|
مدرسة بلا عنوان
(قصة قصيرة)
====
كل شيء له طعم جميل.. جميل للغاية، له طعم خاص حلو المذاق، إنه منظر يسعد القلب، لما تكون وحيدا تتوق إلى الحرية، ويقع في النفس إحساس غريب ينبئ بجوع شديد إلى الحياة بكل مظاهرها، إنه يملأ الروح والكيان والوجود .
السجن موت رهيب للحياة.. والخروج منه انبعاث للجسد من جديد، كل الناس يتعوذون من المرض، ولكني أرى المرض نعمة، انه شيء جميل، المرض نعمة، شيء رائع.
ربما يكون جهاز التفكير عندي مختل الأساس، فشرود الذهن قد يذهب بكل الأحاسيس الموجودة في الأعماق، ربما السجن يذهب العقول، فقد رأيت كثيرا من المجانين، ولا أعدوا أن أكون واحدا من بينهم، ثم إنني لم أعد أعرف حقيقة الحد الفاصل بين عالم العقل وعالم الجنون، ربما أفضل هذا الأخير لأني بذلك أتخلص من عالم الواقع لانتقل إلى عالم انكشاف الحقائق الكبرى، حيث لا وجود للثوابت، فكل ما ينكره العقل يقر به الجنون.
إنني عندما أنتقل بالذات إلى عالم الجنون تنفسح الأحلام أمام عيني الباسمة، وأرفعها إلى السماء الزرقاء الصافية، إنه العالم الذي يجهله العقلاء، لكن سرعان ما أنزل ببصري إلى الأراضي الفسيحة الممتدة امتداد الأمل في العروق، فكانت خضرة الأرض ورحابة السماء بالنسبة لي انفتاحا للآفاق، لحلم جميل ورائع.
لا أدري هل لهذه الصورة التي أشاهدها حقيقة في أرض الواقع، ثم يصعد صدري إلى الأعلى لأتنهد، أحاول أن أرفع يدي صوب السماء شاكرا لهذه النعم التي أحسها أكثر من غيري آلاف المرات، فمتى تتاح لنا الفرصة يا ترى للخروج من هذا الكهف المظلم، إنها الحقيقة التي لا مفر منها، كان القيد الحديدي يغل يدي، والزبانية يحيطون بي من كل جانب، "عن اليمين وعن الشمال عزين"، وعربة الشرطة هناك مغطاة بشبكة سلكية تبدو لي على بعد أمتار قليلة تثير في نفسي التقزز والاشمئزاز، ومن خلفي توجد بوابة السجن القاتمة المغلقة.
إنها آلام السنين والأيام، ما لهذه الروح البائسة تمر في زنزانة ضيقة؟ في بعض الأحيان أسمع صوتا يهمس في أذني في رقة وحنان قائلا: "لا تحزن في السجن أبرياء مظلومون مثلك، غدا تفرج، ولكن سرعان ما أصطدم بالجدران العارية.
مرت فترة صمت رهيب، شعرت بعدها بيد السجان تتحسس القيد الحديدي، يحاول تحرير يدي من القيد معتذرا عن تركه لي هذه المدة الطويلة مرميا بين السراب، بعدها جففت عرقي ومسحت على مجامع فمي لكي أنفث دخان البرد في الهواء، إنه جو بارد في العاصمة.
إنني الآن أقتاد إلى المخفر، أرى الشارع الكبير من بين الثقب الصغيرة لعربة الشرطة و يتراءى لي بعض السيارات وبعض الناس ينعمون بالحرية، وأنا أعاني حرمانها، لا يفصل بيننا إلا هذا الصندوق الحديدي الذي يوجد داخل العربة، أفتح ذراعي على مصراعيهما وكأني أريد معانقة هذه الدنيا بما فيها ونسيت إلى حين؛ أن أمامي فترة لا أعلم مداها ولا نهايتها، كل ذلك في كتاب.
عدت للحديث مع نفسي، لأنني ضعت، أصبحت في حالة لا تسمح لي بالكلام مع أحد، إنه القانون فلا شأن لي بهذه الأعراف، المهم أنني موقن بغياب أي دستور يمنع الحديث إلى النفس، ثم قلت في نفسي" في السجن يجد الإنسان الطعام والشراب والكساء" "لا أظن ذلك" والنوم، لكني دائما أحس بالجوع، وظمآن باستمرار، قلق متوتر لا أنام إلا غَرارا.
إن نهاية العمر خير بكثير من البقاء خلف الأسوار على هذا الحال من الضنك، فلا يصح أن يسجن الإنسان، لأن ذلك ظلم في حق البقاء، وفي منحة السماء، لكن سرعان ما أرد على نفسي بنفسي وأقول: " إن نهاية الآلام مكتوبة على الجميع، على السجان والمسجون والآمر والمأمور".
لما وصلنا المحكمة الوطنية بالعاصمة أدخلت من "الكراج "من بابه التحتي.. فتصاعد الدم إلى وجنتي، وتبللت عيناي بندر من الدموع، وهممت بالمسير، والقيد يضغط علي، فارتبكت خطواتي في هذا النفق المؤدي إلى بعض الزنازين الكهوفية، بعض النظرات الفضولية تلاحقني وتحاصرني فأزداد ارتباكا وخجلا وحنقا أيضا.. إن هؤلاء الذين ينظرون إلي هذه النظرات القاتمة الصارمة لا شك أنهم يصمونني بالإجرام والإثم و الفساد، يسرون في أنفسهم "لا يصلح في المجتمع" لكنهم لا يعرفون عن حقيقتي أدني شيء يذكر..
آه آه لو عرفوا وعلموا حقيقة البهتان لأشفقوا علي، بل لانهمرت دموعهم أسى من أجل هذا القلب الحزين، لكن ما الحيلة والقيد قد وسم على جبيني وصمة العار. كلمات العزاء لا تفيد ولا تنفع البريء ولا تواسيه حينما يصب عليه سيل اللعنات. بعد ساعات في الزنزانة المنفردة على الرصيف والفراش القديم، نفسي لم تتق للجلوس عليه، على بعد أمتار مني يوجد عدد كبير من الشرط أصحاب القبعات الزرق، وعشرات السجناء ينتظرون دورهم للصعود إلى الأعلى حيث يوجد السيد القاضي على أريكة ناعمة، يتحير كأنه على الأرجوحة، لكنني لم أكن أتوقع منه هذه اللباقة كلها، فقد عاملني معاملة ترقى عن المستوى الذي كنت أتصوره، فقد قدم لي شرابا باردا بعد أن وصلنا إلى نصف التحقيق.
لطافته معي جعلتني دائما أتذكره واحترمه في نفسي احتراما.. جالسة إلى يساره امرأة طاعنة في السن، وعن يمينه فتاة شابة حسناء، يبدو لي أنها السكرتيرة الخاصة للسيد القاضي (خوان) كل شيء حولي يضيق.. أبيض.. إنه عالم آخر على النقيض من السجن تماما، كل شيء فيه كالح سوى اللون الأصفر.
إنها صغيرة السن، حلوة التقاطيع، بشرتها مشرقة موردة قلما تنظر لشيء، منهمكة في العمل على جهاز الكمبيوتر(الحاسوب) الموضوع أمامها. تفاحة جميلة.. وجائع أضناه الحرمان، لكني ما زلت ملتصقا بالأرض، حقا لقد نزعوا عني القيود إلى حين.. لكن نفسي وروحي تشعران بالقيود، بين الفينة والأخرى يسألني القاضي سؤالا لكنني تهت في عالم آخر، روحي مشغولة بأشياء غامضة، قلبي يرتعش كقلب طفل، نظراتي لا تتحول، لقد نسيت الأيام التي قضيتها خلف القضبان، ربما لأن السجن لا توجد فيه مثل هذه الجميلات، فقط تقابل بعض الوجوه التي أكل عليها الدهر وشرب.
بدد أحلامي صوت مرعب هز كياني، إنه صوت المترجم قال لي: "حضرتك أين تسكن" فقلت له: "إنني أسكن بالسجن على مقربة عامين" قال لي عفوا: "أريد عنوانك بالخارج" قلت له: "الآن إني أوجد في الداخل، فالخارج أصبح عندي عالما مجهولا لا أعلم عنه شيئا، فأموالنا قد ورثها غيرنا، ونساؤنا تزوجوا بغيرنا، فلم أعد أتذكر أي عنوان لضعف أعاني منه في الذاكرة، فقد أصبت بآفة النسيان، فقد سكنت في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وفي أماكن كثيرة من بلاد القوط، لكن لم أعد أذكر منها شيئا ولا اسما.. الآن أصبحت رهين القيد والعاصفة.
=====
سمير طحطح
|