الرئيسية » ثقافة وفنون



أيهما الأعلى؛ الإنسان أم الحمار؟

(قصة قصيرة)

 

في زنقة المعدنوس بحي الدَّرادب أصبح "مَنانا" يملك حمارا أصلع، كان يرعاه في منتزه "عشّابة" قبل أن يبيده نفايات بشرية، تعوّد حماره على الذهاب والإيّاب إلى مرعاه دون قيادة صاحبه.

وجاء موعد إقامة الفولكلور فترشَّح حماره لخوض الانتخابات أملا في حماية ما تبقّى من المناطق الخضراء في الأندلس الصغيرة.

اكتمل المشهد السياسي وتأثّث بوجوه الحمير والبشر حتى بات لا يُعرف أيُّهم حمارٌ وأيُّهم بشر، لم يفز حمار "مَنانا" فاغتاظ أشذّ الغيْظ وهو يرى حميرا يُتوِّجُهم أربابٌ من السَّفَلة وأعداء البيئة، لم يَيْأس.

ساق حماره إلى بيته الجديد وكان بطابَق عُلْويّ فوقه سَطْح يُطِلّ على مشهديْن، ويشهد على إطلالتيْن، بناه من الطوب والقِرْميد ودعَّمه بقَصَب الخَيْزُران، قرّر أن يعلي من شأن حماره ويعطيه موقعا في الأعلى حتى ينسى وجع الانتكاسة، صعد به إلى الطابق العلوي في مشقّة، حمارُه لا يتقن صعود الدَّرَج، ولم يعرف قطُّ ارتفاعاً فوق البشر، عاش سافلاً واليوم تنسلخ عنه السفالة فيحظى بعُلُوٍّ مرموق تشْرئِبّ له أعناق الحمير.

قطع عنه المرعى وأبقاه في الأعلى ينظر إلى مَنْ تَحْتَه في كبرياء، ويتبخْتر على من دونه في خُيَلاء، لم يعد يذوق العُشْب، أو يشرب ماء وادي اليهود، صار طعامه الشعير والفول والشمندر، اكتنز حمار "منانا" حتى خُيِّل إليه أنه ليس حمارا،  دخل في روعه أنه لا ينتمي لجنس الحمير، وتمضي الشهور والسنون و"مَنانا" يضغط على "مَنانا" يستنسخ نفسه حتى آن أوان زوال الهمّ، وحضر موعد ذهاب الغمّ، عهد إلى زوجه أن تُهَيِّئ لحماره في الأسفل مكانا يقيه الحرّ ويجنبه البرد، أصبح الحمار مكتنزا لا يصلح لحمل الأثقال، ولا يفيد في حرث الأراضي، والحكمة من إعادته إلى وضعه ومكانته في ثقافة "منانا" ألاّ ينسى فطرته، وألاّ يتنكّر لحماريته.

وضع "منانا" الحبل على عنق حماره في نفور من الحمار وتَبَرُّمِه منه، نجح في وضعه على عنقه، ثم شرع يجرّه منه يريد إنزاله إلى الأسفل، هاج الحمار وماج، ركل ورفس صاحبه، عضّه وأمعن في الانتقام منه حتى كاد يقتله لولا فرار "منانا"، وهبوطه في الدَّرَج متشقلبا، أسرع إلى أهله وبنيه يخرجهم من البيت السفلي، الحمار في الأعلى يركل ويقفز يقاتل أشباحا بنهيقه، يرتفع بقفزاته عاليا، ثم ينزل على سقف البيت بثقل زائد عن وزنه حتى بدأ يهتزّ، وما إن أخرج "منانا" أهله وذويه حتى خرّ السقف على متاعه، وخرّ مع السقف الحمار، وقع حماره مع سقف بيته من شدة الهيجان، أصبح حمار "منانا" في الأسفل بعد أن كان في الأعلى، صار سافلا بعد أن كان عاليا، وحين اقترب منه "منانا" وجده ميتا.

آوى إلى ظل زيتونة يبكي متحسرا متندِّما، يلوم نفسه على فعلته، ثم نهض ووقف إلى حماره يخاطبه:

حماري العزيز: لقد أخطأتُ بحقك فسامحني، لقد رفعتك إلى الأعلى وأنت سافل، خُلِقْتَ دونيا عني فأردتَ أن تستبدل مكانتي بمكانتك، وحين أحسستَ بإعادتي لك إلى سفالتك هجمت علي وكدت تقتلني، فَتَبّاً لمن يُعْلي من شأن الحمير حتى إذا اعْتَلَوْا نسوا حِمارِيتَهُمْ ورفضوا العودة إلى طبيعتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش

طنجة في: 05 يوليوز 2020م  

    

  

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

الحرب الغبية على السنة النبوية
سكان طنجة وتطوان وأصيلا يقاضون شركة أمنديس في المحاكم الابتدائية
الأدب الشعبي في خدمة القيم

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl