|
ردود مفتوحة
قولك أخي جبير (( نريد كلاما علميا مدعما )) يوحي بأن ما ورد ليس كلاما علميا مدعما ، وهو قول صحيح وفقت إليه دون أن تقصده ، فأنا لم أتكلم كلاما علميا ، بل تكلمت كلاما فكريا معرفيا ؛ لأن الفكر والمعرفة والثقافة غير العلم . العلم يعتمد الملاحظة والتجربة والاستنتاج ؛ وهو العلم التجريبي الذي تقصده ، وموضوعه المادة في المختبرات ، بينما الفكر والمعرفة والثقافة غير التجربة ، بل الملاحظة والاستنتاج ، وبهما نستطيع التوصل إلى الحكم على وجود حضارة ألف ، وحضارة باء ، وجيم ، بهما نستطيع الوقوف على صحة القول بأن الحضارة الغربية ( الرأسمالية ) مصنع يتم فيه مسخ الإنسانية . فالإنسان الرأسمالي بعقيدة فصل الدين عن الحياة وعن الدولة واعتناق الحريات الأربع واعتماد الفكرة الخيالية الديموقراطية مسخ تماما ، انظر إن شئت إلى أي نظام من الأنظمة الرأسمالية ففيه من الظلم للعقل والنفس والكون الشيء الكثير ، بل يكفيك اعتماد فكرة الاستعمار كطريقة في خارجية الدول الرأسمالية بواسطتها ينشر المبدأ الرأسمالي والحضارة الرأسمالية . ففي الماضي القريب اعتمدوا في عصبة الأمم على فكرة تقرير المصير وكان القصد منها صراع بين الأخوة الأعداء ، ثم قالوا أن الشعوب غير الرأسمالية لا تستطيع تسيير نفسها بنفسها لذلك وجب استعمارها لتعليمها الحياة وإنضاجها ؛ ثم تركها مستقلة ، وكذبوا حين خلقوا كيانات تابعة لهم تطبق مبدأهم وخرجوا عسكريا ليعودوا مرة أخرى بفكرة نشر الديموقراطية . ألا ترى في احتلال العراق سرقة مغلفة بفكرة القضاء على الديكتاتورية ونشر الديموقراطية . ألا ترى في تصنيف سوريا في القائمة السوداء كدولة راعية للإرهاب ، ثم اجتماع أولبرايت مع بشار في المطار لمدة نصف ساعة عند وفاة والده ومغادرتها دون ملاحقة سوريا شيئا من الحاجة إلى وضع علامة استفهام ؟ ثم إن اختيار الشعب الأمريكي مثلا في الانتخابات الماضية لم يكن اختيارا لشخص بوش ، فلقد تم تزوير الانتخابات ، فأين هي الديموقراطية ؟ انظر إلى حال شعوبنا ، أليس ما يسودها هو النظام الرأسمالي العفن الذي أنتج الفردية والدوران حول الذات حتى ما عاد المرء يحس بقرابة أحد ؟ ألا يعادي الناس بعضهم بعضا باسم الوطنيات والقوميات ؟ أليس الانفصال وخلق الدول الكرتونية جزء من حضارة عفنة ؟ إن ما يساق كأمثلة على فساد الحضارة الغربية ليس منا ، بل من ذات أربابها ، يساق من الحياة اليومية التي يحياها العالم الذي بسطت عليه الحضارة الغربية . أما المرأة فلم تعد امرأة ، بل هي أنثى مجرد أنثى ، والعلاقة معها علاقة بزنز ، أو علاقة حيوانية فقط ، ولا يقال غير هذا ، لأنه بديهي ، ولكنه يصنف ضمن النادر الذي لا حكم له ، وهو ليس موضوعنا .
وقولك أنها ( أي الحضارة الغربية ) (( تستند إلى منجز حضاري )) قول مطابق للواقع لا تقع المغالطة فيه ، لأنه وصف للواقع كما هو في المجرد ، لأن حضارتها مبنية على فلسفة القرن السادس عشر والثورة الفرنسة . فلقد عانى الغرب ( أوروبا حينها ) من ظلم رجال الدين واستغلالهم للشعوب الأوروبية ، ناهضهم فلاسفة ومثقفون حتى توج ذلك بفصل الدين عن الحياة كحل وسط ، فكان الإنسان هو مبدع المبدأ الرأسمالي والحضارة الرأسمالية ، ولكنها حضارة نابعة من عقل عاجز ناقص محتاج متأثر بالبيئة التي يحيا فيها مما يوجد التناقض والأحكام الجائرة في مسألة الخير والشر والحسن والقبح ليعاني بذلك معتنقوها دائما وأبدا ، وفي الأخير تظل حضارة قائمة لها كيان ينفذها ويحملها قيادة فكرية إلى العالم بطريقة الاستعمار وبأساليب ماكرة وبروباكاندا خبيثة لا يفطن لها للأسف حتى المثقف .
إن ما يجب الوقوف عنده قبل الخوض في الحضارة هو الفصل بينها وبين المدنية ، فالأشكال المادية مدنية ما لم تتبع وجهة النظر في الحياة ، والمفاهيم والأفكار والثقافات والمقاييس والقنا عات وهي لكل الناس حضارة .
وأما استخدام عقولنا عند الحديث عما نوده ، أو ما نتعاطف معه فهو كلام بديهي ، غير أن ما وراءه حكم على تقصير القائل عند قوله أن : الحضارة الغربية مصنع يتم فيه مسخ الإنسانية ، ولا بأس ، فكلامي غير مقدس ، ولكنه صحيح يحتمل الخطأ ، ويظل صحيحا حتى يظهر خطؤه .
وأما قولك باستخدام الفصحى بتقنية غربية كاملة من منجز الحضارة الغربية فهو قول يخلط بين النظر إلى العلم العالمي والفكر الخصوصي ، العلم التجريبي الذي أنتج المدنية عالمي ، والفكر والثقافة من خصوصيات كل شعب أو أمة ، وفي العلم ما يتبع وجهة النظر فيلحق بالحضارة ، وما عداه هو لكل الناس نأخذه من أي كان ، نأخذه حتى من أعدائنا بضمانات . انظر إلى كثير من المنجزات العلمية لعرب ومسلمين في كثير من الميادين في الطب والهندسة والفلك والفيزياء والجيولوجيا .. فهل تقول عن ذلك أنه من منجز الحضارة الإسلامية ، أو من منجز الحضارة العربية إن كانت هناك حضارة عربية ؟ لا يقال ذلك لأنه عالمي ، حتى الغرب عند انتهاء الحرب العظمى الثانية تسابق مع بعضه ومع الاتحاد السوفيتي على علماء ألمان ، فالقنبلة النووية الأمريكية والسوفيتية من علم مشترك بين أعداء أخوة وأعداء أعداء فماذا يقال بهذا الشأن ؟ حتى السيدا وجدوه ضمن البحوث الجرثومية لدى علماء ألمانيا ، فلقد تم التوصل إلى ذلك في سنة 1908 وبعد الحرب العالمية الثانية تسلم تلك البحوث علماء فرنسا وأمريكا وطوروا الفيروس حتى قام يفتك بالناس ، زرعوه في الأفارقة في سنة 1961 عن طريق حقنهم بالفيروس بغية الإنقاص منهم والتجريب عليهم ، ثم أعلنوا كذبا اكتشاف السيدا في إفريقيا سنة 1981 ويؤكد هذا الطبيب الألماني المعروف وولف جيسلر .
الحضارة مجموعة من الأفكار والمفاهيم والقنا عات والمقاييس تتبناها شعوب وأمم ، تشترك فيها وتختلف . لماذا مثلا يدافع بلير عن طريقة عيشه ؟ أليس ذلك دفاعا عن حضارته ؟ هذا طبيعي لمن يتبنى أي وجهة نظر .
وأما قولك بعرضي لكلام المؤلف كأحكام قطعية فقول فيه تسرع . إن كلام الله تعالى فيما عدا ثبوته القطعي ظني في معظمه ، وفي ذلك مجال واسع لإعمال العقل حتى لا يقفز فصيح فيتهم ربنا بالحجر والحظر على العقل البشري ، ليس هذا علة فيه أكشفها ، بل هو علة عقلية أسمح لنفسي بتبنيها ما دام ليس هناك مانع . القطعي لا يكون بكلام تجريدي فيه استعارة وكناية إلا إذا تحدد كل ذلك بنصوص يتوهم أنها مفتوحة على عدة احتمالات ، ولكنها للمتمكن العليم نصوص محددة .
وأما قولك عن الجمل الثلاث بأنها مبتسرة فجوابي عليه أنها غير مبتسرة ، ولم تقطع من السياق ، هي جمل مركبة في قالب محدد تتضح فيه المعاني وتسبح في إطاره بغية استفزاز القارئ والمتلقي حتى يسبح في طلبها . الحضارة مجموع المفاهيم عن الحياة . الغربية ، نسبة إلى العالم الرأسمالي . مصنع ، نسبة إلى إطار يطبق فيه الفكر الرأسمالي وتسود فيه الرأسمالية في الحكم والتعليم والقضاء والخارجية والداخلية إلخ . مسخ الإنسانية ، باعتمادها العقل في التشريع الذي ضرب الفطرة الإنسانية وتنكر لها وضام العقل البشرى حين نصبه إلها يشرع للناس ، فسلك بذلك المجتمع وفق ما ضبطه فيه القائمون عليه ، فوقعت الكارثة . الغرب في كارثة فكرية ينشرها على العالم ، ومبدؤه مهترئ عفن برع في تجميله وترقيعه ، وحضارته شاذة .. وذلك لا يخفى على النبيهين من أبناء هذه الأمة ومن أحرار العالم .
وقولك : (( فأين هي سعادة الدنيا التي تحدث عنها مؤلف الكتاب ؟ علينا أن لا نتغنى بالماضي فقط ، فأغلبه تجاوزه العصر بالعلم ، أما المضيء من حضارتنا وتاريخنا فهو محجوب ومخفى )) .
السؤال عن سعادة الدنيا سؤال في غير محله ، لأنه أولى أن يسبق بسؤال : أين هي الحضارة الإسلامية ؛ لأنها هي التي تؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة . إنها موجودة ، ولكن في العقول التي تتبناها ، وتعمل على إيجادها في واقع الحياة . وموجودة أيضا في الكتب . ولا تنسى أخي الكريم أن ألمانيا حين احتلت من الحلفاء لم يمض على احتلال الجزء الغربي منها إلا ثمان سنوات حتى نهضت علميا ومعرفا أتدري لماذا ؟
لأنها حافظت على طريقة تفكيرها .
إن أعظم ثروة مادية تملكها الشعوب والأمم هي شبيبتها .
وإن أعظم ثروة فكرية تملكها نفس الشعوب والأمم هي تراثها الثقافي والحضاري .
فإذا حافظت الشعوب على طريقة تفكيرها إن كانت لها طريقة استطاعت أن تنهض .
ثم إن الماضي الذي تجاوزه العصر بالعلم كان متجاوزا حتى في حينه لولا الانحطاط .
إن إنسان المستقبل في ملايين السنين القادمة سيظل هو نفس الإنسان الحالي في كيفية عقله للأشياء والأفعال ، سيظل هو نفس الإنسان في تبنيه لحضارة ما ، ولكن أساليب عيشه وأدواته سيتم تجاوزها ، وفي ذلك ليس تجاوزا للحضارات ، بل تجاوز للعلم التجريبي ، وما هو مخفي من حضارتنا مخفي بسبب كسلنا نحن المثقفون ، وما هو محجوب يجب علينا إزالة الأدران والأوساخ التي علقت به حتى يغتدي ماء معينا ترتوي منه الحياة والكون .
معذرة مسبقا إذا صدر مني ما يريب ، وشكرا على إثارتك أخي جبير ما نشط ذهني .
أخوكم : محمد محمد البقاش
أخي عبد الوهاب أحمد
ورد في ردك على مداخلتي بمنتدى القصة العربية في باب نصوص مفتوحة قولك : (( لا أدري ما العلاقة بين هذه الجملة وهي : " المرأة كالتفاحة النضرة إذا اختلطت بالعفن لا يعاب على الرجل وضعها مع القمامة " وبين خنفسة الدفن ؛ فموضوعك أساسا عن المرأة وهو موضوع عام ، أما تلك الخنفسة وهي امرأة ، فهي حالة خاصة ، وإلا لحق لنا أن نقول أيضا أين أبو لهب وهو عم الرسول ؟ أين الحجاج ؟ أين يزيد ؟ )) .
سوقي لخنفسة الدفن كان مثالا مجرد مثال عرضته على منى عرب بسبب إشفاقها على المرأة التي وضعتها أنا مع القمامة . فلقد رأت مني في ذلك قسوة على المرأة ، وها أنت ترى أن لا علاقة بين خنفسة الدفن وتلك الجملة علما بأن العلاقة موجودة . صحيح أن موضوعي عام ، وكونه عاما لا ينفي دخول حالات خاصة فيه ، ولا أعني بهذا أن ما سقته عن الحالة الخاصة أقره معك ، كلا ، فخنفسـة الدفن ليست حالة خاصة ؛ لأنها شخصية عمومية في بلدها ، ودولية في الموقف الدولي ، ومن له هذا التأثير يقاس عليه خلاف ما ذكرت . ما ذكرت لا يقاس عليه ، ولكن شرط أن يكون غير ابنة القس الصليبي خنفسة الدفن ، وغير سحلية الكومودور ..
وأما قولك : (( .. أين أبو لهب … )) فلا موقع له في الاستشهاد ، لأنك إذا عنيت الرجل ؛ وقد عنيته ، فعلى الأقل احشره ضمن ما حشرت أنا المرأة ، قل فيه مثلا : الرجل كالتفاحة النضرة إذا اختلط بالعفن لا يعاب على المرأة وضعه مع القمامة ، أو اختر ما بدا لك ، ويا حبذا لو أضفت إلى : (( أين أبو لهب )) حرف من ليأتي المعنى شبيها بالذي جاء في خنفسة الدفن وهي : (( أين موقع خنفسة الدفن من قلوب الجياع ؟.. حبذا لو فعلت لتتبين خطأ استشهادك بأمثلتك . فلو وضعت : (( أين أبو لهب من قلوب الجياع ؟ )) فسوف تصطدم بانتفاء العلاقة السببية أو التشبيهية بينه وبين الخنفسة . إن حرف من في جملتي مرادف لحرف في . وموقع الخنفسة موجود فعلا في قلوب الجياع ، ولكن في جهة المقت والكراهية ؛ لأنها بدولتها ظالمة فوق ما يحتمل .
إن خنفسة الدفـن لا موقع لها من جهة النضارة والمحبة والعدل في قلوب الجياع وأفئدة اليتامى والأرامل ، بل موقعها في النقيض تماما ، لأنها شخصية فاعلة مؤثرة ، وتأثيرها فظيع جدا مليء بالظلم والقهر والجبروت .. أنظر مثلا إلى الزيادات في أسعار البترول ، فمن المتحكم في مادة البترول إنتاجا وتسويقا وتسعيرا ؛ أليس دولة الخنفسة ؟ ثم انظر إلى تأثير ذلك في البلاد العربية والإسلامية والعالم الثالث . أعطيك صورة عن المغرب ، فلقد ازدادت أثمنة السلع والخدمات عدة مرات ولم يزد في أجرة الأجير سنتم واحد ، وأدى ذلك إلى عواقب خطيرة ، حتى المرأة لم تعد تلك التي تجوع ولا تأكل بثدييها . واليوم في إسبانيا ينجح صيادوا السمك في حمل الدولة على بيعهم الكزوال بخمس وأربعين سنتما بسبب الضرر الذي لحقهم من الزيادات ، فهل فعلت دولة المغرب مثلما فعلت دولة إسبانيا ؟ هل خففت على المستهلك معاناته ؟ كلا . من دفع الكثير من النساء إلى العهر ؟ من فقر الناس ؟ من يحرص على إبقاء العالم الثالث على وضع استهلاكي يحقق سوقا مربحة ؟ حتى العرض لم يعد منسجما مع الطلب فما هذا ؟ من يسرق من العالم الثالث 500 مليار دولار شهريا باستثناء أموال بترول العراق ثم يعيد منها 20 في المائة على شكل مساعدات وهبات ؟ أليس دولة الخنفسة ؟ ..
وحين خاطبت جبير بقولي : " بل تكلمت كلاما فكريا معرفيا .. " وقولك أنت أين هذه المعرفة في : " .. وهو قول صحيح وفقت إليه دون أن تقصده " كنت دقيقا في بعدي عن استعمال كلمة العلم ، لأنها مشوشة على من لا يفهم موقفي منها ، صحيح أن العلم يمكن أن يكون معرفة ؛ وهو كذلك ، ولكن الخلط بين العلم كمعرفة ، والعلم كتجربة هو الذي يشوش علينا في موقفنا من الأخذ مما لدى الشعوب والأمم الأخرى ، وأنا هنا أطلب الدقة خصوصا مع من يفكر . ولقد وضحت حينها عندما أشرت إلى جواز أخذ المدنية ، ( وهي ليست حضارة ) أخذ العلوم التجريبية من غيرنا ولا حرج إلا فيما يمكن أن يقصد به التدليس علينا وغشنا ، عندها وجب التثبت فقط ، مثال ذلك قد نستأجر عالما فيزيائيا يصنع لنا مفاعلات نووية ، يعلمنا صنع أسلحة العز الكامل .. ولكن استئجاره ممن يعتدي علينا ، ويحتل بلادنا ، ويقصد استغلالنا لا يكون ، وإن لم نجد غيره نفعل ، ولكن بضمانات كما أسلفت .
والقول الذي وفق إليه جبير دون أن يقصده جاء من استنتاج مفاده أن جبير حين تحدث عن المنجز الحضاري كان يتحدث عن شيء لا أتبناه أنا ، وهذا خلاف يزول بمجرد فهمه ما أقصد ، لأني قد فهمت قصده ، إنه يتحدث عن الأشكال المادية التي هي مدنية جلبها العلم التجريبي ، ولكن مع شيء من الخلط بينها وبين الحضارة ، وهذا لا عيب فيه ، لأنه يجوز علينا جميعا ، ولا يقدح في شخص ما أن يخطئ ، لأنه حتما خطاء ، وكونه لم يقصـد ما جاء به ، وكون ذلك نابعا من خبط ، فهذا مردود عليك أخي الفاضل ، ويمكن أن يحسم فيه صديقنا جبير بكل أمانة ، فاسأله ، وأنا أسأله هنا وأطلب منه جوابا يقر بخطئي أو يقر بخطئك ، فتقدم أخي جبير ولا تتردد فنحن هنا نمثل ثلة مثقفة أرجو أن تتعامل مع بعضها بشفافية وصدق . ومثال ما ذكرت موجود في التاريخ ، وكونه موجودا لا أعني به الفراسة والتليباثية ، وقد تكون ، بل أعني به الموافقة التي تحصل أحيانا في تلاقي الأفكار والمواقف .. ولكي أحسم في هذا أحيلك على شاعرة قديمة أستحث بها منى عرب للإدلاء بدلوها هنا . قالت الشاعرة :
ما لأبي الذلقاء لا يأتينا وهو في البيت الذي يلينا
يغضب إن لم نلد البنينا وإنما نعطي الذي أعطينا .
هذه الشاعرة لم تكن تقصد الحقيقة العلمية من قولها ، ولكنها قالتها وعبرت عنها بمنتهى الدقة . فالله تعالى في القرآن العظيم قال : (( وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى )) . وقال أيضا : (( ألم يكن نطفة من مني إذا يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه ( من المني ) الزوجين الذكر والأنثى )) .
المرأة لم تكن تعلم أن نطفة الرجل تحتوي على الذكورة والأنوثة وكأنه حلزون يحمل جنسين معا . هذه المرأة لا يجوز القول بأنها قصدت إلى الحقيقة العلمية ، لأن معرفة ذلك جاءت متأخرة جدا في القرن العشرين بوسائل لم تكن معروفة سابقا . فقولي أن المرأة لم تقصد ، مثل قولي أن الرجل لم يقصد ، وهو قول يدل على سبر للنفس ، وهو جميل إلا أن يعتقد بيقينيته دون دليل شاف يقطع بصحته ، وهذا لم أقل به ، ولن أقول به ، وإنما أقول رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ويظل صوابا ما لم يظهر خطؤه .
وأما قولك : (( هل هذه معرفتك التي تسمح لك أن تحكم على مثقف لا تنكر ثقافته .. )) فقول فيه تسرع، ولا أقول غير ذلك ولو هو قول يحتمل غيره؛ لأني أحسن الظن بكم.
صحيح أن الإنسان الذي يتنكر لفطرته ولا يقر بعجزه واحتياجه إنسان فاسد. والإنسان جنس فيه الذكر والأنثى، وعليه فإن الرجل أيضا يستحق وضعه مع القمامة ولا غرابة، ولقد صغت الجملة صيغة بها ذكر لتحقق ما ذهبت إليه ولا ضير.
أخي الكريم:
ما لا أوافقك عليه هو قولك عن الحضارات حيث لا فائدة من طرحه كما تفضلت لأنه يؤدي إلى الكراهية والتفرقة على حد تعبيرك. هذا الكلام يخطئ من يقول به، لأن كونه يؤدي إلى الاختلاف مع حصره بأداة استثناء يجعله كلاما غير دقيق أولا ، وكلاما لا يطابق الواقع ثانيا . فهل اختلافي معك هنا بالذات يوغر صدرك علي ويملأه بالحقد والكراهية ؟ لا أعتقد ذلك .
فهيا إلى مناقشة الحضارات، فببلورتها نستطيع اختيار ما ننهض به، فنحن في أمس الحاجة إلى النهضة المعرفية والفكرية اللتين بهما نتحرر من التبعية ونبني استقلالا غير مزيف.
وأما استشهادك بالبيت الشعري فهو استشهاد في غير محله، لأنك جعلت منه ردا، فلو كان غير ذلك لحمل على الاستئناس، أما أن ترد به علي فلا، لأننا بصدد الفكر، وليس الأدب. ولا بأس أن أزوجه ببيتين شعريين آخرين يدخلان حيزه. ولا تعتبر ذلك سوء أدب مني ، لأننا هنا في المنتدى مطلوب منا تبيان الخطأ ونقد الرأي ، والمنقود رأيه لكي يتأكد أنه على الجادة وجب أن لا يخشى النقد إذ لا يخشاه إلا الفارغ وأرجو أن لا أكونه حتى أتعلم وأرتقي ، لأننا نخاطب الرأي العام ، فإذا علمنا بوصول رأي خاطئ إليه وجب نقده ونقضه وهذا واجب ، أما إذا كنا في حديث محصور محدود لا يخرج إلى الناس فقد نغير أسلوبنا وطرحنا ، فشكرا سلفا لمن يبين لي خطئي .
يقول الشاعر :
ومن لا يغمض عينه عن صديقه......... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتبع جاهدا كل عثــرة..........يجدها فلا يسلم له الدهر صاحب.
======
صديق المنتدى المحب :
محمد محمد البقاش من غرناطة
|