|
الشعر ما كان ديوان العرب ولن يكون أبدا
================
الشعر ليس ديوان العرب . الشعر ديوان عرب معلومين في التاريخ . ليس للعرب بعد أي ديوان ، وسيكون لهم ديوان مستقبلا ، ولكنه لن يكون شعرا .
القول بأن الشعر ديوان العرب يقضي بسريان التتويج في كل وقت وحين ، يقضي بجعله قائما في جميع العصور ، بارزا في جميع الأزمنة ، وهذا غير مطابق للواقع .
صحيح أن الشعر قد اقتعد أعلى القمم في كلام العرب ، ولكنه اقتعدها في الماضي . فالقرنان الأخيران للعصر الجاهلي كانت فيه اللغة العربية في أعلى مراتبها ، وكان الشعر يمثل قمة البلاغة والفصاحة والبيان حينها ، وإلى جانبه كان هناك نثر لا يقل روعة وسموقا عنه ، نثر راق يتمثله العرب في كلامهم غير المنظوم ، انحسر كله في لهجة قريش التي أخذت من كل اللهجات فسادت في وسط العرب ، وكان إلى جانب شعرهم نثر الخطابة والرسالة الشفهية ..
في خضم هذا ظهر نثر جديد متميز عن الشعر ؛ وهو غير معقول ، إذ كان يجب أن يكون من جنس الشعر ، وليس من جنس النثر ، وهو ما لم يكن ، الأمر يتعلق بالقرآن العظيم ، فدل ذلك أولا على أن اللغة العربية لن يتوج فيها جنس كلامي من جنس الشعر ، بل يجب أن يكون من جنس النثر ؛ وقد كان ذلك متمثلا في القرآن الكريم فحق أن يكون القرآن ديوانهم ؛ لأنه نثر يوماوي يذهب فيه الناس ويأتي آخرون وهو هو باق ، غير أن الأمر شاذ بسبب كون القرآن ليس من كلامهم ، وحتى القول ببشريته ليجعله منهم وإليهم ولو انحسر في شخص محمد ؛ لأنه عربي ينوب عنهم ، لا يستقيم ، لأنه قد دل العقل على كونه ليس كلامهم ، ولا كلام محمد ، ولن يكون كلام بشر وهذا موضوع آخر ، فتأكد بما لا يدع مجالا الشك أن القرآن ليس اختراعا عربيا ، أو تأليفا بشريا ، فقضى ذلك ألا يكون ديوانهم ماداموا لم يخلقوه أو يبتدعوه ، كما قضى منطقيا أن يبحثوا عن ديوان لهم في النثر ، وليس في الشعر ، يبحثوا عن جنس كلامي يخترعونه ولا يعمر مئات السنين ؛ أو آلاف السنين ، بل يثبت في عليينه ثباتا مادامت السموات والأرض حتى يكون بحق ديوانهم ، قضى ذلك أن يأتوا بكلام يومـاوي يظل يوماويا لجنس البشر ، ومن البشر العرب حتى يكون بحق ديوانهم ، وهو لحد الآن غير موجود .
في القرنين الأخيرين للعصر الجاهلي ، وفي صدر الإسلام ، ثم القرون التي تلته بالعصر الأموي والعباسي ظل الشعر فعلا ديوان عرب ، ديوان أولئك العرب ، لأنه كان مناط التتويج ، وعمر بعد ذلك ولم يزل ، ولكن على شكل منحسر في أفراد ، وحتى لو صار محل اهتمام الجماعات والمجموعات الناطقة بالعربية ، وبنفس الصورة القديمة اليوم ، أو أرقى منها ، فلن يكون مع ذلك ديوان العرب بأل التعريف .
ديوان العرب يجب أن يكون نثرا ، وليس شعرا ، ودليلي على ذلك باستقراء عقلي لنثر موجود بيننا وهو القرآن الكريم الذي لو علم الله تعالى بقدرة الشعر على الإحاطة بجميع المعاني لجعل كلامه شعرا ، وليس نثرا ، لجعله من جنس الشعر ، وليس مـن جنس النثـر ، ولكان شعرا متميـزا لن يقدر أحد على الإتيان بمثله ، مثله مثل القرآن بنثره ، لو ..
ولكن الله تعالى لعلمه بما تقدم وما تأخر قضى أن يكون كلامه نثرا ، وليس شعـرا ، قضى أن يكون من جنس النثر ، فكان كلاما عربيا بحكمة إنسانية ، وليس بحكمة عربية . كان كلامه بلغة وضعها البشر ، ثم عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بسورة مثله ؛ وهو غير معقول عقلا كما ورد في الممدرية ( في النظرية والتقنية ) ولكنه كائن فعلا وواقعا ، فكان ذلك بحثا آخر يقودنا إلى الإعجاز ، وهو ليس موضوعنا .
أقول : بما أن القرآن الكريم قد بز الشعر ، وبز جميع أنواع النثر وهو نثر من نوع خاص ، فإن ديوان العرب يجب أن يكون نثرا محاكاة للقرآن العظيم ؛ يستظل بظله ، ويتعلق بحياته ..
هذا النثر قد جرت محاولات عديدة لإيجاده مثل المقامات ، وقد صعدت سلم الإبداع درجة مرموقة لم تبلغها الرواية مثلا ، ولن تبلغها ؛ لأنها ليست من خلق العرب وإبداعهم حتى تكون ديوانهم ..
وعند استقرائي لأنواع وأجناس كثيرة من النثر تبين لي أن النثر الذي سيتوج ديوانا للعرب عبر العصور القادمة ، عبر التلبس باليوماوية والممدرية سيكون سردا ، والسبب في ذلك أن السرد يكاد يكون طبيعة إنسانية ، بل هو كذلك من جهة الخلق وليس الخلق ، إذ لا غنى للإنسان عنه ، وهو نتاج التجمع الإنساني ، وعليه يمكن القول أن ديوان العرب يجب أن يكون سردا ، كما يمكن القول أيضا أن ديوان أي شعب أو أمة يجب أن يكون سردا ؛ لأن هذا الأخير كما أسلفنا حاجة إنسانية أساسية في حياتها الاجتماعية ، فوجب أن تظهر دواوين الشعوب والأمم بلغتها في نثرها ، وليس في شعرها .
هذه هي البداية .
ثم ماذا بعد ذلك ؟
بعد ذلك :
أولا : اختيار جنس سردي موجود في تاريخنا بشرط أن يكون عربيا خالصا .
ثانيا : اختراع جنس جديد نراعي فيه حياته الجنسية ( أي نراعي فيه كونه يحيا مع الجنس البشري وليس مع فرد بعينه ) حتى إذا مات الإنسان ذهب معه جنسه ، ولكن الجنس الإنسـاني يظل معمرا هذه الأرض بحكم غريزة البقاء ، وعليه يجب أن يظل مع الجنس الإنساني ، وربما يصطحبه معه إلى آخرته ..
ثالثا : البحث في السرد القرآني عن منارات تنير طريقنا نحو خلق جنس سردي يحاكي القرآن الكريم في حياته مع البشرية ، يقلده من حيث جعل الجنس لكل زمان ومكان ، جعله يوماويا من حيث الخلق والإيجاد مع أهمية غيره بدرجات ..
رابعا : ركوب الممدرية في خلقها لأجناس متميزة قد تتطور فتصبح فعلا ديوان العرب ، ربما يتعلق الأمر بالقصة الظليلة أو غيرها .
هذه نظرة متطلعة إلى التتويج ، وسؤال عن الجنس والنوع ، ولكن التاج لم يصغه الصائغ المبدع بعد .
.. ترى هل يظهر ذلك في الممدرية ؟
========
محمد محمد البقاش
|