|
جدران بلا ألوان
كتبها: سمير طحطح
أنا مدرسة بلا عنوان، وأنا المعلم، وأنا الصولجان، وأنا القائم على حماية الجنان.. أسوار مؤسستي مصنوعة من اللؤلؤ والمرجان، لكن أبوابها مطبقة ومحكمة بالسنان.. هي مؤسسة قد ذاع صيتها، كانت دائما تحتوي على الألف والألفان، وقد تخرج منها أفواج من القطعان.. الراسبون فيها شجعان، والمجتهد ينعت فيها بالجبان..
مدرسة أنا بلا عنوان، تاريخ بؤسها قد اشتهر عبر الأزمان، بكثرة الشغب وقلة الأمان، عند التسجيل فيها يُعز المدير والمعلم فيها يهان..
مدرسة أنا والتدريس فيها بفنجان، رغم ما يشاع عنها من سيادة الفساد إلا أن الرشوة تسدد فيها بالكتمان مقابل التعليم بالمجان..
قد القي حول المؤسسة ألف قصيدة وصبوا عليها ألوانا شتى من الألحان.. ففيها أقسام بالية وأروقة لا تعكس إلا الظلام، وأدوات مبعثرة بإحكام، فيها جدران بلا ألوان، وكراسي بلا قوائم ولا أوزان، تلامذتها مشهورون بالفوضى وانعدام النظام، توجد هذه المؤسسة على حدود خريطة الأصفار، فوق الهضاب وخلف الأنهار.
كان السيد المدرس لا يبالي بكل هذه المعطيات، همه الأكبر كان الفوز في الامتحان، وتحصيل مهنة شريفة تسوي له العظام والبنان، يكفيه أن حظه في التعيين قاده إلى مؤسستنا الشهيرة، فمعظم رفاقه تم إرسالهم إلى منطقة نائية في الصحراء.
عود على بدء عند استهلال العام الدراسي كان لابد إذن للمعلم أن يقتني الحمار، كي يتمكن من إلقاء الحصص في وجه النهار، وفي المساء يحضر السيد المدير وفي انتظاره القطار، كل هذا لان له قرابة ما تجمعه بقائد الدوار.
أما المعلم "الدرويش" فلا فرق بينه وبين تلميذه سوى اللوحة السوداء التي علقت على الجدار، لكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن قضية امتطاء الحمار ليست مسالة خيار، بل لديها علاقة مباشرة بارتفاع أسعار قطع الغيار. فهل يا ترى السيد الوالي على علم بما يجري خلف الستار، أم أنها عادة انعدام المسؤولية وكثرة الاستهتار؟
خلف الأسوار، انتبه تلميذ في القسم إلى نقطة مهمة فبادر بالسؤال قائلا: يا أستاذي أين يقع المدخل الثانوي وأين توجد البوابة الكبرى لمؤسستي؟ فما كان من السيد المعلم إلا أن أصيب بالدهشة والدوار، وبقي مسمرا في مكانه لا يحرك شفتيه من شدة الانبهار، ثم بعد لحظة وجيزة من الزمن تذكر انه يتسور الأسوار ويمتطي الحمار ويسكن خارج الدوار، فأجاب قائلا وببرودة دم: يا بني هذه مدرسة بلا عنوان.
...
|