

- تحركات دبلوماسية نشيطة في المعسكرين أنتجت مجموعة من التصريحات الدالة منها:

- تصريح السفير الأمريكي في ليبيا الذي قال فيه: " على القتال أن يتوقف عند هذه الحدود التي وصل إليها الآن"

- تصرح مماثل للخارجية الروسية : " التصعيد العسكري على وشك الانتهاء قريبا."

- أردوغان: " ليبيا ستدخل مرحلة جديدة تحت رعاية الأمم المتحدة، وتركيا تدعم المبادرات الدولية لتحقيق السلام".

- سفير روسيا في أنقرة: " لدى روسيا وتركيا أهداف متشابهة في ليبيا وهما على تنسيق مستمر"

 

      من الواضح أن هناك خطا ناظما بين كل هذه التصريحات والأحداث الجارية الآن في ليبيا، بالشكل الذي يومئ إلى اتفاق سري بين أوربا وأمريكا لاقتسام النفوذ في هذا البلد ،عبر صيغة توافقية سينطلق التفاوض بشأنها قريبا بين الأطراف المحلية، من خلال مبادرات سيتم الإعلان عنها إما عبر مجلس الأمن ، أو عبر دول إقليمية أو دولية محددة، بعد أن نجح الطرفان، بإشراف روسيا وتركيا، في تهيئ خارطة جيوسياسية وعسكرية لهذا الاتفاق القادم .سترغم الفصائل المتحاربة الوقوف عند حدود ما بحوزتها من الأراضي في قادم الأيام ، وإلا سيكون من نصيب الجامح المندفع منها(كما في سوريا) مذابح الطيران الروسي من جهة، أو السلاح التركي من الجهة المقابلة. وعلى ما يبدو من ملامح هذه الخارطة، فإن الاتفاق سيكون على حكومة كونفدرالية اتحادية - لا قدر الله – كحل سياسي تضمن من خلاله الولايات المتحدة و أوربا  نصيبهما الأوفر من كعكة ليبيا مستقبلا. و بين ما تريده أمريكا وأوروبا وما يمكن أن يحصل على أرض الواقع مساحة للمناورة ، وإن كانت متأخرة وبالغة الكلفة إن حصلت، قد تغير المعادلة وتُفشل التخطيط، وتصنع التحرير الذي من أجله قامت الثورة..مساحةٌ يصنعها الوعي المقاوم وتنفذها الإرادات المخلصة من أبناء ليبيا المتيقظين.

 

 

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

محمد المسيّح يطعن في القرآن بدِياثة معرفية مخطوطات المصحف نموذجا
إدماج التعليم الخصوصي في العمومي ــ الاستثمار في حقوق التعليم للشعب والأمة لا يجوز لأنه ظلم ــ
الدين الشيعي؛ الجذور اليهودية والنصرانية إرهاصات النشأة والتأسيس

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl