الرئيسية » ثقافة وفنون



 

ظاهرة السرد القصصي العاري عند محمد محمد البقاش في مجموعته القصصية: الهجرة السرية " مجاز في هجرة سرية نموذجا "

 

 

عرف السرد المغربي المعاصر أوجها متعددة من حيث الصياغة والتقويم والبنية تعددت بتعدد التجارب السردية التي خاضت المغامرة خلال 50 سنة مضت ونيف شهد خلالها تحولات تيماتية استجابت لرغبات أصحابها الناتجة عن تغير الوضع السائد سياسيا وثقافيا وتغير النزعة من موضوعية إلى ذاتية خلال تلك الحقبتين المتباعدتين.

هكذا عرف السرد مع جيل المؤسسين إبان الحركة الوطنية صحوة موضوعية فرضها الوضع السياسي المؤرق والمخجل وأفرزها كل من الحمولة الثقافية والوعي بالمطالب الجماعية للشعب المغربي المحتل، مما جعل السرد يحتفي بالموضوع أكثر من احتفائه باللغة وعوالمها، ثم تحول مع المحدثين وجيل الشباب إلى النزعة الذاتية التي ترمي إلى تحقيق أهداف ذاتية ورغبات مكبوتة متأثرة في ذالك بما طال السرد في العالم العربي وخاصة المصري والسوري من احتفاء باللغة وجمالياتها وتوسيع حاويتها لجعلها قادرة على حمل ما يستطيع الشعر النثري حمله، مما جعلنا ننظر إلى بعض المحاولات السردية الجادة التي لا تنحو نفس النحو نظرة التبسيط أحيانا، ونظرة مشوبة بنعتها بأسلوب المقالة أحيانا أخرى، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو:

هل يحتاج السرد العاري إلى رداء الشعر حتى يصير جميلا؟ أو حتى يصير جنسا أدبيا كامل النضج والعنفوان؟ أو بالأحرى حتى لا ننعته بالأسلوب المقالي؟

إن السرد لا يحتاج إلى حضور الشعر فيه أو التخفي تحت ردائه أو الخضوع لسلطته حتى يصير جنسا أدبيا قائم الذات، ولكن ما يجعله كذلك؛ هي خصائص صياغته ومقوماته البنائية الذاتية التي تختلف من قصة قصيرة إلى رواية إلى مسرح إلى.... أما حضور الشعر فيه فهو حضور جمالي كالملح في الطعام على حد تعبير محمد برادة، والعكس صحيح.

يعالج الأستاذ محمد محمد البقاش ظاهرة الهجرة السرية في مجموعته القصصية ''الهجرة السرية'' بأسلوب سردي قصصي يغلب عليه الطابع الواقعي القليل الاستعارات البعيد الإيماءات الواضح المرامي والرغبات عادة ما لا يولي الفضاء الذي يستأثر بالأحداث أهمية.. لكن ذلك لا يجعله مقالة، ولا يخرجه من دائرة الانتماء إلى جنس القصة القصيرة، ولا يجعله يتجرد من جمالياته السردية القصصية التي شاء صاحب رواية:  ( انتفاضة الجياع ) أن يؤثر بها في قارئه المحتمل.

ولأجل هذا الغرض سنتناول القصة القصيرة المعنونة بـ ( مجاز في هجرة سرية نحو إسبانيا ) بالتحليل للوقوف على الأفق الأدبي الذي رمى إليه صاحب العمل.

يجيء العنوان ( مجاز في هجرة سرية نحو إسبانيا ) مثل جيئة العنوان الرئيسي للعمل السردي الذي بين أيدينا كمطرقة على رأس ظريف دون إحالة أو محسنات لغوية أو خيالات قد تظهر في أفق موسيقاه اللغوية أو تكثيف للدال حتى يغرق المدلول في مستنقعات الغموض التي يسقط فيها كثيرا من كتاب الشعر النثري، بل إنه يجيء واضحا من غير تصنع أو تكلف ينم على أن الكاتب ليس محملا بأفكار جاهزة مسمومة يحقنها في لغته راجيا منها نتائج ورغبات محددة قبليا، وعلى هذا المنوال يقيم محمد محمد البقاش جسرا قويا بينه وبين قارئ محتمل تخيله أثناء الكتابة ليبحث عن أعذار لبطله ( سعيد ) للجوئه إلى الهجرة السرية مثله في  ذلك كمثل باقي أبطال القصص الأخرى المكونة للمجموعة.

فبالرغم من معرفة القارئ بأن (سعيد ) مجاز من خلال العنوان أخبره بأن تلك الإجازة لم تأت من فراغ، ولكن عائلة بأكملها كدّت وشقت من أجلها، وبنت لذلك قصورا من الأحلام، ولكي يجعل بطله يفكر في الهجرة السرية فاقم من اليأس الذي تعرض له بعد أن أوصد أمامه كل أبواب العمل إحالة إلى الواقع المزري الذي يعيشه الشباب الحاصل على الشواهد العليا، وما يتعرض له من يأس وخيبة أمل مما سيجعل القارئ المحتمل يتفهم قرار ( سعيد) بالتفكير في الهجرة السرية حتى يتعاطف معه، ويشفق عليه، ويقيم تلك العلاقة العاطفية التي يسعى كل كاتب لإقامتها بين القراء وأبطال عمله، ولكي يزيد من التأثر الذي وقع فيه القارئ؛ أخبره بأن هذه الهجرة السرية لم تأت من أجل تلبية رغبات ذاتية وأحلام واهية، وإنما ستتم من أجل أسرة بأكملها اجتمعت يوم عيد.

لقد هيأ الكاتب لبطله ( سعيد ) المناخ، إذ مكّنه من المادة اللازمة ومكّنه من اللقاء مع (الحراك) بطله الجديد ( الرُّوَيْبِضة )، وأركبه المركب، وسار به في المجهول يمخر عباب البحر الذي سيستأثر بأحداث جديدة.

إن صراع الخير والشر صراع أزلي يستفيد منه كل كاتب للتأثير في قرائه، لذالك عمل الكاتب في هذا العمل على إقامة صراع بين الخير ـ سعيد ـ والشر ـ الرويبضة ـ مادام هذا الأخير محترفا في إزهاق أرواح الأبرياء، لابد من انتصار الخير على الشر لينال الكاتب رضا القارئ، لذالك جعل من سعيد ذكيا حتى يفطن لحيلة الروبيضة، وبطلا حقيقيا حتى ينتصر عليه، وعلى عكس ما كان ينتظره القارئ، عاد البطل إلى أهله ومعه مال اعتبره الكاتب حلالا رغم ما يشوبه من التباس، ولكي يزيل هذا اللبس جعل سعيدا يعود إلى التعليم ليستثمر المال في الخير مما يضفي عليه نوعا من المشروعية مخافة أن ينفر منه القارئ، وتتكسر بذلك العلاقة التي أقامها مع بطله، ويتكسر الجسر الذي بناه بينه هو شخصيا والقارئ المحتمل حتى يجلبه إلى قراءة القصة الموالية.

لغة سردية عارية مسترسلة وانسيابية لا تصنُّع ولا تكلُّف فيها تخدم قطعا الجنس الأدبي التي هي فيه، لا تحتاج إلى محسنات لغوية، أو لحضور الشعر حتى تعثر على هويتها وانتسابها إلى جنس القصة القصيرة، وبذالك تكون القصص الواردة في المجموعة قصص جميلة في بنائها، سهلة التناول لدى الناقد، وواضحة المعالم لدى القارئ العادي.

إن تجربة محمد محمد البقاش السردية القصصية في هذا العمل رغم ما يشوبها من لبس حول الجانب اللغوي؛ تبقى تجربة متميزة يجب أن تنال حقها من النقد والاهتمام.

إنها ليست تجربته وحده، وإنما كلنا شركاء معه فيها.

==========

إدريس السايب

 

 

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

اليهود المغاربة مجرمون بهجرتهم إلى إسرائيل، ثم عودتهم إلى المغرب
إشعال الحرب بين المغرب والجزائر هدف إسرائيلي أمريكي
القانون العام لنظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl