الرئيسية » أخبار وطنية ودولية



سلسلة تأملات قرآنية

لماذا لم يجعل الله الناس أمة واحدة؟

(2)

 

قال الله تعالى:((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) (48) المائدة.

لقد جعل الله تعالى الناس أمة واحدة، وقد وضّحنا ذلك في سلسلة تأملات قرآنية رقم: (1) وكان ذلك في بداية الخلق حتى انحراف الناس عن تعاليم آدم الممنوحة له من الله تعالى، وعند الانحراف لم يترك الله الناس على الكفر به وإنكار وجوده، بل شرع يبعث إليهم الرسل تلو الرسل حتى ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا أن الأمر الهام في بعث الرسل باستثناء آخرهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أن جميع الرسل حين كانوا مرسَلين إلى أقوامهم كان في ذلك ورود العقاب الدنيوي قبل الأخروي بتدميرهم وسحقهم والقضاء عليهم إذا لم يؤمنوا، وكذلك كان، والحجة على الناس وليست على الله لأن الله تعالى قد فطرهم على الإيمان وجعلهم من ذرية مهدي من الله تعالى وهو آدم قد منحه تعاليمه فشرع يعلمها لهم وما بخل وقد وفّى حتى انحرفوا من بعده ليرحمهم الله تعالى بالرسل حبا منه أن يعيدهم إلى الصواب، أن يعيدهم إلى عبادته وحده، أن يراهم على توحيده فكان يهلك كل من لم يكن يؤمن به وبما جاء عن رسله من الأقوام، وبما أن الله تعالى من أسمائه الحسنى؛ الرحيم، فقد أوقف عن الناس العقاب بسبب عدم الإيمان به وتركه إلى ما بعد الموت، والسبب في ذلك رحمته هو ورحمته المجسدة في محمد بدينه الحق وشريعته السمحة ولكن لكل من الناس شرعة خاصة بهم فتعددت الرسل، وتعددت الرسالات في فروعها وتشريعاتها وتوحدت في مبادئ أصولها والعقائد التي كانت لها إذ قد كانت المعتقدات كلها واحدة، فما من نبي خالف نبيا في عقيدته، يخالفه في شريعته نعم، أما في عقيدته فلا، وقد بقيت العقوبة ثابتة ولو في مجال الاختلاف في الشريعة وهو اختلاف لا يكاد يذكر إذ لكل شرعة ومنهاج، وحين بُعث محمد صلى الله عليه وسلم توقفت العقوبة وقد كانت بسبب الكفر، توقفت ولو أن الكفر باق ولكن الله تعالى ترك ذلك لما بعد الموت، والسبب هو الرحمة المهداة، هو محمد صلى الله عليه وسلم، فجاء البشرية بالإسلام، وخُيِّر الناس بين الإيمان به وعدمه ولا عقوبة على ذلك من الله كما كانت في الأمم الغابرة، وهنا، هنا بالذات تبين أن الاختلاف بين الناس لم يرده الله تعالى، هذا مبدأ،ً ولكنهم حين كفروا به أبقى عدم رضاه على كفرهم وأبقى عدم محبته للكفر به ولكنه لم يرد أن يجعلهم أمة واحدة إذ قد كانوا، أراد أن يكونوا أمة واحدة ولكن بإعمال العقل واتباع محمد، فلو أراد أن يحملهم على الإيمان لفعل، ولكن ظهرت منه جل وعلا رغبة الابتلاء، فابتلى الناس فيما آتاهم لأنهم باستطاعة الاختيار بين الإيمان والكفر، وباستطاعة إعمال العقل لاتباع ما يريدون، فكانت رغبة الله في عدم جعلهم أمة واحدة كما كانوا في السابق هي أنه يبتليهم بسبب ما منحهم من حرية الاختيار وإرادته دون إكراه، فكانت النتيجة أن العقوبة التي كانت في الأمم السابقة قد أزيلت من الحياة الدنيا، ولكن تم تأجيلها لما بعد الموت وفي ذلك وقت كاف للعودة إلى الله تعالى وتعرية الكفر والتمرد عليه بالعقل السليم والإرادة الحرة.

ولا يعني هذا أن الناس ليسوا أمة واحدة، كلا، ولكن ليس ذلك في البشرية جمعاء، فالأمة الواحدة اليوم هي تلك الأمة التي تكون عقائدها واحدة، ومقاييسها واحدة، ومفاهيمها واحدة، وشريعتها واحدة ولو أن تكون أعراقا مختلفة وأجناسا متعددة، تكون وحدة الرضى والغضب أي الشعور موحّدة، ووحدة الإدراك موحّدة أيضا، مثال ذلك أمة الإسلام، فهي أمة واحدة من دون الناس كما قال الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أجناس وأعراق في أوطان كثيرة ولكنهم أمة واحدة الأصل أن يعيشوا ويحيوا دون حدود ودون تعدد في الدول، ولن يعودوا إلى لحمتهم التي مزقها الاستعمار وأعانه عليها خونة من أبناء جلدتهم إلا إذا كانت هذه المفاهيم هي مفاهيمهم قد رضوا بها؛ يعملون على تجسيدها في واقع الحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش

طنجة في: 24 ــ 08 ــ 2018م

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl