من منا مثلا يستطيع حفظ واستذكار مليون جملة؟ لقد كان أحمد بن حنبل يحفظ مليون حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه ويستذكرها أنى شاء، والحديث ليس مركبا من جملة فحسب، بل من فقرة ونص.
ومن منا يستطيع إملاء أربعين ألف جملة تكتب عنه من طرف الكتبة؟ فقد كان أبو داود يملي على تلاميذه أربعين ألف حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه.
وأبو زرعة يحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ أحدنا سورة الإخلاص.
والإمام أبو بكر بن عربي أخرج لنا تفسيرا كبيرا في ثمانين جزءا، وأخرج لنا كتاب: شرح الترمذي. وكتاب: أحكام القرآن الكبرى والصغرى، والعواصم من القواصم، والمحصول في الأصول، فكيف كان هذا الرجل في عقله وقوة حفظه؟
وابن أبي الدنيا أخرج لنا ألف مؤلف، فمن منا يستطيع ذلك؟
وابن عساكر أخرج لنا تاريخ ابن عساكر في ثمانين مجلدا، فكيف حصل؟
والحاكم صاحب المستدرك أخرج لنا ألف جزء فكيف ألفه؟
ومحمد بن إسحاق المؤرخ الروائي سمع عن ألف شيخ، ورحل في طلب العلم والمعرفة وهو ابن عشرين سنة، وحين رجع إلى موطنه كان عمره خمسة وستين سنة، فأي تضحية هذه في سبيل العلم والمعرفة؟
والإمام البخاري سمع من أكثر من ألف شيخ، فأخرج لنا صحيحه المشهور، فكيف تأتى له ذلك؟
والحافظ بن رجب الحنبلي يروي لنا عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قول عقيل: ((إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد حضر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عمر الثمانين ما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة)) الشريط الصوتي رقم: 8491 للدكتور: ناصر بن سليمان العمر .
هذا العظيم عقيل الحنبلي ألف كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد، وله كتاب صغير في عشرين مجلدا، فأي نوع من الرجال والعلماء والمثقفين هذا الرجل؟ ويروي ابن عقيل عن أبي جعفر الطبري قائلا:
" إن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه (لتلاميذه) أتنشطون لتفسير القرآن؟ فقالوا:كم يكون قدره؟ فقال: " ثلاثين ألف ورقة فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة " المصدر السابق.
وقال لهم مرة أخرى :
(( أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ فذكر نحوا مما ذكره في تفسير القرآن، فقالوا مثل قولهم في التفسير فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير )).
المصدر السابق.
فهل لم تكن للرجل اهتمامات أخرى ؟
وهذا أبو جعفر بن جرير كان يكتب في كل يوم أربعين ورقة، استمر كذلك مدة أربعين سنة، وذكر له دعاء عن جعفر بن محمد فاستدعى محبرة وصحيفة وكتبه لأن الدعاء وجه إليه في مرضه، وكان مرض الموت، ولم يكن يعرفه فحرص على تسجيله، وحين أشفقوا عليه لأنه كان يحتضر قال:
(( ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات )) المصدر السابق.
ثم توفي بعد كتابته تلك بنحو ساعة، أو أقل منها.
فمن أي المعادن مثل أولئك الرجال ؟ من أي طينة هؤلاء العلماء والمفكرين ؟
وهذا الفارسي يقول : سمعت أبا المعالي الجويني يقول:
(( أنا لا أنام ولا آكل عادة، إنما أنام إذا غلبني النوم ليلا كان أو نهارا، وآكل إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان )) المصدر السابق. وكانت لذته ونزهته في مذاكرته للعلم، وطلبه للفائدة من أي نوع كان. عجيب يحرص على الفائدة كيفما كان نوعها وكأنه خلق للدراسة والتحصيل فقط، ولم يخلق لإشباع حاجاته العضوية والغرائز، ثم التحصيل والدراسة، أي عقول كان يحمل أولئك؟ وأي عزيمة كانت تنطوي عليها نفوسهم؟ لا عجب فهم الذين دفعوا بعجلة حضارتنا دفعة قوية، ثم رحلوا، فكانوا كالمحرك لها انطفأ بموتهم وبقيت حضارتنا حية تسير بقوة دفعتهم والمحرك منطفئ مثل السيارة.. فهل نفعل مثلهم في إعادة حضارتنا إلى الواجهة ؟ هل نوجد لها موقعا في حياتنا وفي الموقف الدولي؟ هل نحن ممن لا يحملون جينات العظماء؟