الرئيسية » كتب وإصدارات



بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة منشورات الجيرة الورقية والإلكترونية، إصدار رقم: (29)

  ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

فيزياء الفعل لكلّ بَدْء

(العدم وإشكالية إعادة المعدوم نموذجا)

(دراسة أكاديمية)

ـــــــــــ

 

 

المؤلف:

 

محمد محمد البقاش

 

ـــ الكتاب: فيزياء الفعل لكلّ بدْء (العدم وإشكالية إعادة المعدوم نموذجا) (دراسة أكاديمية)

ـــ المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي.

ـــ الحقوق المادية والمعنوية محفوظة للمؤلف.

ـــ النشرة الإلكترونية الأولى: 23 مارس 2020م.

ـــ النشرة الورقية الأولى: لم يطبع الكتاب بعد.

ـــ الإيداع القانوني: 462 ـ 98.                                      

ـــ ردمد 1114 – 8640 ISSN  . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاتصال بالمؤلف

محمد محمد البقاش

حي الزودية ـ زنقة: 10 ـ رقم: 16 ـ طنجة ـ المغرب.

أو:

حي الدرادب، زنقة المعدنوس، دار البقاش، طنجة، المغرب.

الهاتف المحمول:

 0671046100    GSM:

(+212) 671046100

www.tanjaljazira.com

mohammed.bakkach@gmail.com

 

Mohammed Mohammed Bakkac

Quartier: Zaoudia – Rue 10 - N: 16 Tanger – Maroc.

Ou

Dradeb ; Rue du Persil ; maison bakkach ; Tanger ; Maroc.

Site :

www.tanjaljazira.com

Email :

  mohammed.bakkach@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــ

كتاب: فيزياء الفعل لكلّ بَدْء (العدم وإشكالية إعادة المعدوم نموذجا) (دراسة أكاديمية)

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفهرس

 

الفهرس    ...............................................................................  (03)

استهلال   ...............................................................................  (05)  

العَدَم القَبْلي    ......................................................................... (07)

العَدَم البَعْدي    ......................................................................... (13) 

العدم المعرفي   ....................................................................... (15)

العدم العلمي (العدم الفيزيائي) ........................................................  (19)

فيزياء الفِعْل لكل بَدْء ...............................................................   (27)

العدم ميتتان (ميتة أولى حكما، وميتة ثانية واقعا) .....................................  (41)

حتمية إعادة المعدوم ................................................................ (49)

خاتمة  ....................................................................................  (55)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استهلال

 

العدم ضد الوجود؛ هذا بديهي، ولكن الوجود يعني الخلق الموجود وليس الخلق المعدوم، فإذا كان الوجود ضد العدم ويعني الخلق الموجود، معنى ذلك أن العدم موت، والنتيجة أن الموت وجود هو الآخر، إذ كيف يكون المخلوق وجودا وحياة ولا يكون قبل وجوده موتا؟ هذا محال، قال تعالى: ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)) (2) الملك)).

والعَدَم عدمان، عدم قَبْلي، وعدم بَعْدي.

العدم عدم معرفي وعدم علمي فيزيائي.

العدم ميتتان، ميتة أولى حُكْماًء، وميتة ثانية واقعا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدم القَبْلي

 

العَدَم القَبْلي عَدَمٌ يعني اللاّشيء بشكل مطلق، إذ هو لا كُلّيّ ولا جُزْئِيّ، لا جُزَيْء، ولا شُحَيْن، لا قوة جاذبية ولا قوة مغناطيسية، لا قوة نووية ضعيفة ولا قوة نووية قوية، لا قوة كهربائية ولا قوة ميكانيكية، لا مادة ولا طاقة، وهذا النوع من العدم لا تقرّه الفيزياء لسبب بسيط هو أن الفيزياء دائما تبحث في الوجود ولذلك يستحيل عليها أن تبحث في غير الوجود، وغير الوجود هو العدم القَبْلي الذي لا يمتّ بصلة إلى أيّ شيء، هو اللاّشيء مطلقا، وهذا مرفوض فيزيائيا لحد الآن، فالفيزياء اليوم تفرض وجود شيء قريب من الصفر منه جاء الكون، وعليه فالعدم الفيزيائي بهذه الصورة عدم لا ينفي وجود الشيء ونحن نقر بالعدم الذي ينفي الشيء تماما ولا يثبت له إلا الصفر، إلا اللاّشيء ولكن كيف؟

الإشكال الكبير الذي يقع فيه كثير من الفيزيائيين والعلماء هو أنهم لا يخرجون عن دائرة الواقع، عن دائرة الوجود ولذلك يستحيل أن يقرّوا بالعدم بهذه الطريقة، فبحوثهم تستند إلى الواقع، إلى المادة والطاقة، وحين اصطدموا بولادة الكون من نقطة صغيرة جدّاً جدّاً، وتبيّن لهم أن الكون في اتّساع دائم؛ علموا أن المتَّسَع لا بدّ أن يكون قد انطلق من نقطة، وهذا صحيح، ولكنهم حين وقفوا على العدم نفوه لسبب بسيط هو أنهم كما قلت يرفضون البحث في غير الشيء وفي غير الطاقة، وهذا عقلا معقول، لأن العلم الفيزيائي علم تجريبي مثله مثل علم الكيمياء من حيث اشتراطه إخضاع المادة والطاقة للتجربة، إلا أنه بهذه الصورة المتزمتة يغطي العقل ويجعل عليه قفلا كبيرا لا يستطيع التحرُّر منه، فكيف ينضغط الكون وينضغط ولا يصل إلى حدّ؟ والحدّ الذي يصل إليه الكون إذا اعتبر جسيما أوليا يُحدّ ويقاس، فلِمَ لا يطرح سؤال آخر بديهي وهو من أين جاء ذلك الجُسَيْم الأَوَّلي؟ وإذا تقرّر أنه قد جاء من طاقة أخرى قبله ألا يكون ذلك عبثا بحيث نستمر في ذلك العبث باحثين عن وهم لن نجده؟ لم لا يُفرض على الفيزياء القول بأن الجسيم الأوّلي لا بدّ أن يكون قد جاء من العدم؟ وإذا قيل إن ما قبل الجسيم الأولي قوة الجاذبية وهي التي حَدَّبَت الزمان والمكان (الزمكان) نسأل من أين جاءت قوة الجاذبية؟ وهل تكون هي الأولى قبل الجسيمات؟ والعدم الذي جاءت منه قوة الجاذبية وغيرها ليس هو العدم الفيزيائي، والعدم الذي جاء منه الجسيم الأولي ليس هو العدم الفيزيائي أيضا، وليس هو العدم الحقيقي لأننا نجهل ما قبل الجسيمات الأولية وما قبل قوى الطبيعة، فربما تكون هناك جسيمات أصغر من بوزون هكز الذي اكتُشِف واعتبر الأصغر، وربما تكون هناك قوى غير التي اكْتُشِفت، فيكون العدم الحقيقي الذي فعلا جاء منه الكون هو ذلك اللاّشيء مطلقا، وهو تلك اللاّطاقة مطلقا؟ فما يكون هذا العدم الذي أسميتُه العدم القَبْلي؟

العدَم القَبْلي لا ينفي صدور العدم عمّا قبله فيكون ما قبله سابقٌ عليه، ولكن لن يكون مثل العدم القَبْلي لأن العدم القبلي هو اللاّشيء، واللاّشيئ يستحيل أن يأتي من لا شيء، هذا معقول، ولكن أن يأتي من الطاقة أو مما يشبه الطاقة مثلا فهذا مرفوض لأنه يدخلنا في ترّهات لا نهاية لها، ونحن نريد أن نعلم علم اليقين عن بداية خلق الكون، فتكون النتيجة أن الكون قد جاء من العدم القَبْلي، والعدم القبلي ما هو إلا عِلْمٌ أَزَلي لا بدّ ألا ّ يكون قبله غيره، وما دام العلم الذي ليس قبله غيره هو الذي جاء منه الكون يكون ذلك العلم هو لخالق الكون من عدم، ولكن العلم صفة مجرّد صفة للذات، فتكون الذات هي السابقة، والعلم مجرد صفة لها، وعدم محدوديته وعدم بدايته تكون قطعا تابعة للذات الموصوفة بذلك العلم، والنتيجة عقْلاً هي استحالة تَشْيئ الذات الخالقة للشيء من عدم، وأن تلك الذات لابدّ أن تكون عالمة مريدة قادرة مبدعة قاهرة وخالقة، ويكون العدم القبلي أخيرا هو علم الله تعالى الذي كان فيه خلق الكون ليس منذ كذا وكذا من السنوات، بل كان فيه أزليا لأن كلمة مُنْذُ تتعلّق بالزمان والمكان والله تعالى قديمٌ أَوَّلٌ لا زمان له ولا مكان، وعلمه قبل خلق الكون بمقدار ما في الكون من ذرات من الأعوام والقرون قد كان فيه خلق الكون منه، فيكون الكون قد خُلق من عدَم قَبْلي، والعدم القبلي هو علم الله تعالى، نقول هذا تَثْبيتا للعدم الفيزيائي الذي هو عدم غير فيزيائي ببدْء، وعدم غير فيزيائي دون بدْء، فكيف ذلك؟.

قبل الخوض في ذلك أسوق مثالا خاصا بالمؤمنين بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم يتحدث عن العَدَم القَبْلي والعَدَم البَعْدي وذلك قوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) البقرة))، فقد تحدث عن عدم قَبْلي لا يوجد إلا في علم الله تعالى وهو إرادته خلق خليفة له في الأرض، والملائكة لم تكن تعرف شكل الخليفة ولا نوعه ولا عناصر تركيبه لأنه لا يزال غيبا في علم الله تعالى ولكنها قاست على مخلوقات أخرى وُجدت في الأرض وكانت تسفك الدماء.

وتحدث القرآن أيضا عن عَدَمٍ بَعْدي هو خلق الإنسان من شيء قبله، من تراب، من صلصال من حمإ مسنون، قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) الحجر)).

فالعدم القَبْلي ونعته بأنه علم الله تعالى أتى من خلال الحكم على وجود علم غير فيزيائي ببدْء لا تعترف به الفيزياء لأنها لا تدركه ولن تدركه ككُنْهٍ وحقيقة، بل حتى الوجود إن لم يتجاوز العلم التجريبي إلى المعرفة فلن يثبت فيزيائيا، فالفيزيائيون يرون أن الكون قد بدأ من شيء صغير جدا قريب من الصفر، ولكن السؤال الصادم هو: من أين جاء ذلك الشيء الصغير جدا أو أيّ جُسَيْم أصغر من أصغر جسيم أولي سيكتشف فيما بعد؟ وإيجاد الجسيمات يجعل من المستحيل إيجادها دون وجود قوة قبلها هي قوة الجاذبية مثلا، فمن أين جاءت الجاذبية التي حَدَّبَت الزمكان حتى جاء منها الكون كما زعم "ستيفن هاوكين"، لا جواب إلا بالمعرفة، والمعرفة من حيث إثبات الوجود لا تخطئ لأنها تعتمد طريقة في التفكير أصحّ من الطريقة العلمية، طريقة إثبات الوجود لا الكُنْه والحقيقة، فالجسيمات الأولية، والجسيمات التي ستكتشف فيما بعد، وقوى الطبيعة من قوى مغناطيسية ونووية وغيرها يستحيل أن توجِد نفسها إذ لا بد لها من موجد، وهذا هو الطريق الصحيح لإثبات الوجود، وجود الشيء أو الطاقة أو غير الشيء وغير الطاقة، أما إثبات الكُنْه والحقيقة فهذا شأن آخر يتعلق بمطابقة الحكم للواقع، فإذا قلنا أن الشيء الصغير جدا الذي جاء منه الكون أو الجسيم الأصغر الذي جاء منه الكون لا بد أن يكون مسبوقا بغيره؛ نكون صادقين قطعا، ولكن أن نقول أنه جاء من شيء آخر قبله وآخر قبله وهكذا مستمرين في ملاحقة هذا التصور فلن نصل أبدا لأننا سنغرق في الأوهام باحثين فيها عن السراب الذي لن نحصل عليه أبدا، بينما إذا قلنا أنه قد جاء من غيره، بدأ خلْقَه غَيْرُه الذي لم  يكن يسبقه شيء آخر يشبهه يكون قولنا أنه قد جاء ممّا لا يشبهه، وممّا ليس له أوّل ولا آخر، فيكون القبْلي هو الأول، يكون ذلك القبْلي لا يشبه شيئا ولا  يشببه شيء، وإذا كان كذلك توقّفنا عن بحث المادة والطاقة لأننا نكون قد تجاوزناها إلى غير المادة والطاقة، تجاوزناها إلى عِلّة خلْق الكون، وسبب خلق الكون ولن يكون إلا مبدعا قاهرا حكيما قويا لا يعجزه خلقُ ما لا يحصى من الأكوان دون أن يلحقه نصب أو تعب، فيكون الخالق غير فيزيائي ببدْء، ويكون غير فيزيائي دون بدْء أيضا وهو الله تعالى، وقولنا غير فيزيائي ببدء، وغير فيزيائي دون بدء تنزيها للخالق لأنّ هناك عوالم غير فيزيائية مثل الملائكة والبرزخ وحياة الجنة والنار، وهذا العالَم مبتدئ لا يُقاس فيزيائيا، وما لا يقاس فيزيائيا غير موجود فيزيائيا كما تصرح به الفيزياء الحديثة، ولكنه عَقْلاً ومعرفياً موجود قطعاً، فالذات العَلِيّة للخالق ليست فيزيائية ولن تكون غير فيزيائية ببدء، ولن تكون غير فيزيائية دون بدء، فكيف تكون؟ إنها الذات العلية لله جلّ وعلا لا تُكَيَّف ويستحيل تحديدها لأنها غير محدودة إذ هي الأول، ويستحيل تحييزها إذ هي لا مادة ولا طاقة، إنه الله تبارك وتعالى خالق الكون من عدم، خالق الكون بعلمه وحكمته وتقديره.

انظر إلى تصنيف العلماء للجسيمات الأولية التي تتكون منها ذرات الكون، فقد صنّفوها إلى نوعين: ليبتونات، وهادرونات.

فالليبتونات جسيمات بحسب تصنيفهم لا تتأثر بالقوة النووية القوية، وأحصوا منها ستة منها الإلكترون، والليبتونات جسيمات لا يوجد أصغر منها، وليس لها تركيب داخلي، وليس لها حجم مؤكد، أي لا تتركب مما هو أصغر منها، وهي التي تتكون منها المادة.

وأما الهادرونات فهي أيضا جسيمات أولية إلا أنها تتأثر بقوى الجاذبية والقوى الكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية، ويقسم العلماء الهادرونات إلى مجموعتين: الميزونات، والباريونات.

وتصنيفهم ذاك جاء بناء على الكتلة، فالباريون أكبر من كتلة الميزون، أو الليبتون، والميزون جسيم غير ثابت وغير مستقر، ومكونات الميزون هي: 2 كوارك، كوارك موجب وكوارك مضاد، وعليه فالذرة تتكون من الليبتونات والهادرونات، والليبتونات لا يمكن تقسيمها إلى ما هو أصغر منها بحسب قولهم خلاف الهادرونات، وإذن وعند هذه النقطة من الاكتشافات العلمية في الذرة قيل أن هناك جسيم لا يوجد أصغر منه، فهل يكون هو الذي بدأ منه الكون؟ الجواب فيزيائيا نعم، لأنها جسيمات أولية، ليكن ذلك، ولكن هل يمكن وجود ما هو أصغر من الليبتونات؟ الجواب نعم، وهل يمكن وجود ما هو أصغر من أصغر جسيمات الذرة كالليبتونات؟ الجواب نعم، وأخيرا هل يمكن الاستمرار هكذا؟ الجواب لا، وعليه فبداية خلق الكون قد كانت من جسيمات عرفناها، أو جسيمات لم نكتشفها بعد، ولكن الأمر لن يظل هكذا معرفيا، ولن يظل هكذا علميا بقانون حتمية الحد والقياس والبداية لكل شيء، ووفق هذه المعادلة فإنه لابد من الوقوف على بداية خلق الكون، وبداية خلق الكون لن تكون القوى الكهرومغناطيسية ولا القوى النووية ولا قوة الجاذبية، لن تكون جسيمات أولية ولا جسيمات قبل الجسيمات الأولية، بل تكون بداية من عدم محض، تكون بداية من لا شيء صرفا، والنتيجة وجود الكون في علم الله تعالى، ثم خلقه من غير الشيء، بقوله كن فيكون، أي بقوله اظهر أنت الذي في علمي المسبق.

إن ما يراد من الفيزياء بحسب ما توصّل إليه الفيزيائيون اليوم هو فرضية وجود ذات فيزيائية منها جاء الكون، فما معنى أن يأتي الكون من شيء قريب من الصفر؟ معنى ذلك الإقرار بضرورة الاستناد إلى ذات فيزيائية حتى يأتي منها الكون، وتلك الذات الفيزيائية ما هي إلا ذاتا في العدم البَعْدي، أي أن العدم القَبْلي يستحيل أن يكون عدما فيزيائيا فهو عدم غير فيزيائي ببدء، وغير فيزيائي دون بدء منه جاء الكون، وكون الكون جاء منه معناه جاء من لا شيء، جاء من عدم قبلي، والعدم القبلي ليس عدما فيزيائيا كما قلت، بل هو عدم لا يخضع لجميع قوى الطبيعية، لا يتأثر بأكبر قوة معروفة في الطبيعة وهي القوة المغناطيسية أو الجاذبية، لا يتأثر بأي شيء آخر فيكون موجودا في غير الواقع، بل يكون موجودا في علم لذات مريدة تفعل الخلق للكون في الوقت الذي تريد، فكان بذلك العدم الفيزيائي مُعبرا عن علم الله تعالى، ويكون الكون الذي جاء من عدم قَبْلي، جاء من لاشيئ ولكنه موجود في علم تلك الذات المبدعة والمريدة وهي التي أخرجته لنا في الوقت الذي نعرف، حتى إن بعض فلاسفة الغرب كغوتفريد ليبنتز  GOTTFRIED LEIBNIZ (1646 – 1716) كان يرى أن العالم الذي من حولنا قد صممه شخص جبار وحكيم، وبالطبع لم يوفق في التعبير حين أورد الشخص وهو يعلم محدودية الشخص وعجزه عن أن يفعل مثل ذلك الفعل المعجِز، أو أن يخلق مثل هذا الخلق المبهِر، ولكنه في الأخير استقرّ رأيه على أن العالم آلة حيّة وقد أخفق في قوله ذاك ولو أنه قال بأن الله أوجد مقدارا من القوة الحية أودعها عند بداية الخلق، لو أن "لايبنتز" لم يتأثر باللاهوت واعتمد القرآن لتفسير خلق الكون لأتى بما لم تستطعه الأوائل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدم البَعْدي

 

إن العَدَم البَعْدي هو ذلك العدم الذي يأتي منه الخلق بطريق التركيب، فالمادة مركبة، والطاقة مركبة أيضا، والمبدع الحقيقي هو الذي يُرَكِّب ما يخلق من مواد وطاقة ويُحْسن التصوير، وهذا الجانب قلّده الإنسان ولا بأس فجاء بالصناعات والفنون والآداب والمعارف فكان الإنسان مبدعا حقّاً.

انظر إلى الإنسان فهو يعتمد الخيال خصوصا إذا كان ذا خيال واسع، وبالخيال يستطيع تصوُّر أشياء مجزّئة ومركّبة، فإذا اعتمد التجربة لتحقيق ما كان خيالا حتى أصبح واقعا يكون مبدعا حقا، ويكون ما توصّل إليه مسبوق بفكر وتخيُّل وهو علمه بصرف النظر عن العلم الذي لا يعجزه شيء والذي هو لله وحده، وهذا محاكاة لخلق الله تعالى، وليس محاكاة لفعل الله، ففعل الله تعالى لا ينتج عن تفكير وتصوُّر، بل ينتج عن علم مسبق، ولا يأخذ أيّ صفة مما للإنسان حتى وإن وصف نفسه جلّ وعلا بما يُظْهر أنه صفات للإنسان أيضا، لا، فالله تعالى منزَّه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء في صفاته وذاته وأفعاله، فالبارئ سبحانه وتعالى يتصف بعلم لا تنفلت منه جزئية واحدة وهو يعلم ما كان وما سيكون، وما سيكون هو علمه يُظْهِره متى ما أراد، فكان العَدَم البَعْدي في علم الله تعالى أظهره في الوقت الذي شاء ومنه خلق الإنسان والحياة.

شاء الله تعالى أن يرتب خلقه في الزمان والمكان بتقديره وحكمته، فجاء الإنسان متأخرا عن الحيوان، وجاء الحيوان متأخرا عن النبات، ولا يزال التنوع في الخلق يأخذ بالألباب، ولا يزال خلق كثير لم يعرفه الإنسان بعد في البر والبحر.

شاء الله تعالى أن يترك الأرض لبلايين السنين تتهيأ لاستقدام الإنسان، وشاء أن يجعلها له ويسخِّرها له هي والكون كله، وحين قدم الإنسان إلى الوجود قدم على تركيب بديع وصورة حسنة ليس غيرها أفضل منها، كلّ هذا وغيره يدخل ضمن العَدَم البَعْدي الذي لم يكن معروفا إذ كان الكون طاقة مجرد طاقة، ثم شرعت الطاقة في تركيب المادة في حدود ربط الذرات ببعضها البعض على قدر عجيب من خلالها تشكلت المادة وتنوع الخلق من جماد ونبات وحيوان وإنسان، ثم قدم الإنسان وقد وجد الأرض بما فيها على أحسن وجه، ومعدّة لحياته على أكمل صورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العَدَم المَعْرفي

 

وأما العدم المعرفي فهو ذلك العدم الموجود معرفيا في الذات الفيزيائية، وغير الموجود في الذات غير الفيزيائية ببدء، وموجود في الذات غير الفيزيائية دون بدء.

الموجود في الذات الفيزيائية موجود بالتخيل والتصور إلى أن تتحقق الصور ويقوم الخيال واقعا في الوجود وتظهر تلك الصور للعيان وذلك مثل الاكتشافات العلمية والصناعية التي ظهرت منذ الثورة الصناعية إلى يومنا هذا ومنها ما كان قبل ذلك عند كثير من الشعوب والأمم كالأمة الإسلامية بنوابغها كالخوارزمي وابن النفيس.

وأما العدم المعرفي في الذات غير الفيزيائية ببدء والتي تُحدُّ وتقاسُ ليس من قِبَلِنا نحن طبعا لأنها ذات غير فيزيائية ببدء كذات الملائكة، فهو عدم معرفي نسلم بوجوده حين يأتي عنه خبر قطعي، ولكننا لا نهتم لكُنْهه وحقيقته وكيف نهتم لكنهه وحقيقته وهو عدم غير فيزيائي ببدء؟

وهذا العدم، أي العدم المعرفي في الذات غير الفيزيائية ببدء فهو عدم مبصوم بالبدء، وكونه مبصوما ببدء يعني أنه عدم عبارة عن خلق خارج الإدراك البشري، وخارج البحث العلمي، ذلك أن ذوات ذلك العدم غَيْب، ومادامت غيبا فهي إما أن تكون غير موجودة، وإما أن تكون موجودة وجودا مختلفا عن الوجود الذي نعرف، والوصول إلى الإقرار بوجودها ليس عليه دليل علمي، ولكن عليه دليل معرفي يعتمد دليلا يُشْتَرط فيه أن يكون دليلا مبنيا على العقل.

والدليل المبني على العقل عبارة عن فكر خَبَرَه العقل البشري فوجد فيه الخبر اليقيني حين تعلق الأمر بالغيب، أيّ غيْب، وهذا الفكر يستحيل أن يكون مسطرا في غير القرآن الكريم وما أرشد إليه من الحديث المتواتر، فالقرآن الكريم هو الذي تحدث عن العوالم غير الفيزيائية ببدء، أي العوالم غير الفيزيائية التي كانت لها بداية من حيث الخلق، أي من حيث أنها مخلوقة لله تعالى كالملائكة كما ذكرت، ولكي تثبت يقينا مصداقية الأخبار الغيبية في القرآن الكريم وجب الذهاب إلى ما يلي:

هذا الكتاب، أي القرآن الكريم ليس غيبا إذ هو بين أيدينا نستطيع تلمسه وتحسسه وقراءته ونقده ونقضه إن استطعنا، والبداية التي لا بد منها لتناوله هي وضع احتمالات ثلاثة له لا رابع لها وهي إما أن يكون القرآن كلام الله، وإما أن يكون كلام العرب وإما أن يكون كلام محمد.

أولا: إذا كان القرآن كلام العرب فالعرب قد عادوه واتهموه بالسحر وحاولوا الإتيان بمثله فعجزوا وهم أهل فصاحة وبيان فكانت النتيجة أنه تحداهم فلم يقدروا على نقضه ولا يزال التحدي قائما إلى يومنا هذا.

ثانيا: إذا كان القرآن كلام محمد فمحمد من العرب وما ينطبق على العرب ينطبق على محمد بالإضافة أنه صلى الله عليه وسلم مكث في قومه أربعين سنة لا يتكلم بالقرآن، وفجأة نطق بالقرآن، أي جاء بأسلوب جديد فاجأ به كل من استمع إليه، والأسلوب جزء من الإنسان فلا يستطيع الإنسان إخفاء أسلوبه مهما بلغ من النبوغ والعبقرية، وهو، أي الأسلوب ذلك السياق الذي تترتب فيه المعاني بتنسيق متميز، وهذا في الأسلوب القرآني به إبهار إلى درجة الإعجاز، فهو بالقوة والجمال مدهش، وبالفصاحة والبلاغة محير، وبالارتفاع إلى أعلى العلى لا يجارى وقد خبر ذلك أهل البلاغة والفصاحة من الذين خوطبوا به أول مرة، وذلك الخطاب لا ينحصر فيمن خوطبوا به أول مرة، بل يتعداه إلى كل الأزمنة وكل الأمكنة وإلى كل الناس عربيهم وعجميهم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وها هو ذا القرآن قائما يتحدى إلى يومنا فهل من مبارز؟

قال تعالى: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) البقرة)).

وقال تعالى: ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء)).

أضف إلى ذلك ما جاء في القرآن الكريم من أنباء يستحيل أن يأتي بها الإنسان لأنها خارج إدراكه في ذلك الزمان وذلك مثل حديثه عن بدء الخليقة وتكوّن الجنين في بطن أمه وعملية نزول المطر بمقدمات ذكرها وغير ذلك، فتكون النتيجة أن القرآن الكريم يستحيل أن يكون كلام محمد لأنه تحدى العرب ومحمد من العرب يشمله التحدي والمبدع لا يتنكر لإبداعه فينسبه إلى غيره، وإذا نسبه إلى غيره في ساعة الضعف سرعان ما يتراجع عنه في ساعة القوة والتمكُّن، ومحمد قد دانت له رقاب العرب ومع ذلك لم يفعل، وإن فعل كُذِّب لأنه لا يستطيع إقامة دليل واحد على غيبيات القرآن من تلقاء نفسه، لا بد له أن ينتظر الوحي من الله حتى يخبر بخبره.

ثالثا: إذا لم يكن القرآن الكريم كلام العرب ولا كلام محمد فلا يمكن إلا أن يكون كلام الله تعالى ولا رابع لهذه الاحتمالات.

ومادام القرآن كلام الله فقد ثبت ذلك بالعقل من خلال الاحتمالات التي أوردناها والتي رابع لها كما ذكرت، والنتيجة أن به أخبارا غيبية، وهذه الأخبار الغيبية لا سبيل إلى إقامة الدليل العقلي عليها مثلما أقيم الدليل العقلي على أن القرآن كلام الله، ولكنها حتما تكون مبنية على العقل، لأن ما ثبت أنه بالعقل يكون ما ورد فيه مبنيا على العقل حتى وإن لم يدركه العقل، وعليه فالذوات غير الفيزيائية ببدء هي ذوات موجودة حقيقة ولكنها خارج الفيزياء، وخارج الدليل الحسي لأنه لا أثر لها حتى يمكن تتبع آثارها والاستدلال على وجودها.   

وأما العدم المعرفي في الذات غير الفيزيائية دون بدء فهو عدم متعلق بعلم تلك الذات، والمعرفة هنا هي عينها العلم الحقيقي، وقد فرّقْتُ بين العلم والمعرفة فقط من أجل أن تتحدد بحوثنا وتتميّز فلا نخلط بين العلم الذي يُؤْخذ عن طريق الملاحظة والاستنتاج والتجربة كالفيزياء والكيمياء والكهرباء مثلا، والعلم الذي يُؤْخذ عن طريق الملاحظة والاستنتاج دون تجريب، أي دون إخضاع المادة والطاقة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الطبيعية كالمعارف بصفة عامة مثل معارف النفس والاجتماع والفقه والرياضيات.

وهذا العدم المعرفي لا يعرفه إلا صاحبه إذ هو الذي يعلم ما سيكون في الواقع وهو لا يزال في العدم المعرفي، أي لا يزال في علم الله تعالى، لا يزال غَيْباً، وحين نقول إنه عدم معرفي معنى ذلك أن الله تعالى بعلمه غير المحدود يعلم ما سيكون قبل كينونته، فهو إذن في علمه، وإذن يجوز القول إن العدم المعرفي هو علم الله تعالى.

وبتعبير آخر يمكن القول إن علم الله تعالى يتضمن ما سيخلق، والمثال على ذلك اللوح المحفوظ، فاللوح المحفوظ به علم الله تعالى، به ما كان وما هو كائن وما سيكون، فإذا تحدثنا عن العدم المعرفي، أي عن الوجود الذي لم يوجد ونسبناه لله عز وجل نكون قد نسبنا ذلك إلى علم يتضمن ذلك الوجود غير الموجود، يتضمن ذلك الوجود الذي سيوجد، وهو عينه العدم المعرفي، أي هو عينه الذي لا نعلمه إذ هو غَيْبٌ عنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدم العلمي

 (العدم الفيزيائي)

 

وأما العدم العلمي أو العدم الفيزيائي فهو ذلك العدم الذي يأتي بالشيء من الشيء ولو أن يكون قريبا من الصفر، لا يهم، المهم أنما يصدر عنه يصدر مستندا حتما إلى المادة أو الطاقة التي تأخذ نفس مواصفاته لأنها مادة وطاقة، وبذلك يصح قول الفيزيائيين أن الكون قد جاء من الجسيمات الأولية، جاء من جسيم صغير أو جسيمات أصغر كانت هي اللبنات الأولى التي منها جاء الكون، وعند هذه النقطة لا إشكال، ولكن أن تفرض الفيزياء تلك البداية ولا تجيب عن السؤال الذي يقول: إذا كانت الجاذبية سابقة على الجسيمات الأولية فمن أين جاءت قوى الجاذبية؟ ومن أين جاءت تلك الجسيمات الأولية؟ فهذا مرفوض، وهو قول ليس علميا، إذ كيف يصدر الشيء عن اللاشيء؟ هي التي تقر باستحالة أن يصدر الشيء من العدم المطلق، فإذا لم يصدر الشيء عن العدم المطلق فمن أين جاء ما صدر عنه الجسيم الأولي أو الجسيمات الأولية أو قوانين المادة والطاقة؟

إن الفيزياء عمياء وهي لا بد أن تكون عمياء بعيدة عن المعرفة، فهي لا تقر إلا ببحث الشيء أو أثر الشيء سواء كان طاقة أم مادة، ولا تستطيع الإجابة على الإشكال الكبير وهو بداية الكون من لا شيء، وبداية الكون من الشيء القريب من الصفر إجابة فيزيائية ناقصة إذ تفتقد إلى الحكم على أصل الجسيمات الأولية، وعلى أصل الجاذبية التي فرضت على الجسيمات الأولية والنتيجة الخاطئة التي وقع فيها كثيرون أمثال "ستيفن هوكين" هي الإلحاد الذي لن يُبرّر معرفيا وإن بُرِّر فيزيائيا بالنسبة لفيزيائيتهم.

فيزيائية حتمية الفعل لكل بدء ليست هي فيزياء الفعل لكل شيء أو طاقة، إذ هناك فرق بين بدء الفعل، وبدء الشيء، فبدء الفعل سابق على بدء الشيء، إذ الفعل هو الذي يأتي بالشيء وليس العكس، هذه هي فيزيائيتنا.

وفيزيائيتنا هذه لها طريقة في البحث غير طريقة الفيزياء العمياء، إذ هي تبحث في مثل ما تبحث الفيزياء العمياء ولكنها تضيف إلى بحثها شيئا لا بد من إضافته لأن البحث يفرضه.

وهذا الذي تضيفه فيزيائيتنا هو حتمية الفعل لكل بدء، وهذه الحتمية قاعدة لبناء وهدم جميع التصورات سواء كانت ممكنة عقلا أم لم تكن، وعملية البناء والهدم هذه تتماشى مع الحقيقة وتتماهى معها، فما هو حقيقة أقرَّته حتمية الفعل لكل بَدْء، وما هو ليس حقيقة هدمته حتمية الفعل لكل بدء.

إن حتمية الفعل لكل بدء ليست نظرية ولذلك لم أسمها نظرية، بل هي حقيقة قائمة بالتحدي.

فإذا نظرنا إلى الكون بما فيه وبمن فيه نجد الحياة والموت، نجد البداية والنهاية، نجد الخلق والفناء، نجد الوجود والعدم، نجد الحقيقة والمغالطة، نجد الواقع والوهم وهكذا.

فإذا أخذنا الوجود والعدم وهو أخذ معقول لأن ما بعد الوجود والعدم مدرك بشكل ميسور وطبقنا عليهما قانون حتمية الفعل لكل بدء نجد ما يلي:

أولا: الوجود من حيث هو وجود لم يظهر إلا بفعلٍ مُظْهِرٍ للفاعل أو مُضْمِرٍ له، وبينهما مفعول به، ولا يقال إن هذا بحث لغوي، لا يقال ذلك لأن النحو قد ظهر متأخرا عن اللسان العربي الذي رقي قبل البعثة المحمدية بمائة وخمسين سنة أو يزيد إلى المائتين واستمر كذلك إلى عهد الفتوحات الإسلامية التي اختلط فيها اللسان العربي بالأعجمي فتم تدارك اللسان العربي بوضع قواعد لعدم اعوجاجه وفساده، تم إيجاد علم النحو والصرف ووضع مصطلحات فيهما من مثل الفعل والفاعل والمفعول به والمفعول المطلق إلخ، فاللغة العربية لغة العقل بامتياز، وأخذها للبحوث المعرفية والعلمية صواب في صواب ولكننا لسنا بصدد ذلك الآن.

إن الواقع يؤكد قطعا صدور الفعل من فاعل حتى وإن لم يكن عاقلا، فصوت الرعد عند قصفه، والريح عند هبوبها، والمياه عند انصبابها، والبراكين عند انفجارها، والنار عند إحراقها، والخشب عند احتراقه وغير ذلك كله واقع مدرك، والنتيجة أن جميع تلك الأفعال صادرة عن فاعلين وقد ظهر فيها جميعها فعل وفاعل ومفعول به، هذا بديهي، ولكن إذا انتقلنا إلى الوجود الأول، إلى خلق الكون، نجد أن هناك فعل الخلق من فاعل وقع منه الفعل على مفعول به هو الكون، والنتيجة إما أن يكون الذي وقع منه الفعل على المفعول به شيء آخر لا يشبه الكون فلا هو مادة ولا طاقة، وإما أن يكون الذي وقع منه الفعل على المفعول به مادة وطاقة بصرف النظر عن نسبية المادة والطاقة.

فإذا قلنا بحتمية البدء لكل فعل لم نخطئ التصور الأول لأن به فعل البدء، وفعل البدء هذا قد صدر ممن لا يشبه خلقه لأنه لا بد ألاّ يشببه وذلك من خلال حتمية الفعل لكل بدء، فبدء الخلق ممن خلق يوجب المفارقة بينهما، بدء الخلق يوجب الخلاف بينهما، بدء الخلق يوجب اختلاف ذواتهما إذ لو لم يكن هناك مفارقة وخلاف واختلاف لما تميّز الخالق عن مخلوقاته والنتيجة تداخل الكل في الكل وهذا يوجب الانصراف إلى غير ما تم بحثه حتى نقف على الخالق الحقيقي للكون، حتى نقف على الذي قام بالفعل لكل بدء وسوف يعجزنا لأننا لا نملك غير الكون بجزيئاته وجسيماته نبحثها وهذه البحوث لن تنتهي إلى الحقيقة إلا باعتماد قانون حتمية الفعل لكل بدء، لأن حتمية الفعل لكل بدء تظهر وجود موجدٍ خلف الفعل الأول وخلف البدء الأول ولن يكون له شبه بخلقه إذ لو كان له شبه بخلقه لكان جسيمات أولية أو قوانين أولية وحينها يكون جزءا منها، وعليه وجب بقانون حتمية الفعل لكل بدء؛ أن يكون لا مادة ولا طاقة، لا شيء ولا لا شيء، ولا يقال بهذا الصدد أن الإنسان فاعل لكثير من الأشياء منها اختراعاته، واختراعاته هذه لا تشبهه، وعليه يكون مثالك في غير محله، والجواب على ذلك أن فعل الإنسان لن يخرج عن دائرة الوجود بما فيه، فما يفعله الإنسان من اختراعات له سند من موجودات الكون، والإنسان جزء لا يتجزأ من موجودات الكون وعليه يكون ما أتى به الإنسان شبيها بما هو في الطبيعة من حيث بناؤه وتركيبه من أجزاء أو جزيئات أو جسيمات، وإذا تميز بشكله ولونه فلن يتميز تفاضلا مع الذبابة أو أي مخلوق تدب فيه الحياة، ونحن لا نبحث في هذا الإطار، فخلق الإنسان للروبوت أو لأي شيء لن يرتفع إلى مستوى واحد في المائة عن مستوى خلق الذباب وروعة تركيبه والحكمة من وجوده.

ثانيا: أن يكون الذي وقع منه الفعل على المفعول به مادة وطاقة بصرف النظر عن نسبية المادة والطاقة فقول تقول به طاقة العدم، تقول به الفيزياء الحديثة، تقول بصدور الكون عن جسيمات أولية، وتطبيق قانون حتمية الفعل لكل بدء على الكون يُظهر ما يلي:

ــ البدء للكون بالنسبة للفيزياء الحديثة كان بتحدُّب الزمكان، كان بتمطيط الزمان، والجواب على ذلك هو أن تحدُّب الزمكان فعل، وفعل التحدُّب حتمي بشرط صحته ومطابقته لواقع خلق الكون، فعمّن صدر الفعل؟ أليس للفعل فاعل؟ نعم، ولكن الفعل صدر عن طاقة العدم، طيب، صدور الكون عن طاقة العدم صدور عن فاعل، فمن هو الفاعل؟ الفاعل هو طاقة العدم، طيب، طاقة العدم كما هو مقرر فيزيائيا لن تخلق الكون دون وجود قوة خارجية، فما تكون تلك القوة؟ والجواب: هي قوة الجاذبية، ليكن، طيب، الجاذبية طاقة بقانون، وقانونها مفروض عليها فهل يكون من جنسها؟ كلا، ليكن من جنسها علما بأن سنن الكون والإنسان والحياة مدرك فيها احتياج نفس الكون والإنسان والحياة إليها، وهذه الجاذبية بإقرارهم أنها هي التي حدّبت الزمكان فخُلق الكون بذلك التحدُّب، هذه الجاذبية لها فعل، وفعلها أين يقع؟ هل يقع في حتمية الفعل لكل بدء؟ أم يقع في حتمية البدء لكل فعل؟ وهل هناك فرق بينهما؟

والجواب على ذلك أن حتمية البدء لكل فعل تُظهر وجود الفاعل، والفاعل جسم أو جسيم أو جسيمات لم تُبْدئ وجودها لأنها قديمة فكيف تبدئ غيرها وهي موجودة من فاعل غيرها؟ فلو كانت قديمة حقا لما ابتدأت ولما شبهت شيئا، لما كانت مادة ولا طاقة، ولكانت هي الأول، ولكانت هي الخالق الحقيقي للكون ولكن بما أننا ندرك شيئا عن حقيقتها وهي كونها طاقة عندها بطل القول أنها قديمة، والقول بقدامتها مغالطة إذ هي حديثة وليست قديمة، ثم إن الجواب على حتمية الفعل لكل بدء يعزل الفاعل عن جميع المفعولات، فإذا عزل الفاعل عن جميع المفعولات كانت النتيجة أن الفاعل قائم بالفعل الذي لا يحتاج إلى مفعول به، إذ لو كان لوحده دون الكون لما أثر في صفته الفعلية والفاعلية، فالخالق من صفته الخلق ولكن الخلق إرادة منه ومشيئة عنده، فإذا شاء خلق وإذا شاء لم يخلق، فحاجته إلى الخلق منفية عنه تماما، وهذه النتيجة فصلت المفعولات عن الفاعل، فصلت المخلوقات عن الخالق، وهذا الفصل أظهر حتمية الفعل لكل بدء، فكان بدء خلق الكون بفعل فاعل غير محتاج إلى مفعولات تقيم كماله وتُظْهر تنزيهه عمّا خلق.

لا يمكن للعَدَم أن يُضمر فعله ويحتفظ به إلى حين إرادته فعل شيء، إلى حين إرادته خلق شيء، لأن الفعل صفة للذات، وصفة الذات ملازمة لها، والعدم ليس ذاتا وليس صفة للذات وعليه لا يمكن للعدم أن يكون فاعلا للفعل لأن فاعل الفعل يحتاج إلى وجود، والعدم معدوم قَبْلي وبَعْدي، وحديثنا عن الكون؛ عن طاقة العدم حديث عن العدم القبلي وليس عن العدم البعدي، فكيف يأتي الفعل من شيء غير موجود أصلا بصرف النظر عن طاقة العدم، فطاقة العدم نفسها تتقلص وتضمر إلى أن تنتهي نهائيا وعند انتهائها يحصل العدم المطلق، والعدم المطلق هو المعضلة الكبرى للعقل البشري، هو المعضلة الكبرى للفيزياء التي لا تعتمد قانون حتمية الفعل لكل بَدْء.

ــ وأما حتمية البدء لكل فعل فظاهرة للعيان، فما من فعل إلا قد بدأ به فاعل، وبما أنه قد بدأ بفاعل وجب أن يكون له مفعول به يقع عليه فعل الفاعل حتى يتحقق فعلا الفعل والفاعل وإلا لما تحقق، ولا يقال أن حتمية البدء لكل فاعل شبيهة بحتمية الفعل لكل بدء، لا يقال ذلك والشبهة في أنهما يتعلقان بالفعل والفاعل إلا أن حتمية الفعل لكل بدء مستغنية عن المفعول به، مستغنية عما يقع عليه الفعل، أي مستغنية عما يُظْهِر فعلها وفاعلها، بينما حتمية البدء لكل فعل محتاجة إلى إظهار الفعل والفاعل بصرف النظر عن إضماره وكذلك إظهار المفعول به، والمثال على ذلك صفة الأمانة في الإنسان، فالأمانة صفة، وهذه الصفة ليست ذاتية في الإنسان لأنها غير لصيقة بذاته، إذ ليست جزءا من ذاته، ولذلك ليست هي صفة له بشكل دائمي خلاف صفة الخلق في حتمية الفعل لكل شيء فصفة الخلق فيها ذاتية في ذات الخالق، وإذا أردنا الذهاب أبعد نسوق الإنسان الذي يتصف بصفة الأمانة، فهل نراها فيه أو نرى لها أثرا بمجرد النظر إلى الإنسان؟ هل نجدها في ذاته؟ الجواب كلا، ولكن إذا قام بالفعل، أي إذا خضع لقانون حتمية البدء للفعل عندها تظهر الأمانة، فإذا اؤتمن على مالٍ أو سرّ ووفّى، عندها تظهر الأمانة كصفة فيه، ولكنها ليست صفة لصيقة بذاته إذ هي صفة مؤقتة متعلقة بالفعل وليس غير الفعل، فلا تظهر إلا عند القيام بالفعل، فمتى وفّى الأمين ظهرت الأمانة صفة له بسلوكه وفي سلوكه، بفعله ولا تتجاوز الفعل الذي أظهرها فكان أمينا في حينها فقط، ومتى لم يوفّ لم تظهر الأمانة، فالصفات إما أن تكون ذاتية محضة كصفة العلم للذات العلية لله عز وجل، وإما أن تكون ذاتية فعلية كصفة الخلق المرتبط بإرادة الله عز وجل ومشيئته، وإما أن تكون فعلية غير ذاتية، أي غير ملتصقة بالذات من حيث القيام بالفعل في زمن معين أو أزمان معينة يتكرر فيها الفعل، وقد مر معنا الحديث عن الأولَيان، ولكن الصفة الفعلية غير الذاتية، أي تلك التي هي ملتصقة بالذات صفة لها بشكل دائمي، والصفة الفعلية غير الذاتية، أي تلك التي تُظْهِرها الذات عند القيام بالفعل فهي التي تقع في حتمية البدء لكل فعل، إذ لولا الفعل لما ظهرت، وعليه فحتمية البدء لكل فعل غير حتمية الفعل لكل بدء، وفرق كبير وشاسع بينهما.  ن يكون

وأما المعرفة التي أوردتها في بحثي هذا فهي تلك الطريقة التي تفرض في البحث الملاحظة والاستنتاج دون اللجوء إلى التجربة، ونتيجتها من حيث ثبوت وجود الشيء؛ قطعيَّة، وهي المؤهَّلة للإجابة على الإشكال الكبير الذي طرحته، خلاف العلم، والعلم هنا هو العلم التجريبي وهو تلك الطريقة التي تعتمد في البحث على التجربة والملاحظة والاستنتاج، وهذه الطريقة في البحث يستحيل أن تثبت لنا الوجود غير الفيزيائي لأنها لن تعثر على أثر لذلك الوجود حتى تبحثه، ونحن لن نساير الفيزياء وهي عمياء، بل نعتمد المعرفة لنتيقّن من وجود ما قبل العدم القبلي والذي منه جاء الكون.

انظر إلى بعض العوالم الموجودة مثل عالم الجن وعالم الملائكة، فعالم الجن بالنسبة للفيزياء يمكن بحثه استنادا إلى المعرفة التي بيّنت حقيقة خلقه والتي كانت من نار السموم، والنار طاقة وجسيمات فيزيائية قابلة للبحث والقياس، يمكن أن نبحث الجن مادام طاقة لأنه جسيمات فيزيائية، بينما الملائكة أجسام غير فيزيائية ببدء، عفوا بينما الملائكة مخلوقات غير فيزيائية ببدء لا تُبحث خلاف الجنّ، فالجن وأيّ جسم فيزيائي يبحث، ولكن إذا انتقلنا إلى خالق الكون، ووقفنا على استحالة أن يشبه مخلوقاته انتهى بنا الرأي إلى أنه ذاتا غير فيزيائية ببدء وغير فيزيائية دون بدء يستحيل إدراكها لأنها لا تُكيَّف ولا تُحدَّد فكيف ببحثها؟

والمثال أسوقه من كتاب نشرته إلكترونيا بعنوان: كيف تكون عبقريا، أسوق نيكولا تسلا لتقريب الصورة أكثر، ((.. لا بأس من الوقوف على تجربة نيكولا تسلا في اختراعه للمحرك الكهربائي حتى ندرك تقنية تخيُّل الكليات وتقنية تفكيكها.

في مذكراته يقول نيكولا تسلا أنه حين كان يسير مع صديق له في حديقة بمدينة "بودابست" فجأة رأى صورة بعينيه، وهذه الصورة كانت لذلك الساحر الذي أشعل ثورة في الصناعة الكهربائية، كانت الصورة للمحرك الكهربائي، ويصف هذه الصورة بأنها حقيقية يمكنه لمسها بيده، وقد تحدث في سيرته الذاتية عن الجانب الفني للصورة فقال بأن الصورة الفنية للمحرك ظهرت هي الأخرى في ذهنه لحظة ظهور صورة المحرك، وفورا بدأ عمله برسم مبدئي على الرمال مستخدما غصن شجرة حتى لا ينسى.

لدينا في كلام العبقري نيكولا تسلا عدة جوانب مهمة تصلح للنقاش، وتفيد في الاستدلال على إبداع الصور الكلية وتخيُّلها، وإبداع الصور الجُزْئِية والجُزَيْئِية والجُسَيْمِية وتخيُّلها أيضا، فقد رأى المحرك الكهربائي على شكل صورة، ومعنى ذلك أنه قد تخيّل صورة للمحرك وهو في اليقظة يسير مع صديق له، معنى ذلك أنه قد رأى صورة كلية، رآها بخياله وهو لم يعرف بعد المحرك الكهربائي، ولم يعرف بعد مكوِّناته ووظيفته، وعند النظر إلى إبداعه للمحرك نجد أنه مسبوق بتخيُّل الجزئيات والجُزَيْئات، صحيح أنه قد رآه صورة كلية، ولكنها صورة غير واضحة في تركيبها، فالأجزاء والجزيئات المركبة منها يفتقد إلى معرفتها، ولكنه حين شرع في إبداع الأجزاء، في تخيل الجزئيات والجزيئات عندها شرع في عملية التركيب لتلك الأجزاء والجزيئات حتى صارت صورة كلية للمحرك الكهربائي، صارت صورة حقيقية من خلال بنائها وتركيبها لتصير كلية، وهو في إبداعه لم يجد في الواقع كلية، ولم يأت بتقنية تفكيكها لأنها غير موجودة في الواقع، صحيح أنها في خياله ولكن لكي تصير واقعا يحتاج الأمر إلى تركيبها، ولكن الأجزاء والجزيئات التي ستتركب منها هي الأخرى غير معروفة ولا هي موجودة يحتاج الأمر إلى إيجادها، وهنا، هنا بالذات انفتق ذهن العبقري عن جزئيات وجزيئات موجودة يتم توظيفها، أو غير موجودة يتم صنعها، هي الأسلاك النحاسية، هي الملفات، هي العضو الثابت؛ الستاتور STATOR هي العضو الدوار؛ الروتور  ROTOR، والتيار الكهربائي التي شرع يوظفها في التركيب حتى اكتملت الصورة الخيالية التي رآها أول الأمر، ثم صارت كلية بين يديه هي المحرك الكهربائي)).

كتاب: كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية)، صفحة: 40 منشور في جريدة طنجة الجزيرة باب: كتب وإصدارات.

www.tanjaljazira.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فيزياء الفعل لكلّ بَدْء

 

عَوْداً على بدْء وجدتُ أن حتمية الفعل لكل بدْء فيزيائية بامتياز ومعرفية بامتياز أيضا لا ترفض بحث المادة والطاقة، لا ترفض بحث أثر المادة والطاقة، ولا ترفض بحث الوجود من حيث هو وجود، وتنتهي إلى المصداقية المطلقة بتجارب ودون تجارب، وحين تبحث الوجود من جهة حقيقة ترابط الذرات بقوانين صارمة انتهت بنا إلى التركيب والتفكيك، فقد علمنا أن أيّ شيء إما أن يكون جزءا أو جزيئا أو جسيما أو جسيميّاً حين عدم ارتباطه بغيره، كالإلكترون الحر الذي عند انتقاله من ذرة إلى أخرى يثبت استقلاليته حين الانتقال بصرف النظر عن زمن الانتقال، وإما أن يكون كُلِّيا قد تشكّل من أجزاء أو جُزيئات أو جُسيمات أو جسيمِيّات، وبحث المادة والطاقة بهذا الشكل لا ينتهي إلى الإلحاد أبدا باعتماد فيزيائية الفعل لكل بدء، ولكن كيف ذلك؟

قبل الخوض في هذا الموضوع لا بأس أن نتكلم قليلا عن الإلكترون المتنقّل، هذا الإلكترون الحر الذي ينتقل من ذرة إلى أخرى كيف يتم انتقاله؟ هل يتنقل بدافع ذاتي؟ هل يتنقل بقوى خارجة عنه تدفعه إلى الانتقال؟ ثم هل هناك احتمال غير هذين الاحتمالين؟

والجواب على الاحتمال الأول أن الانتقال بدافع ذاتي يؤكد للإلكترون إرادة وهو ليس له إرادة والدليل على ذلك تحكُّم الإنسان في الإلكترون في بحوثه الإلكترونية واختراعاته في هذا المجال، فقد استطاع الإنسان تحييز الإلكترون والتحكّم فيه باستخدامات عديدة وعليه لا إرادة للإلكترون وبالتالي يكون انتقاله إلى الذرات بدافع خارجي.

والجواب على الاحتمال الثاني أن الإلكترون محكوم بقوة تدفعه إلى الانتقال، هذه القوة هي المجال الذي يتحرك فيه والذي وضع له بإرادة خارجة عن المجال وعن الإلكترون والذرة، فتحرُّكه في الذرة له مجال، وتحرُّكه في الانتقال إلى الذرات الأُخْرَيات له مجال أيضا وكِلا المجالين محكومين بتداخل منتظم يسع حيِّزا معينا ويجمع عناصر معينة بقابليّة التحديد والقياس، فإذا اختلّ المجال وافتقد الحيّز لاستقبال النظام وانتقصت عناصر المجال أو زيدت غاب الانتظام وفرض على الإلكترون مجال واحد إما داخل الذرة أو خارجها، والتجربة للتثبت من صحة هذا القول تتأتى بالممارسة الفعلية للتجريب، فإذا لم تتوفر لها ظروف، أو لم يقم بها أحد وجب النظر إلى صحتها من جهة العدم المعرفي، من جهة الممكن عقلا، لأن الممكن عقلا ممكن فعلا.

والجواب على الاحتمال الثالث هو عدمية احتمال الاحتمال الثالث، وما يحكم الاحتمالات هو قانون حتمية الفعل لكل بدء، أي حتمية الفعل لكل خلق، حتمية الفعل لكل فعل إلا للفعل الذي يصدر عَمَّن هو مستغن عن إظهار فعله، أي عمّن هو مستغن عن خلق خلقه لأن خلقه ومنه العدم ومنه الكون والإنسان والحياة لم يظهر إلا بإرادته ومشيئته.

إن حتمية الفعل لكل بدء تنحصر في التثبت من الوجود الشيئِيّ والجُسَيْمي، فإذا ثبت الوجود بالشكل الشيئي والجسيمي حينها تستقر فيزيائية الفعل لكل بدء على أرضية ثابتة لا تخطئ في معرفة ما وراء الشيء والجسيم لأنها تعتمد التثبت من الوجود الشيئي والجسيمي، فإذا وجد الشيء والجسيم والطاقة ظهرت فيزيائية الفعل لكل بدء، وإذا انعدمت الأشياء والجسيمات والطاقة استقلت فيزيائية الفعل من جهة إرادتها إيجاد الشيء من لا شيء، إيجاد الموجود والوجود من العدم المطلق وكانت خاصة بخالق الكون، فكان البحث في الشيء والجسيم من أجل معرفة بدايته، فإذا تعسّر وضع الإصبع على بدايته لا تحكم فيزيائية الفعل لكل بدء على بدايته هو، بل تذهب إلى ما قبله، وحين لا يقع عليه علمها لا تنفيه لأنها بعلم أرقى يحتِّم الفعل لكل بدء فما يكون الفعل لبدء الجسيم، أو الفعل لبدء طاقة العدم، أو الفعل لبدء الجاذبية؟

إذا رأت فيزيائية الفعل لكل بدء أن الأفق قد سُدّ في وجهها لا تنسدّ له أبدا لأنها ستظل تبحث معتمدة على حتمية الفعل لكل بدء إلى أن تصل إلى النهاية وهي البداية الحقيقية لخلق الكون، والبداية الحقيقية لخلق الجسيمات الأولية، وللقوانين الطبيعية كقانون الجاذبية، إذا سدت في وجهها الآفاق تيقّنت أن تلك الآفاق تخفي خلفها فعلا واعيا، فعلا مريدا، فعلا قادرا، فعلا مبدعا، فإذا جعلت ذلك ذا صلة بالذي نعرف من الطاقة والمادة  عيّنت امتداده وجنسه، عيّنت طوله وعرضه وكثافته، وهنا تبطل فيزيائية الفعل لكل بدء لأنها ثابتة لسبب بسيط وهو أن ما خلف الآفاق ذاتٌ بصفة العلم والقدرة والخلق، فإذا كانت الذات ما قبل خلق الكون متصفة بالصفات التي ذكرت عندها تقف حتمية الفعل لكل بدء في حق الكون لتنقلها إلى حتمية الفعل لكل بدء في حق الذات المغيَّبة عنا، إلى الذي لا يكون طاقة ولا مادة ولا قانون ولا أي شيء، إلى من يتصف بصفة الاستغناء المطلق وعدم الاحتياج التام فيكون الكون قد بدأ بجسيمات صغيرة جدا أو بجسيمات أصغر من التي اكتشفت كجسيم "بوزون هيكز" الذي بحثوا عنه لما يزيد عن أربعين سنة، أو التي ستكتشف فيما بعد، أو من قانون الجاذبية أو أيّ شيء أو طاقة، إلا أن جميع ما يمكن تصوُّره ينتهي إلى حتمية الفعل لكل بدء، فإذا كان الفعل لكل بدء من شيء يشبه الجسيمات سواء كانت جسيمات أولية أو ما قبل الأولية، أو قوانين الطبيعة وهي مجالات أدخلها العلماء في عائلة الجسيمات كالقوة النووية القوية والقوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية وقوة الجاذبية؛ إذا كان كذلك ضُرب عُرْض الحائط لأنه يخلق إشكالا لن ينتهي أبدا، وأما إذا تمّ الإقرار بحتمية الفعل لكل بدء وكان الفعل من غير جنس الذرة والجسيمات والقوانين حينها يجوز عقلا وعلما ومعرفة أن يكون الكون صادرا عن الذي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ولا اللاّشيء وهو الله تبارك وتعالى.

وحتى أستوثق مما أتصور وأستدل عليه استدلالا معرفيا وعلميا أسوق ما يلي:

إن مما قضت به حتمية الفعل لكل بدء هو الوجود الأوّلي، الوجود الذي منه جاء الكون، هذا الوجود الذي أسموه طاقة العدم وهي تسمية غير صحيحة لأن العدم لا طاقة له، التسمية سيقت للتغطية على قانون حتمية الفعل لكل بدء.

فإذا كانت طاقة العدم تعني وجود جسيمات أولية معنى ذلك وجود مُبْدِئ، والمبتدئ في العدم يستحيل أن يبدأ نفسه لأن صفة الحياة غائبة عنه، ومن يفعل فعل البدء حتما يجب أن يكون حيّاً، ولذلك تبطل هذه النظرية.

إذا كانت طاقة العدم تعني وجود جُسيمات نقول إن تلك الجسيمات مبتدئة، ومادامت مبتدئة فإن حتمية الفعل لكل بدء تظهر عليها، إذ لولا الفعل بالبدء لما ظهرت، لما وجدت، وفعل البدء يستحيل أن يكون منها، لا بد أن يكون من غيرها، وغيرها حتما يجب أن يكون قبلها، ومادام الوضع على هذه الحالة نترك الجسيمات الأولية ونحكم على أنها ليست هي البداية لخلق الكون، أي ليست هي التي خلق الكون منها، صحيح أنها هي الطوب الذي منه بني الكون ولكن ذلك لا ينفي وجود طوب آخر من أزواج لجسيمات قبلها، نترك ذلك وننتقل إلى فعل البدء لما قبلها فما يكون؟

إنه بالنظر إلى فعل البدء واختلافه عن بدء الفعل نجد أن فعل البدء سابق على بدء الفعل، ومادام فعل البدء أسبق يكون بدء الفعل ملحقا به يأتي منه، ومادام هو آت منه نتركه هو الآخر لأننا نبحث عن بداية خلق الكون، عن المادة التي خلق منها الكون، عن الطاقة التي خلق منها الكون، عن فعل البدء للكون، أي عن فعل بدء خلق الكون.

إن الفعل لا بد أن يقوم به فاعل، وبدء خلق الكون فعل بكيفية معينة، ومبدعه فاعل للخلق ومهندس له ومبدع فيه، وهو إما أن يكون غَيْباً نظرا لاستحالة الإحاطة به وإدراكه، فعظمة الكون، وشدّته، وبناؤه البديع، وشساعته الرهيبة، وضبط قوانينه ووضع نسب لقوى الطبيعة فيه، وبثّ لنِسب من العناصر فيه وغير ذلك مقدِّمة للإقرار باستحالة إدراك الخالق للكون، إذ لو كان الكون هو الخالق فهذا هو الخالق الذي نرى، نراه أسير نظام وطريد قوى، وهل يصلح للخلق هذا الموصوف بالصفات الذي ذكرت؟ كلا.

لنغص أكثر حتى نقف على ما توصل إليه العلم اليوم، فقد أقر العلم أن الجسيمات الأولية هي التي جاء منها الكون، وأن قوة الجاذبية فاعلة في إقامة عمارته من المجرات والنجوم، وأنه بدأ بانفجار عظيم أدى إلى توسع الكون وتباعد أجرامه بمسافات رهيبة ولا يزال يتوسع إلى يومنا هذا، ورأى كثير من العلماء أن الكون لا بد له من نهاية وهذا معقول ما دام له بداية لأن المبتدئ منته، ولكن تمدّد الكون وتوسّعه وإن ثبت لكثير من العلماء إلا أن غيرهم لا يرون إلا أنه ثابت وفي أحد الاحتمالين خطأ، وعليه فانسحاق الكون وعودته إلى ما كان عليه تقرّه حتمية الفعل لكل بدء، فالعودة بداية إلى البداية في العد التنازلي، أي إلى النهاية.

ولنقف على قوى الطبيعة والجسيمات الأولية.

قوى الطبيعة قوى رهيبة جدا في ضبط الكون وانتظامه الرائع، ومكوّناته كانت من طوب هو الجسيمات الأولية، ففي بداية خلق الكون كانت هناك قوة الجاذبية والجسيمات الأولية، وقد ناقشنا استحالة أن يأتي الخلق من لا شيء فكانت بذلك قوة الجاذبية والجسيمات الأولية خاضعة لنفس الحتمية، إذ لا بد لها من محرك وهذا مقرر فيزيائيا، وعليه نتجاوزها إلى ما قبلها، وما قبلها إما أن يكون مادة أو طاقة، فإذا كان مادة أو طاقة لم نغص كثيرا في البداية إلى ما هو أبعد، لم نخرج عن طاقة العدم بحسب الفيزياء التي تقر بوجود جسيمات أولية، ولكن نقول بالانتهاء إلى حافة العدم الذي يحتوي على جُسَيْمِيّات أصغر من الجُسَيْمات الأولية وهي جُسَيْمِيّات ما قبل الأولية، وعندها لا نزال في الفيزياء ولو لم نقدر على قياسها وحدّها، وحين نتجاوز حافة العدم نسقط في اللاّعدم، نسقط في اللاّمكان واللازمان، وحين نحاول العثور عليه أو على ما فيه لا نجده، لا نجد شيئا يكون طوبا أوليا لخلق الكون، وهنا تقف حتمية الفعل لكل بدء بالمرصاد لمن يحاول إنكار ما قبل هذا الفراغ الذي هو اللاّمكان واللاّزمان واللاّشيئ، وهذا الفراغ ليس فيزيائيا، إنه العدم المحض والفراغ الصرف، وبالتأمل الدقيق والمعرفة الرصينة تبين أن فعل البدء قد ظهر فعلا قبل قوة الجاذبية وقبل الجسيمات الأولية فما يكون؟

وقبل الجواب على السؤال نطرح سؤالا آخر عن علم الفيزياء فنقول: الفيزياء تعترف بطاقة العدم، وحتما ستعترف بطاقة حافة العدم لأن طاقة العدم عندها بقابلية القياس، فإذا وقفت هنا ولم تتجاوز حافة العدم إلى تلمس وتحسس حتمية الفعل لكل بدء الذي منها وجدت طاقة العدم ستجد نفسها أمام اضطراب شديد يقلب عليها التوقعات المعقولة ويحولها إلى غير معقولة فلا ينفع حينها وضع نظرية أو نظريات لأن حافة العدم تشهد على رؤية التلاشي والفيزياء متشبثة بالجسيمات الأولية التي تشكل العدم والذي أسمته طاقة العدم وليكن، ولكن بالنظر إلى هذه الاحتمالية نكون قد صغنا إطارا لسباحة الأجرام الصغيرة من الجسيمات الأولية والجسيمات ما قبل الأولية ولكننا سنظل ندور وندور في حلقة مفرغة لن ننتهي إلا إلى العودة من حيث بدأنا وهكذا دواليك، وهذا يعطّل الفيزياء ويجعل العقل الفيزيائي منغلق لا يقوى على تجاوز الظاهرة إلى ما بعدها، وما بعدها لا ضرورة أن تشترط الفيزياء قيامه في البداية جسيما أوليا، لا حتمية لذلك، بل الحتمية لفعل البدء، وفعل البدء هذا فيزيائيا خارج عن الجسيمات، وسابق عن جودها أصلا والنتيجة استحالة أن تكون حتمية الفعل لكل بدء شبيهة بما تشترطه الفيزياء فلا يبقى عليها إلا الاعتراف وإلا الضياع.

ومثال آخر، لنساير الفيزياء في غوصها في الكون وسبر أغواره لمعرفة دقيقه من الجسيمات، نسايرها فنتعمق في الكون معها إلى بدايته ونتساءل عن هذه البداية قائلين: كيف تعترف الفيزياء ببداية الكون وتشترط لبدايته أن يكون جرما صغيرا هو الجسيم الأولي وتشترط ذلك وتستميت في الاعتقاد أنه قد بدأ من جسيم صغير جدا جدا وربما تفرضه فقط وتقف عند تلك الحالة ولا تتجاوزها إلى احتمال آخر يجعل للكون خالقا لما تبحث عنه الفيزياء مادامت لم تستطع تلمسه أو حسابه وقياسه؟ وإذا وقفت الفيزياء على حافة الكون وأشرفت على التلاشي فلم لا تفرض خلوّ ما بعد حافة العدم من أي جسيم؟ ألا تقف عند حافة العدم وتطل من خلاله على ما بعده ولكنها ما دامت لا تجد شيئا يفترض أن تفرض موجدا لما هو في العدم الفيزيائي من جسيمات ولا تنكره أو تلوي عنقها عن تعقُّبه؟ أليس البحث عن الجسيم شبيه بالفعل الذي يحرك الجسيم؟ هذا جسيم متحرك وهذا فعل محرك له، الفعل يظهر أثره وليس له جنس، والجسيم يظهر أثره ولكن له جنس فأيّ غرابة في الاعتراف بكلا الشيئين الجسيم والفعل الذي حرك الجسيم لأول مرة؟ أليس الفعل الذي يحرك الجسيم ولا يظهر إلا أنه أولي يدل على مريد للحركة فيه فعلها بإرادته؟ هل نبحث عنه؟ لا بأس ولكن سنقع في نفس الإشكال إن لم نجب على التساؤل التالي: هل من الحتمي أن يُظهر الشيء فاعله أم يمكن أن يكتفي بالدلالة عليه؟ وإذا لم يمكن إظهاره بشكل فيزيائي فهل إنكاره يكون فيزيائيا؟

 

إن حتمية الفعل لكل بدء بالنسبة لما توصلنا إليه كان هو الحركة، لأن الفعل حركة من محرك، إنها حتمية الفعل لكل بدء، وإذا شئت أن تبحث عن ذات المحرك وجنسه ونوعه وتقيس حده وكثافته فلك ذلك ولكننا تجاوزنا كل ذلك إلى النهاية، والنهاية هي التوقف عند الحركة الأولى، عند الفعل الأول، وحين وقفنا لم نجد له شبها بالجسيم ولا بالشيء ولا بالمادة ولكنه محرك وله ذات فعلية إلا أنها فيزيائيا يستحيل أن تشبه غيرها، فكان فعله هو فعل الخلق من عدم، وهي عينها حتمية الفعل لكل خلق لأن الخلق مبتدئ، فالفعل حركة من محرك، وهي حركة أظهرت أول ما أظهرت زوجا من الخلق هما الزمان والمكان، والزمان والمكان كانا لصيقين ببعضهما البعض لم ينفصلا إلا بعد وجود ما يدفعهما للانفصال وهو الدخان، وهي الجسيمات الأولية، فالزمان كان متحركا بمكانه حتى وإن لم يكن به خلق، والمكان كان متحركا في زمانه حتى وإن لم يكن به حيّز وكان ذلك عند الالتصاق، وحركة الزمان والمكان في بدايتهما ولمدة معينة قدّرها العلماء بثلاث مائة ألف سنة كانت في فراغ وهذا الفراغ ليس هو اللاّمكان، بل هو الدخان، فالزمان كان في تلك الفترة متحركا بفراغ هو المكان هو الدخان، والمكان كان متحركا في فراغ، أي كان متقلبا في ذاته، وهذا هو الذي أوصل إلى الانفجار العظيم، ثم إن أول الزمان بمكانه ما كان ليتحرك لولا حتمية الفعل لبدء الانطلاق، وبداية الانطلاق هي بداية الانفجار العظيم الذي خلق الحيز ووسّعه مكانا لسباحة الجسيمات الأولية قبل ظهور الذرة، ثم ظهرت الذرة وظهرت قوانين تربطها ببعضها البعض فظهرت العناصر وظهر الخلق للمجرات والنجوم..

وبعد مضي بلايين السنوات على خلق الكون تحتّم من خلال قانون حتمية الفعل لكل بدء أن يكون لها تضاد وهو حتمية الفعل العكسي لكل نهاية بدء، أي أن هناك قانون يحكم الكون وهو قانون الطيّ له، قانون عودته إلى ما كان عليه في بداية الخلق، وإلى الآن لم يقم دليل علمي فيزيائي على ذلك إلا الدليل المعرفي القطعي اليقيني من القرآن الكريم، ومع ذلك يمكن الاستدلال على صحة ما قيل بالنجوم، فالنجوم في السماء تموت، وفي موتها تظهر العودة إلى أصلها، فالنجم حين يفقد مخزونه من الوقود تبدأ قوة الطرد المركزي وقوة الجاذبية في صراع حتى تتغلب قوة الجاذبية فتهرس النجم وتجعله ينطوي على نفسه ويتحول إلى لا شيء، إلى ثقب أسود، وهذا الذي اكتشف يخفي خلفه ما لم يكتشف بعد وقريبا نرى مجرة ميتة، أو في طور الموت لأن الكون محكوم بقانون العودة إلى أصله، وهذه العودة هي عينها استدارة الزمان، وحين نقول باستدارة الزمان معنى ذلك الاستدارة بالمكان أيضا لأنهما زوجان لا ينفصلان عن بعضها البعض، إذ لا زمان دون مكان، ولا مكان دون زمان، وهذه الاستدارة للزمان قد بدأت فعلا منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا.

استدارة الزمان معناها عودته إلى ما كان عليه في الأول، وهذه العودة بالنسبة للحديث الذي رواه الشيخان: عن أبي بكرة -رضي الله عنه -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خَلَق الله السموات والأرض، السنة: اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُم؛ ثلاثٌ متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضر الذي بين جمادَى وشعبان))؛ رواه الشيخان (2)، هذه الاستدارة للزمان ثبّتت الأشهر القمرية ومحت بدعة النسيء التي انتشرت في العرب أيام الجاهلية وكان ذلك في حجة الوداع، وهي من جهة أخرى تتحدث عن استدارة الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وهذه الاستدارة في نفس يوم حجة الوداع أظهرت شيئين اثنين الأول توقف النسيء (أي الزيادة في الأشهر القمرية) الذي أُبطل بالإسلام، والثاني أنبأت عن شيء متعلق بآية الطي للكون، وذلك في قوله تعالى: ((يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) الأنبياء))، فكان ذلك إنباء لزمن بداية العودة، وهذا الإنباء يؤكد شيئا هاما جدا وهو توقف توسع الكون وامتداده، فإذا لم يكن الإنسان قد وقف بعد على توقف امتداد الكون وتوسعه معنى ذلك أن القوى الذي ترغمه على التوقف عن التوسع والامتداد قد بدأت بالفعل ولكن ظهورها متأخر شيئا ما، ولا يقال أنما تقول يناقض ما سقته عن بداية العودة، لا يقال ذلك لأن العودة قد بدأت بالزمان في اليوم الذي صرح فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم باستدارة الزمان، أما المكان فسيبدأ بالرجوع هو الآخر لأنه زوج الزمان لصيق به ولا يوجد دونه، وذلك يشبه الدوران الذي يبدأ بطيئا بحسب قوة الشغل المبذول كهربائيا لموتور كهربائي ثم ينطلق، وحين ترفع عنه الكهرباء تبدأ سرعته بالنزول حتما ولا تدرك للوهلة الأولى ولكنه يدرك بعد ثوان أو أجزاء من الثانية وكذلك الكون، وهذا الإنباء سيؤكده العلماء بتجاربهم وبحوثهم وقد وصلنا عنه الخبر اليقيني من كتاب الله عز وجل، والنظرية التي تقول بإعادته إلى أصله صحيحة حتى وإن لم يقم عليها دليل فيزيائي.

ومن جهة أخرى نجد أن حتمية الفعل لكل بدء بالطرح القادم يجعلها أكثر ثباتا وأوضح شرحا لبداية الكون، قد تثبت أكثر مما سبقت وهي: ألا يكون فعل البدء دون الوقوف على ثلاثة أزواج منها ولد الكون، ومنها انطلق وليدا يكبر ويكبر إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن، وهذه الأزواج الثلاثة لا تنكرها الفيزياء وهي الزمان والمكان والطاقة الأولى، وهذه الأزواج الثلاثة لم توجد في البدء إذ لو كانت قد وجدت لما غفل عنها الفيزياء، ولما افتقدها الباحثون ولذلك تقر الفيزياء الحديثة بوجود جسيمات أولية لبداية الكون، وحين تفرغها من هذه النظرية تقف عاجزة عن أي جواب لافتقادها معرفة بداية حركة الأزواج الثلاثة، ولانزلاقها من حافة العدم الذي هو الجسيمات الأولية إلى العدم المحض، إلى اللاّمكان واللاّزمان واللاّشيء، والحقيقة أن الأزواج الثلاثة ما كان لها أن توجد لولا وجود تلك الحركة.

لقد تقرر لدينا أن الأزواج الثلاثة هي الزمان والمكان والجسيْمِيّ، وبالنظر إلى إمكانية وجود واحد دون زوجه تظهر الاستحالة، فالزمان مثلا دون مكان لا معنى له، والمكان دون زمان لا معنى له، والشيء أو الطاقة أو الجسيميّ دون زمان ومكان لا معنى له، وبتعبير آخر المكان دون زمان لا وجود له، والزمان دون مكان لا وجود له، والجسيميّ دون زوجيه لا وجود له، أي دون زمانه ومكانه.

وبتبنّي هذه الفرضية نجد أن الأزواج الثلاثة فيها سابق ومسبوق، فحتمية الفعل لكل بدء توضِّح لنا فعلا مستقلا عن الأزواج الثلاثة وهذا مقرر معرفيا وهو من البديهيات العقلية فلا فعل دون فاعل ولا سبب دون مسبب ولا علة دون معلول غير أن الفاعل هنا ضمير مستتر يستحيل أن يكيَّف أو يقاسَ أو يحدَّ فيكون الفعل الأولي ببدء الحركة خارجا عن الخلق، خارجا عن الأزواج الثلاثة فتكون الأزواج الثلاثة محكومة بفعل ذلك الفاعل الذي يتحتم أن يخالف تلك الأزواج في الذات والصفات فكان غيرهم تماما، وكانت الأزواج محتاجة إلى ذلك الفعل حتما وإلا لما تحركت ولما تفاعلت، ولما وجدت أصلا، وعند النظر إلى الأزواج الثلاثة من حيث رؤية حتمية الفعل لكل بدء نجد فيها حركة تستطيع الفيزياء تقديرها وقياسها وحدّها، وببساطة يتبين أن ظاهرة السابق والمسبوق هنا هي التي تضع إصبعنا على بداية خلق الكون، فإذا نظرنا إلى أي فعل بالبدء نجد الزمان والمكان سابقين على الشيء أو الطاقة هذا إذا ما تقرر لدينا أن الزمان والمكان طاقة وهو ليس كذلك بطبيعة الحال ولا يمكن أن يكونا أبدا، نأخذ مثلا ريشة طير ننقر بها على وتر لآلة عزف كالكمان أو العود فنجد صدى لذلك النقر، لتلك الحركة وقد اشترك فيها الفاعل بريشته والكمان أو العود، فإذا تأملنا السابق والمسبوق سنجده طبعا، سنجد النغم متأخرا عن الفاعل والوتر الذي ينقر عليه، وعليه فالزمن للنغم قد تحدد حين فعل الفاعل بالريشة، والمكان قد تحدد هو الآخر بالنقر على الوتر للآلة، وهذا يخلط علينا الأمور فنجد أن الزمان والمكان سابقين على النغم وهو ما يوافق ما طُرح سابقا فيكون الزمان والمكان مخلوقين قبل الطاقة، موجودين قبل النغم، ولكن إذا أخذنا نفس المثال نجد أن الفاعل للنقر، وأن الشيء الذي يقع عليه النقر هما البادئان باستجلاب نتيجة النقر وهو النغم، فلولا الفاعل، ولولا مكان النقر لما نتج النغم فيكون الزمان والمكان هما السابقان أيضا على النغم، أي سابقان على خلق الجسيميّ الأول، والنتيجة أن حافة العدم تتلاشى وتزول وتمّحي نهائيا فلا يعود لها وجود، وهنا نجد فصلا بين بداية الشيء فيزيائيا وبين بدايته معرفيا، فالفيزياء تحتاج إلى جُسَيْمِيّات حتى تمارس وظيفتها، وحين غياب ما تمارس به وظيفتها لا يصحّ أن تصدر حكما على ما قبل الجسيميّات الأولية لأن ذلك لا يخصها، والصواب أن تقف عند حدودها معترفة بصدور الكون عن لا شيء لأنه مدرك فيزيائيا إذ كيف نصل إلى حافة العدم بعمل الضغط المستمر والضمور الهائل في الطاقة ونستمر في ذلك ملايين المرات إلى أن نصل إلى حافة العدم ونستمر في ذلك إلى أن نصل إلى الهاوية فيمّحي عندها الزمان والمكان والطاقة، فإذا زال الزمان والمكان واختفت الجسيميّات الأولية عُلم أن البداية قد كانت من هذه النقطة، ولكن البداية التي تكون من هذه النقطة توجبها حتمية الفعل لكل بدء، وحتمية الفعل لكل بدء توجب ظهور فعل لفاعل من الضروري أن يختلف كلية عن أي شيء نعرفه، عن أي نوع من الطاقة التي نعرفها والتي لا نعرفها لأنه الوحيد الذي يستطيع فعل البدء لخلق الكون، وهذا الفعل يجب أن لا يأخذ شيئا من صفات ما سينتج عن حتمية الفعل لكل بدء، إذ لو ظهر شيء من ذلك لما توقفنا عند النقطة التي توقفنا عندها، بل لظللنا مستمرين في الانحدار في الزمان والمكان إلى ما لا نهاية وهذا محال، وعليه ومن خلال تطبيق حتمية الفعل لكل بدء وجب أن يكون الكون قد بدأ بأزواج ثلاثة هي: الزمان والمكان والطاقة، ولكن الطاقة هنا ليست خاضعة للمثال الذي ضربناه، بل منافية له تماما لأن الطاقة هي الأولى والزمان والمكان تابعين لها، والفرق بينهم فرق يمكن حسابه لأنه في نطاق ما يحسب، وعليه فالكون قد بدأ بجسيميّ فيزيائي، وحين نقول عنه أنه بدأ بجسيميّ فيزيائي نقول ذلك باعتبار خضوعه لقانون الفيزيائية لكل طاقة، والكون ظهر كطاقة في بدايته، والسؤال الذي يطرح كيف يكون بدء الكون فيزيائيا، ثم تقول عنه أنه قد جاء من عدم؟ والجواب على ذلك أن الكون قد جاء من عدم فعلا لأنه لم يسبقه مخلوق آخر من جنس طاقة الكون، ولم يرتبط بأي عنصر آخر من العناصر التي اكتشفناها أو التي لم نكتشفها بعد لأن البداية بداية للبدء، بداية لبدء ليس قبله بدء آخر، وهذا البدء حتّم وجود انتهاء، أو بتعبير آخر أوجب تعيين الحيّز والحدّ وهذا هو الكون الذي نعرفه، له بداية من طاقة ضئيلة خلقها فاعل لا يشبه الطاقة ولا تشببه الطاقة، وله نهاية بدأنا نتلمسها فيزيائيا وقد تلمسنها من البديهيات سابقا إذ المبتدئ منته حتما، والذي له بداية له نهاية حتما..

يبقى تصور ذلك البدء، فحتمية الفعل لكل بدء أنتجت خلقا هو الطوب الأولي الذي منه سيبنى الكون، هو الطوب الذي ولّد جميع عناصر الكون، ويبقى أيضا تصور القوانين التي ارتبطت بالطاقة التي تمّ خلقها، وللزيادة في تقريب الصورة نأخذ الزمان والمكان، فالزمان والمكان لا معنى لهما دون وجود ما يحسب له زمان ويكون له مكان، فيكون الزمان والمكان ليسا أول الخلق، بل الذي يكون أول الخلق هو ذلك العنصر الذي به يبدآن، أي ذلك العنصر الذي يولد له زمان، وإذا ولد له زمان فالمكان حتما يكون تابعا له، لأنه لا مولود في العدم من المادة والطاقة، والنتيجة أن خلق الجسيمي الأولي أو الجسيميّات الأولية هو الأول، وحين خلقه بدأ زمانه ومكانه فيكون الزمان والمكان غير سابقين على الطاقة، بل الطاقة هي السابقة لأنها هي التي توجب وجود زمان لها ومكان لها، وبهذه الصورة لخلق الكون ظهرت الطوبة الأولى جامعة لزمانها ومكانها، مرتبطة بهما، ثم تمخضت في حياتها عن تفاعلات طاقية أنتجت جسيميّات أولية أخرى، وللعلماء قول في وجود وحدات بنائية أخرى أكثر أولية وأصغر من الجسيمات التي عرفت ولها أعمار وهي التي أسميتها الجُسَيْمِيّات الأولية، ثم جسيمات ما بعد الأولية وهي الجسيمات وقد قدر عددها تقريبا بـ 200 جسيم منها ما يتحلل بسرعة ويتحول إلى جسيمات أخرى إلى أن أصبحت ذرات، ثم جزيئات، ثم دخانا في صفحة الزمان والمكان، وكانت الجسيميّات والجسيمات الأولية تتفاعل في صفحة الزمان والمكان، وكانت الطاقة حينها ترتفع حرارتها وترتفع إلى أن صارت دخانا (سحابا) عندها وفي زمن مقدَّر لها حصل الانفجار العظيم ليتسع الكون بشكل سريع جدا ويستمر في التوسع وتبدأ الذرة في تخليق المادة من خلال وحداتها كالكواركات والليبتونات، وشرعت العناصر في الترابط وقد عرف منها 92 عنصرا في الطبيعة أي  92 نوعا من أنواع الذرة، وكل ذلك سار جنبا إلى جنب مع قوى ضابطة لها هي قوى الطبيعة إلى أن وصل الكون إلى ما هو عليه الآن، وتمّت معرفة عودته إلى ما كان عليه منذ أربعة عشر قرنا من الزمان من خلال المعرفة اليقينية في القرآن الكريم، وسوف تثبت للعلماء فيما بعد، سوف يعرفون الجسيم فوق التناظري وهم الآن يفترضون وجوده وهو تلك المادة الباردة المظلمة، وسوف يتوصلون إلى حقيقة الطوب الذي جاء منه الكون وسوف يقفون عاجزين عن تجاوزه إلى ما قبله لأن ما قبله ليس طاقة وعندها تلعن الفيزياء الإلحاد وتتبرأ ممن يشتغلون بها وهم على حال الإلحاد، إذ لا يمكن أن يكون ما قبل الطوب الأول لخلق الكون إلا العدم، والعدم لا يخلق نفسه فكيف يخلق غيره؟ والنتيجة الاعتراف بخالق الطوب الأول لخلق الكون وهو الله تبارك وتعالى، وبالتسلق في الزمان من بدايته إلى نهايته سوف يقف العلم الفيزيائي على مكان بدْء طيّ الكون.

ومن جهة أخرى يمكن القول أن الكون عبارة عن كتاب كان مطويا قبل خلقه، ومكانه علم وليس مكانا بحيّز وحدّ، ولن يكون المكان إلا علم الذي طواه، والنتيجة أن فتحه، أي خلقه، قد كان من طرف الذي خلقه وطواه؛ في علمه، وحين أراد أن يظهره ويخرجه للوجود فتحه وشرع يفتح صفحاته صفحة صفحة وهي تلك المظاهر للخلق بجميع أنواعه وأشكاله، واستمر الأمر كذلك ولم يزل، ثم توقفت صفحات الكون عن الفتح إذ لم تعد في كتاب الكون صفحة أخرى تفتح، فبدأ العد التنازلي للطيّ، وفعلا شرع الطيّ في الكون منذ أربعة عشر قرنا، وسيظل يطوى إلى أن ينتهي إلى التلاشي والزوال، ولن يفعل ذلك الكون بنفسه لأنه مجبور على البداية والنهاية، لن يفعل ذلك إلا خالقه وهو الله عزّ وجلّ.

والسؤال المشروع معرفيا وفيزيائيا هو من أين جاء كذا وكذا؟ من خلق كذا وكذا؟ هذا السؤال مشروع، ولكن سؤال: من خلق الله وقد عنى ما اعتقدنا أنه الخالق للكون فهو سؤال خاطئ بطبيعة الحال، أي معناه من أحدث الله، وحين نقف على من أحدث الله نسأل ومن أحدث الذي أحدث الله وهكذا في تعميم يليه تعميم ينتهي إلى الحمق والغباء ولا يقف على بداية أبدا؟

إن هذا السؤال يثبت تسلسل الفاعلين، وإثباته للفاعلين لا حدّ له لأنه لا نهاية له، والمعرفة والعلم لا يقران بذلك لأن البداية ظاهرة في الخلق، وركوب ذلك التسلسل يؤدي إلى ما لا بداية، وفي اللاّبداية ضياع للمعرفة وضياع للعلم واستغباء للإنسان وحشره مع غير العقلاء من البهائم مثلا، ونتيجته أخيرا ألاّ يحصل خلقٌ مطلقاً وهذا محال وهو مخالق للواقع، وليس هذا مبنيا على القاعدة التي تقول أن لكل شيء مُسَبِّبٌ، ولكل مَوْجودٍ خالقٌ، بل مبنية على حتمية الفعل لكل بدء، أي مبنية  على أن لكل شيء حادثٍ مسبِّبٌ، ولكل مخلوقٍ خالقٌ، فالحادث لا يحدث دون فعل مسبق من فاعل وتلك حتمية، والمخلوق لا يُخْلَق دون فعل مسبق من فاعل الخلق وتلك حتمية، والحادث والمخلوق يمثلان البداية التي ليس قبلها بداية له إلا من فعل الذي أوجد ذلك الحادث وفعل الذي خلق ذلك المخلوق، إذ هو الذي أحدث الحادث الذي لم يكن، وخلق المخلوق الذي لم يكن، فالذي فعل ذلك ليس له مُسبِّب لأنه السبب الأول، وقانون السببية لا يتعلق إلا بالحادث فقط أما الخالق جل وعلا فلا يخضع عقلا لقانون السببية إذ هو ليس حادثا حتى يكون له محدث، وإذا كان له محدثا ذهبنا إليه لنقف على أنه الأول فإن لم نقف على ذلك نستمر في التيه إلى ما لا نهاية، وأما نعتنا للسؤال بأنه في أصله خاطئ فهو مثل ذلك الذي تعوّد على القعود على أريكته يقرأ كتابا، ثم قرر أن يخرج للتبضُّع وحين عاد ودخل غرفته سأل قائلا: من أبقى هذه الأريكة على حالها والكتاب الذي كنت أقرأ على حاله؟ فالمفروض ألاّ يسأل هذا السؤال الخاطئ لأن الأريكة لا تزال على نفس وضعها الذي عرفه، والكتاب لا يزال في نفس الموضع الذي تركه والسؤال المشروع هو أن يسأل ذلك السؤال في حالة ما إذا وجد الأريكة قد تغير وضعها، والكتاب قد انتقل إلى مكان آخر عندها يكون سؤاله صوابا، وهذا مثل الذي يسأل من خلق الله؟

إن حتمية الفعل لكل بدء بديهية من البديهيات العقلية، فلا يقام عليها دليل لأنها أم الأدلة العقلية التي يتعامل بها الإنسان في حياته ولا بديل عنها مطلقا، بل تقوم هي دليلا على الحادث والمخلوق والمبتدئ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدم ميتتان،

ميتة أولى حُكْماًء، وميتة ثانية واقعا

 

الأشياء قبل ابتدائها تكون في العدم ميتة حُكْماً، وتكون في العدم ميتة ثانية واقعاً لأن الأشياء بعد ابتدائها تكون وجودا فعلا وليس حكما، وإذا أريد إيجاد ميتة ثالثة ورابعة وخامسة وأكثر فذلك خاص بمن خلق الموت والحياة.

ولكي نفصل في العدمين نسوق ما يلي:

أولا: العدم من حيث هو عدم يكون عدما مَحْضاً وفناءً صِرْفاً.

ثانيا: العدم من حيث هو عدم يكون عدما لا محضا ولا صرفا.

ــ العدم الذي يكون عدما مَحْضاً وفَناء صِرْفاً هو ذلك العدم الذي لا يوجد له علة ولا سبب خارج الإرادة الإلهية، بمعنى أنه عدم ما لم يُرِدِ الله تعالى خَلْقَ شيء من لا شيء كما حصل لخلق الكون، فالكون قد كان في العدم المحض، كان في علم الله تعالى قبل ما لا نهاية من السنين، قبل خلق الزمن لأنه قد بدأ قريبا جدا بخمسة عشر مليار عام يزيد أو ينقص (13,5 مليار سنة) بينما الله تعالى لا مكان له ولا زمان ولا حدّ لعلمه ولا أوّل له ولا آخر لأن العلم صفة ذاتية للخالق، وحين يخلق الخالق خلْقه تظهر صفة الخلق فيه صفة فعلية، فهي صفة ذاتية فعلية خلاف صفة العلم فهي صفة ذاتية غير فعلية، فلا يقال أن الله إذا شاء علم وإذا شاء لم يعلم، لا يقال ذلك، فإذا فرضنا سنوات بعدد ذرات الكون وقلنا أن الكون في علم الله تعالى كان سيخلق في السنة الفلانية فقولنا هذا عقلا معقول ولكن يجب أن لا يفضي بنا إلى وضع حد لعلم الله تعالى، وهناك في علم الله تعالى ما لا يحصى ولا يعدّ لأن علمه غير محدود، فإذا قلنا بوجود عدم آخر على غرار عدم الكون وعدم ثان وثالث إلى ما لا نهاية فهذا القول عقلا معقول لأنه ينزه الله تعالى ولا يضع حدا لعلمه وقدرته، قال تعالى: ((والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) النحل))، وقال تعالى: ((سبحان الذّي خَلَقَ الأَزْواج كلها ممّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومنْ أنْفُسهم وممَّا لا يَعْلَمون (36) ياسين)) ولكنه في الأول والأخير قول دون علم نفترضه مجرد افتراض في حقنا لأن علمنا محدود ونحن هنا لا نعلم، فيكون قولنا وإن كان عقلا معقول إلا أنه ليس قول العقلاء حقا، بل هو قول من لا يعلم، ومن لا يعلم يُتبرأ من قوله ونحن البادون بالتبرؤ من قولنا فنتبرأ منه، فإذا أراد الله تعالى خلق شيء من عدم غير العدم الذي جاء منه الكون فله ذلك، وخلق الله الذي نعرف عرفناه منه وقد وصلنا عنه جلّ وعلا، فهل يكون هذا الذي نعرف هو كل خلقه؟ لا طبعا، فإذا أخذنا العوالم كلها نجدها متعددة، والعالَم هو كل ما سوى الله، فما سوى الله يسمى عالما، وعليه هناك عالم الملائكة وعالم الجن وعالم الشهداء وعالم البرزخ، فهل تكون هذه العوالم هي الوحيدة الموجودة؟ وهل تكون العوالم الأخرى غير التي ذكرت موجودة؟ لا نخوض في مثل هذا فنقع في السفه الفكري والخبط العقلي مثلما وقع النصارى حين فرضوا على الله التثليث حتى يتكلم مع الأقنومين عيسى وروح القدس وإلا لما كان لصفة الكلام معنى، هذا هراء، فالله تعالى مستغنٍ، فهو يتكلم حين يريد أن يتكلم، ويخلق حين يريد أن يخلق، ويرزق حين يريد أن يرزق، فصدق ربنا حين قال: ((يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) الرحمن))، فهل شأنه فقط متعلق بالمخلوقات في السماء والأرض؟ هل شأنه متعلق بالعباد يجيب الداعي ويعطي السائل ويشفي السقيم ويفكّ العاني؟ هل شأنه فقط في تلبية حاجات أهل السموات والأرض؟ لا طبعا، فالله تعالى فيما نعلم كل يوم في شأن من شؤون خلقه، إذ هو القيّوم على خلقه، إلا أن الشأن لا يحصر فيما نعلم، بل يتجاوزه إلى ما لا نعلم.

ــ العدم الذي يكون عدما لا مَحْضاً ولا صِرْفاً هو ذلك العدم الذي يأتي مركّبا من مادة الكون وطاقته ولكن بمشيئة الله تعالى، وهذا العدم موت، ولكنه ليس موتا محضا ولا فناء صرفا، صحيح قد يكون موتا محضا وفناء صرفا في حق مخلوقات كثيرة، ولكنه ليس كذلك في حق الإنسان، فالموت في حق الإنسان كما قال الراسخون في العلم إنما هو انقطاع للروح في تعلقها بالبدن ومفارقتها له مع الحيلولة بينهما، فتبدُّل الحال معروف ومشاهد، والانتقال من دار الحياة إلى دار الموت مشاهد هو الآخر، بينما الانتقال إلى الآخرة فهو بيت القصيد بالنسبة للعقلاء، فمن لم يكن عاقلا ظن أن الحياة عبث، وأن الموت ليس بعده حياة، أي ليس بعد هذا الانتقال من حال الحياة إلى حال الموت ثم إلى حال الحياة الأبدية أيّة صلة فيكون هذا المعتقَد دالا على سفاهة وضعف عقل، وكيف لا يكون ذلك سفاهة وحمقا والإبداع والإتقان والتصوير للكون والإنسان والحياة بادٍ لكل ذي لبّ؟ أيأتي الإبداع والإتقان والتصوير من تلقاء نفسه؟ وإذا جاء من تلقاء نفسه ألا يُرى أنه خاضع لنظام؟ أفيكون منتظما بنظام تظهر عليه الروعة والانبهار ولا ينسب إلى الخالق؟

وخلق الكون عند الكثيرين قد أتى من مادة قديمة، يريدون أن يقولوا إن المادة القديمة أزلية منها جاء الكون، فيكون الكون ليس له بداية مثله مثل الخالق جلّ وعلا، وهذا القول يجعل لله شريكا في الخلق هو المادة القديمة، وهذا يثبت وجود متصرِّفَيْن، يثبت وجود إلهين وهذا عقلا وواقعا محال لأنه لا بد من هيمنة أحدهما على الآخر وإخضاعه له، وقد تزعم هذا القول معظم فلاسفة اليونان قديما أبرزهم أرسطو وصار على منواله ابن سيناء والفارابي، وأما ابن رشد فلا يمانع أن يكون الكون قديما، ولا يزال إلى يومنا هذا كثيرون ولكنه في تراجع بسبب التقدم العلمي.

وخلق الكون عند المؤمنين عموما وعند المتكلمين خصوصا قد جاء من العدم، جاء من اللاّشيء، وهم في مقابل الذين قالوا بقِدَمِه، والقول الأخير عند بعض المشتغلين بالفيزياء الكونية غير صحيح، فتوسع الكون الذي اكتُشف في بداية القرن العشرين جعل العلماء يعتقدون أن التباعد الهائل بين المجرات وبسرعة رهيبة ولّد مقابله الانطلاق من شيء واحد، فقد انطلق الكون من رَتْقٍ أوّلي ثم تمّ فتق الرّتق ليحصل الذي علموه، لقد انطلق من كثافة انطلقت هي الأخرى عما قبلها، فإذا ضغطنا المادة والطاقة فهذا الضغط للمادة والطاقة ينتهي إلى نهايتها لأنها مبتدئة، ونهايتها هي ابتداؤها، وابتداؤها هو نهايتها، والنتيجة عدمها، ولكن مجيئه قد كان من غير العدم الفيزيائي، بل كان من شيء أوّلي، هذا ما يقوله الكثيرون، ولكي ينفون وجود الخالق جلّ وعلا ولا يعترفون به ويردون على القول بمجيئ الكون من عدم قالوا أن الكون هو الذي خلق نفسه من العدم وهذا القول اشتهر به "ستيفن هاوكين"، الكون خلق نفسه على أساس العدم الفيزيائي الذي هو ليس اللاّشيء وكأنهم معتزلة قد قالوا بشيئية العدم، وكأنهم ذلك الجويني الذي قال في كتابه: الشامل في أصول الدين أن حقيقة الشيء المعلوم، والعدم معلوم، ليرد عليهم المتكلمون بقولهم أن العدم إذا كان شيئا فما جوهر العدم؟ ليرد عليهم المعتزلة بقولهم: أن جوهر العدم مثل جوهر الوجود إلا أنه غير متحيِّز، لا يشغل مكانا وليس له حيِّز، والعدم كما يقول أستاذ الفيزياء الكونية بجامعة اليرموك بالأردن البروفيسور "محمد باسل الطائي" في فيديوهات له منشورة على اليوتوب ليس له مكان بالضرورة، وأبو حامد الغزالي في كتابه: تهافت الفلاسفة قال في العدم عند مناقشته له أن العدم لا ضرورة أن يكون له مخصِّص ومرجِّح لأن المخصِّص والمرجِّح هو الله تعالى، ونظرية المجال الكمّي جعلت من أيّ شيء قابلية للقياس، والرياضيات الحديثة تقول بأن أيّ شيء له حد في القياس فتكون الأشياء الفيزيائية لها قابلية للقياس.

وعند هذه النقطة بالذات تبين أن العدم ضد الوجود فهو لا شيء، ولكن العدم فيزيائيا هو ما كان بقابلية القياس، وعند نزولنا في تاريخ الكون إلى بدايته سنجد إما أنه قد بدأ من شيء فتبطل هذه النظرية بحيث يفرض علينا الواقع إثبات أن الكون قد بدأ من شيء حتى لا تبطل النظرية التي تقول بالقياس لكل شيء، فإذا لم يوجد شيء نقيسه حين يثبت العدم نفتقد لما نقيس فنستنتج إما إنكار أن الكون قد جاء من شيء قبله، وإما نستنتج أن الكون قد جاء من لا شيء وهذا هو الصواب، وعليه كيف يكون ذلك؟

إن الإشكال الكبير في تعريف العدم فيزيائيا هو ذلك الذي يقول بأنه لا يعني اللاّشيء بشكل مطلق، فإذا كان لا يعني اللاّشيء مطلقا معنى ذلك أن العدم يَتَشَيَّءْ ويَتَجَزَّأ ولو إلى جسيم أقل من الجسيم الأولي بملايين المرات، وهذا قد ناقشته كثيرا في كثير من بحوثي ومقالاتي ولكنني الآن أثيره لمواجهة الفرضية الفيزيائية الخاطئة رغم اعتبارها صحيحة من طرف علماء، رويدك حضرة القارئ المحترم، أنا الآن أعرف ما يدور في دماغك بشأن وقوفي في وجه الفيزيائيين وأنا لست فيزيائيا، رويدك وحِلمك علي.

إذا أخذنا النظرية التي تقول إن الكون خلق نفسه من العدم (الكون الكمومي) نجد أن هذه النظرية يناقضها قانون استحالة أن يوجِد الموجود نفسه، ألا تكون هناك قوة تدفعه وتخرجه إلى الوجود؟ فالموجود إذا أراد أن يوجد نفسه يشترط أن يكون قديما، هذا أولا، ثانيا لا بد أن يتصف بصفة الإحياء والإماتة لنفسه ولغيره، وهذا عقلا محال، فالذي يخلق نفسه يحييها، ومن يحيي نفسه يكون ميتا، والميت غير موجود إلا في علم غيره، فكيف يحيي نفسه وهو ميت وعملية الإحياء يستحيل أن تكون من ميت؟ وكنتيجة يظهر خطأ هذه النظرية وإفلاسها، ونظرة إلى إخراج الحي من الميت تحتم أن يخرج الحي الحي من الميت، فإذا كان الذي يخرج الحي من الميت ميتا استحال أن تظهر الحياة في الميت لأن الحياة بداية، والبداية لا بد لها من مبدئ، وإذا استطاعت أن تبدئ نفسها استطاعت أن تنهي نفسها وهذا محال، ولا داعي لسوق أمثلة على من يضع حدا لحياته، لأنه وإن وضع حدا لحياته فإنه يستحيل عليه أن يضع حدا لبدايته، أي يمنع بدايته في الخلق والحياة.

إن العدم الكمومي له طاقة هي طاقة العدم وتساوي صفر وهو ليس صفرا تماما، بل تحوم حول الصفر وتلتصق به وأحيانا تبتعد عنه قليلا، وعند الابتعاد تنتج المادة، وهذه النتائج موثَّقة بتجارب جرت في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان، هذه النظرية، نظرية الكون الكمومي لم تأت بجديد يتعلق بخلق الكون من عدم، بل جاءت تقول أن الكون جاء من عدم كمومي، أي جاء من شيء، وهي بذلك لم تجب على السؤال الرئيسي الذي أرّق المشتغلين بالفيزياء ولكنه لم يؤرِّق علماء المعرفة لأنهم مطمئنون بأدلة قطعية على خلق العدم الكمومي من العدم المطلق الذي ليس قبله شيء ولا طاقة.

وقولهم في الفيزياء الكمية أن المادة تخرج من العدم دون صانع، وعدمها عدم كمومي يستند إلى طاقة موجودة عند الصفر، هذا القول فيه مغالطة كبيرة كِبَر الكون، إذ كيف تخرج المادة من العدم دون صانع؟ ألم يقولوا إن العدم الكمومي هو ذلك العدم الذي يقترب من الصفر وأن طاقة العدم هي تلك الطاقة التي ليست هي صفرا تماما ولكنها تقترب منه؟ أليس القول بوجود طاقة العدم يدل على خلق ما بعدها منها؟ كيف تخرج المادة من العدم دون مخرج لها؟ إذا ارتبط خروج المادة من العدم الكمومي قلنا إن ذلك صحيح مادام هناك ما يسبق خروج المادة وهو العدم الكمومي الذي هو شيء فعلا أو جسيم فعلا، ولكن أن يقال بخروج المادة من العدم وبهذا الإطلاق ففيه مغالطة كبير جدا، وأن يقال بخروج المادة من العدم الكمومي دون مُخْرجٍ لها فذلك قول مُدلِّس في العلم.

إن العدم الذي يخلق نفسه أو يأتي من تقلُّبات الفراغ هو عدم كمومي لأنه يُظهر وجود متفاعلين، والوجود للمتفاعلين يُحتِّم وجود السابق عليهم، يحتِّم الحكم على وجودهم بوجود سابق إما أن يكون وجودا منهم ذاتيا وهذا محال، وإما أن يكون وجودا من غيرهم وهذا هو الصواب، وعليه وجب الذهاب إلى ما قبلهم ولا داعي لمناقشة تفاهة القول إن هذا العدم يتحول ذاتيا إلى وجود.

وإن وجود العناصر في الكون بنسب مثيرة يشير إلى علم ووعي وإدراك، يشير إلى قوة قاهرة لا قوة فوقها مطلقا، يشير إلى تحكُّمٍ رهيبٍ ووضع بديعٍ لتلك العناصر، فهذا عنصر الهيدروجين بنسبة: 76 في المائة، وهذا عنصر الهيليوم بنسبة: 23 في المائة وباقي العناصر بنسبة: واحد في المائة، فلماذا هكذا هي العناصر في الكون وبهذه النسب لولا أن هناك قائما على إيجادها وصيانتها؟ لماذا هذه النسب لولا أن هناك خالقا لها ومقدِّرا لِنِسَبها؟

إن الترابط الذرّي الذي أنتج لنا المادة السائلة والغازية والجامدة ما كان ليكون لولا وجود قوة خارجيّة عنه، وإن بناء الخلايا للأنسجة والعظام والعضلات ما كان ليكون لولا وجود قوة خارجة عنها، وإن الوصول إلى عملية الاندماج النووي والانشطار النووي في تجارب البشر ما كان ليكون لولا وجود يد (قوة) سعت إلى الوصول إلى معرفة كيفية الانشطار والاندماج في الذرة بعد أن كان يقال إن الذرة لا تنشطر، فكيف يقال بخروج المادة من عدم والواقع غير ذلك تماما؟ لم هذا التدليس العلمي على الناس؟

ونظرية الكون المتكرر تقول بتعدد الأكوان وأن كوننا مسبوق بملايين الأكوان الأخرى، وهذه النظرية لأينشتين التي اقترحها سنة: 1930م تناقض قوانين الميكانيكا الحرارية، هذه النظرية من حيث العلم على القدرة الإلهية صواب لأنها تبرز للإله القوة على خلق الأكوان، ولكنها لا تعلم شيئا عن تلك الأكوان لأنها مجرد فرضية، وأما تناقضها مع قوانين الميكانيكا الحرارية فهو تناقض له ما يبرره ولكن ليس في الواقع لأن واقع الأكوان المتعددة مجرد فرضية، وأما معرفيا فإن الوجود من حيث هو وجود على نمط وجودنا غير موجود، وأما الوجود من حيث هو وجود على غير نمط وجودنا فهو موجود ولكن لا نعلم عنه إلا ما أعلمنا به رب العالمين في كتابه العزيز، أو أخبرنا به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أو ما توصلنا إلى معرفته من خلال بحوثنا وتجاربنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حتمية إعادة المعدوم

 

المعدوم لكيْ يَثْبُت أنه معدوم؛ لكي يثبت أنه قد أُعْدِم يجب أن يكون قد وُجِد وخُلِق وإلاّ لما كان معدوما، والموجود والمخلوق الذي انعدم فصار في العدم قد كان في العدم قبل وجوده وظهوره، أي قد كان ميتا وإلاّ لما كان عدما، فالعدم حين يظهر يكون قد أُحْيِيَ، إذ كيف يظهر العدم لولا أنه قد كان ميِّتاً؟ وعليه فالموت عدم، والموت مخلوق، ولكنه ليس مخلوقا في العلم الأزلي لله عز وجل، بل هو موجود في علم الله تعالى قبل أن يظهر، فلا شيء يخلق في علم الله تعالى، علمه جل وعلا لا يُبْديه مُبْدٍ ولا يُنْهيه مُنْهٍ، انظر إلى تفكير الإنسان، فحين يأتي الإنسان بجديد فإن جديده هذا قد تم تصوُّرُه، قد تم تصوُّر كُلِّياته أو جُزْئياته أو هما معا، والتصوُّر هو عينه التفكير ضمن شروط التفكير طبعا، والله عزّ وجلّ لا يفكر لأن التفكير دليل النقص، والتفكير عمل يشترك فيه الدماغ، والإحساس، والواقع أو أثر الواقع وهو المتصوَّر إن كان غيْباً عنا إلا عن الذي يباشر التفكير فيه، والمعلومات السابقة ولو أن تكون أولية، والله تعالى ليس كمثله شيء قال تعالى: ((فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى))، ولا يقال أن الله يفكر بكيفية لا نعلمها وبشروط لا نعلمها على غرار قولنا أن الله استوى على العرش بكيفية لا نعلمها، قال تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه))، لا يقال ذلك لأن مثل هذا القول يُشَيِّءُ الله تعالى ويكيِّفه والله منزه عن التشييء والتكييف، انظر إلى عدم محدودية الله تعالى وانظر إلى محدودية العرش لأنه مخلوق والمخلوق مبتدئ ومنته وفكِّر في استواء غير المحدود على المحدود، أيصح ذلك؟ لا مجال للخوض في مثل هذا لأنه هراء في حق الله تعالى، فهو الذي يصف نفسه بالصفات التي فيه والصفات التي يريد، وهو الذي يرينا أفعاله في خلقه، فحين يستوي على عرشه فإن استواءه لا يُكَيَّف وإن كان الاستواء عندنا معلوما، ولكننا حين نقف على تنزيه الله نقف أيضا على عدم الخوض في ذلك لأننا سنضل قطعا، وكيف لا نضل والعملية العقلية التي نباشرها تفتقد لشروط بنائها، وإذا افتقدت لشروط بنائها فهل يكون البناء سليما؟ قطعا لا، فما من شيء خُلق إلا ابْتَدَأ، ولا أتحدث هنا عن الجنس، ما من شيء خُلق إلا ابتدأ، والمبتدئ يستحيل أن يُبدئ نفسه لأنه مبتدئ، والمبتدئ ميّت يستحيل أن يحيي نفسه، يستحيل أن يبدأ نفسه وكيف يبدأ نفسه وهو في العدم؟ فيكون ابتداؤه خَلْقٌ من عدم، يكون ابتداء من الموت، أي يأتي حيّا من الموت، ثم بعد ذلك يصير إلى الموت أيضا ولكن إعادته للوجود إعادة للشبه وليس إعادة له هو نفسه، فإذا كانت الإعادة لشبهه فهذه الإعادة إعادة المخلوق لما خلق، أي أنه يستحيل أن يعيد الأصل، بل حتى الشبه يستحيل أن يعيده دون إنقاص منه أو زيادة فيه، أما إعادته كما هو بلحمه وعظمه، بخلاياه وذراته بنفس تركيبه سواء كان المعدوم قد حصل إعدامه وهو في وسط عمره أو بدايته أو عند كهولته وشيخوخته، فالمعدوم بأيّ صفة من تلك الصفات التي كان عليها في مرحلة من مراحل عمره يمكن إعادته للحياة كما هو بالشكل الذي كان عليه في أي مرحلة من مراحل عمره، ولكن الإعادة هذه التي للمعدوم كما هو إعادة من الذي أوجده مبدأ وهو الله عزّ وجلّ، فلا أحد غير الله تعالى قادر على إعادة المعدوم دون إعادة الشبه، لا أحد غير الله يقدر على إعادة الزمان والمكان بكل تفاصيلهما، انظر إلى بداية الخلق وكيفية تركيب المخلوقات بما فيها المادة والطاقة ألا يقدر من فعل هذا على إعادة المادة إلى أصل تركيبها بجمع عناصرها عنصرا عنصرا وتركيبها كما كانت؟ نعم بطبيعة الحال.

والإشكال الذي يقع فيه الكثيرون هو أنهم لا يفرقون بين الاستنساخ والخلق، فالخلق لبذرة القمح أو أيّ حبة للإنبات مستحيل، فكيف بخلق الأرقى وهو الحيوان، ثم الإنسان؟، صحيح أنهم استنسخوا حيوانات ولكن بعملية المحاكاة لخلق الله تعالى، فحين جاءت النعجة دولي جاءت نعجة جديدة شبيهة بأمها ليس تماما باعتبار الشبه يتناول الطول والعرض والوزن والكثافة وغير ذلك، فهذا وإن كان خلقا بالمحاكاة إلا أنه لم يأت بنفس النعجة الأم التي أخذت منها خليتها فاستنسخت منها النعجة دولي، وليس هو إتيانا بنفس الذي أزيل أو أعدم، إنه من حيث الخلق يشبه محاكاة الدجاجة عند إرادة الحصول على الكتاكيت بعملية رعاية البيض إلى غاية الفقس، فالنعجة الأولى نعجة بحياتها، والنعجة الثانية نعجة بحياتها وكلاهما يحمل جنسا غير جنس الأخرى، أي أن جنس المخلوق يكون له وحده، فإذا مات المخلوق ذهب معه جنسه ولا أعني هنا المشاركة في الجنس كجنس الحيوان والإنسان، لا، أريد أن أقول أن جنسي مستقل عن جنسك حضرة القارئ المحترم فلا نشترك في هذا الجنس وإن كنا نشترك في جنس الإنسان، فحين يموت الإنسان يذهب معه جنسه ويبقى الإنسان الآخر يحمل جنسه معه ولا مجال لتضييع الوقت في مناقشة ما يسمى بالتناسخ سواء للأرواح أم للأجناس أم غير ذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عملية الاستنساخ لا تكون للأحياء، بل تكون للأموات، وهي التي تأتي بشبه ولا تأتي بالميت أبدا، لا تأتي بالأصل، انظر إلى استنساخك لورقة فهي استنساخ لما في الورقة على ورقة أخرى، والنعجة دولي لم تأت بالاستنساخ، بل جاءت بالمحاكاة لخلق الله تعالى، فلو جاءت بالاستنساخ لكانت الأولى ميتة والثانية ميتة أيضا، أي لكانت النعجة الأم جمادا لا حياة فيها، ولكانت النعجة دولي جمادا لا حياة فيها كذلك، وهذا لم يحصل، فيكون إطلاق الاستنساخ على مثل هذه العمليات إطلاق فيه مغالطة وجب تصحيحها، فالنعجة دولي جاءت حين تمت محاكاة خلق الله تعالى فكانت النتيجة خلق جديد بالمحاكاة والسؤال هو: هل يمكن أن نصف الإنسان الذي فعل ذلك بأنه خالق؟

والجواب على ذلك أنه يستحيل أن يكون الإنسان خالقا للحياة، صحيح يستطيع أن يكون خالقا للجماد وذلك ظاهر في إبداعه مثلا في عالم التكنولوجيا والإلكترونات والأدب والفنون وما إلى ذلك لأن جميع إبداعاته لن تجد فيها حياة، حتى الروبوتات التي يبدعها وتتحرك بإرادته أو بتوقيت منه ليس فيها حياة ولن تكون أبدا، لأن الحياة مختصة بالخالق جلّ وعلا، أما الإنسان فيطلق عليه أنه خالق مجازا ولكن للجماد فقط، والإشكال الذي ظهر في النعجة دولي وفي ثيران اليابان وكل ما تم استنساخه جعلهم يتوهمون فعل الخلق بما فعلوا وما هو بفعل الخلق، بل هو محاكاة لخلق الله تعالى الذي إن تمت مسايرته ومحاكاته ينتج الذي رأينا وشهدنا.

ولمن يريد الحسم نقول له أنظر إلى الخلية التي تم إفراغها من نواتها، انظر إلى الخلايا التي منها جاءت الحيوانات المستنسخة، فهل تم بث الحياة فيها من طرف الإنسان أم نقلوها وهي حية؟ من أحياها مبدأ وجعلها بقابلية أن يأتي منها الجنين؟ كيف يستفاد من الخلايا الجذعية ويتم توليدها وبناء الأنسجة منها لولا أن أصلها حيّ وحياته فيه لم يخلقها الإنسان؟ أليس هذا كاف لإدراك المغالطة وزوال الإشكال؟       

والإعادة للمعدوم إحياء له، والإحياء لا يكون إلا للميت ولكن الميت هنا له ميتتان؛ الأولى حين كان في العدم الأول إذ كان في علم الله تعالى، والثانية حين أحيي مرة ثانية ولكن أحيي من جهة الإعادة له، من حيث إحياء نفس الذي أعدم في العدم الثاني وليس من جهة إخراجه من العدم الأول.

فلو أننا قلنا بإعادة الذرات والخلايا وكل شيء كان قد تركَّب فينا والأعضاء والعضلات والأنسجة والعروق والشرايين وأي شيء قد كان مركبا في ذات الإنسان فإن ذلك مستحيل إلا على الله تعالى، لأنه الوحيد الذي لا يتجاوزه كُلِّيٌّ واحد، ولا جُزْئِيٌّ واحد، لا يتجاوزه جُزَيْءٌ واحد، ولا شُحَيْنٌ واحد، لا يتجاوزه أيّ شيء مما لم يُكتشف بعد في عالم الجسيمات الأولية من الليبتونات والهادرونات، الأشياء سواء كانت مادة أم طاقة اُلله تعالى هو المحيط بها ويعلم من أين جاءت وإلى أين صارت، ولذلك فهو وحده القادر على إعادة المعدوم كما هو بنفس مكوِّناته لا تضيع منه ذرة واحدة، ولا خلية واحدة، ولا أي شيء من المادة والطاقة صغُر أم كبُر، دقّ أم جلّ..

الله تعالى وحده القادر على تركيب الإنسان وتفكيكه، ثم تركيبه من جديد، الله عزّ وجلّ هو القادر وحده على التركيب والتفكيك، ثم التركيب لأيّ شيء، لأيّ مخلوق، لأيّ طاقة كيفما كان نوعها وشكلها، قادر على إعادة المعدوم بكل مكوِّناته، قادر على إيجاد المعدوم مَبْدأً، وقادر على إزالته من الحياة وقادر على إعادته كما كان بكل مكوِّناته.

وإذا أخذنا العدم بصفته موت، وأخذنا المعدوم الذي انعدم بصفته قد حيي، ثم مات؛ نجد أن العدم في الأول لا يعرفه إلا من يفكر في إيجاده مبدأ كعمل العباقرة والمخترعين والمبدعين والنوابغ، ولكنه في حق الله تعالى علم، والعلم صفة ذاتية لله عز وجل، وله أيضا صفات أخرى ذاتية ولكنها صفات ذاتية فعلية، وله أفعال لم يصف بها نفسه ويجعلها من أسمائه الحسنى، والفعل حين يأتي يدل على صفة، فإذا بطش الإنسان يجوز أن يوصف بالبطاش لأن الباطش اسم الفاعل والفاعل هو الإنسان ولكن الله تعالى حين فعل أفعالا معينة لم يجعلها من أسمائه الحسنى فامتنع أن يؤخذ لها اسم لأن أخذها يكون بخصوصية ما اختصت به ذاته العلية فلا يشتقّ لها اسم مثلا ولو أن اللغة العربية تقرّ بوجود الاشتقاق واسم الفاعل لكل فعل حصل، إلا أنننا هنا بصدد النظر إلى أفعال الله التي أثبتها لنفسه ولم يجعل لها اسما يسمّى به حتى تكون من أسمائه الحسنى، وعليه لا يصح أن نبدأ في الإتيان لأفعاله بأسماء لها، لا يصح ذلك وذلك مثل قوله تعالى: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف)) فَقَصُّ الله للقصص لا يجعل منه قاصّاً، وقوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الرحمن)) لا يجعل منه مُعلِّما للقرآن ولا معلما للبيان، وقوله تعالى: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)  النساء)) لا يجعل من الله مُفْتيا، وقوله تعالى: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال)) لا يجعل من الله ماكراً وهكذا، فالخلق صفة للخالق، ولكن الخلق فعل، فهي إذن صفة ذاتية فعلية خلاف فعل القصّ وفعل التعليم وفعل الإفتاء وفعل المكر لأن الخلق مرتبط بمشيئة الله تعالى إذا شاء خلق، وإذا لم يشأ لم يخلق، فيكون المخلوق سواء كان الكون أو الإنسان أو الحياة؛ موجودا في علم الله تعالى يستحيل أن لا يكون، ولكن إيجاده متعلق بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى، فيكون العدم بعد الله تعالى إذ يستحيل أن لا يكون الله هو الأول والآخر، فالله لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه.

وإذا كانت الحياة والموت جسيمان أو جسيمات من مادة الكون وطاقته، وربما وجد من يقول إنهما جسيمان من غير مادة الكون وطاقته، وإذا كانت الروح أمرا عجبا في ذات الإنسان أفلا يكون من باب أولى وأشدّ عجبا روعة الخالق في تنويع خلقه وإتقان صنعه وجميل تركيبه وبهاء إبداعه وجعله دليلا على وجوده؟ أليس الناظر إلى السماء وما يظهر فيها من شموس وكواكب ونجوم لا يجد فيها تفاوتا؟ أليس النظر إلى السماء يجعل البصر ينقلب إلى صاحبه خاسئا وهو حسير؟ قال تعالى: ((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) الملك))، لا فطور في السماء ولا شقوق ولا اعوجاج، فهل كل هذا ليس دافعا للتفكير المفضي إلى تقديس خالقها؟ أليس الخالق الذي نتحدث عنه هو وحده القادر على إحياء الأموات بكل مكوناتهم؟ أليس الخالق الذي نقدسه هو القادر على إفناء الكون والإنسان والحياة وإبقائهم في عالم الفناء سنين بعدد ذرات الكون، ثم يعيد كل شيء كما كان دون زيادة أو نقصان إذا يشاء؟ أليس من السهل والهيِّن جدّا على الله تعالى أن يعيد المعدوم؟ بلى وربّي. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة

 

لا يقال أن حتمية الفعل لكل بدء هي عينها الحتمية واللاّحتمية المطروقة فلسفيا وعلميا وحضرتك لم تتطرق إليها، لا يقال ذلك لأنني وإن لم أغفل ذلك إلا أنني عدلت عن بحث الحتمية من ذلك المنظور لبعده عن دراستنا، وعليه كنت في غير حاجة لذكر ذلك ومناقشته حتى لا أخلط بين حتمية الفعل لكل بدء والتي هي حتمية قارة وبديهية لأنه يستحيل أن يكون هناك بدء دون فعل البدء فتكون حتمية الفعل لكل بدء قانونا صارما لا يمكن أن يتخلف، وعليه فالحتمية التي تقرر الإقرار وتتقيد بالسببية والعلية وتجعل من السببية أن تكون طبيعية لا أعنيها فلم أتطرق إليها، لم أتطرق إلى الحتمية بالمعنى الذي ناقشه الفلاسفة والعلماء، ولم أناقش الاحتمالية في فيزياء الكم، بل خضت في بحثي بشكل عادي وركبته إلى النهاية التي انتهيت إليها والتي بين يديك حضرة القارئ المحترم، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش

تم بعون الله وتوفيقه في طنجة بتاريخ: 22 مارس 2020م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النشرات الورقية التي صدرت للمؤلف:

 

(1)  تائية الانتفاضة (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية 2002.

(2)  الكلام الذهبي (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية 1999.

(3)  حكومة الجرذان (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998.

(4)  الديك المترشح (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998.

(5)  الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الأولى سنة 1998 وهي أول كتاب عن الهجرة السرية من مضيق جبل طارق

(6) الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الثانية سنة 2003 والنشرة الإلكترونية الأولى وقد صارت فيها المجموعة من الأدب المَمْدَري سنة: 2007م

La Inmigración Clandestina (Historias Cortas)

(7)  الهجرة السرية بالإسبانية، الطبعة الأولى سنة: 2008.

(8) انتفاضة الجياع (رواية) الطبعة الورقية الأولى سنة 1999، والنشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م، وقد صارت من الأدب المَمْدَري.

(9)  التفكير بالنصوص (بحث أكاديمي). الطبعة الأولى سنة: 1999.

(10)  وجه العالم في القرن الحادي والعشرين (دراسة مستقبلية للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999.

(11)  الإعلام والطبيعة (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001.

(12) الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002.

(13) الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008.

(14) ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009.

(15) طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) الطبعة الورقية الأولى: 2009، والنشرة الإلكترونية الأولى: 2009.

(16) نساء مستعملات (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الورقية الأولى 2010.

(17) سخف الحداثة وخواء الحداثيين (في النقد والنقض) الطبعة الورقية الأولى: 2010، والنشرة الإلكترونية الأولى: غشت 2009.

(18) طنجة النصرانية (رواية من الأدب المَمْدَري) الطبعة الأولى 2011.

(19) حركة تصحيح مسار 20 فبراير (دراسة للشعارات المرفوعة) الطبعة الأولى 2011.

(20) النظرية المَمْدَرية (في الفكر والأدب والفلسفة)، الطبعة الأولى: 2012.

(21) الجهاز المناعي للقرآن (دراسة أسلوبية) الطبعة الأولى: 2012.

(22) المؤامرة البيئية على ساكنة طنجة (ظلم المحكمة الابتدائية وأمانديس؛ شاطئ مرقالة أنموذجا) الطبعة الأولى: 2012.

(23) بوتين.. حسن نصر الله والتلذذ بقتل الشعب السوري (رسالة من أديب مغربي إلى كل من السفير الروسي واللبناني بالرباط) الطبعة الأولى: 2012م.

(24) لصوص ثورة الشام المجيدة (أمريكا، أوروبا، روسيا، الصين، إيران، الشيعة، إسرائيل، تركيا، حزب الله والعرب) الطبعة الورقية الأولى، يوليو سنة: 2013م

ــــــــــــــــــــــــــــــ

النشرات الإلكترونية غير الورقية:

 

(25) جاهلية الشيعة وسخافة عقولهم (دراسة مقارناتية للدين الشيعي) النشرة الإلكترونية الأولى: الاثنين 14 مارس 2016 م.

(26) سيمفونية الكون (مجموعة قصصية)، النشرة الإلكترونية الأولى: الأحد 28 يناير 2018م.

(27) الإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) النشرة الإلكترونية الأولى: الاثنين 13 يناير 2018م.

(28) كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية) النشرة الإلكترونية الأولى: ليلة الجمعة 19 رمضان سنة: 1440 هـ الموافق لـ: 24 مايو سنة: 2019م.

(29) فيزياء الفعل لكل بدء (العدم وإشكالية إعادة المعدوم نموذجا (دراسة أكاديمية) النشرة الإلكترونية الأولى: 23 مارس 2020م.

 

نهماأن

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

الأدب المَمْدَري محاضرة ألقاها الأديب المغربي : محمد محمد البقاش بطنجة بتاريخ: 03 مارس 2009
قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl